شرح كتاب " الإحكام لأصول الأحكام" للإمام ابن حزم (3) لفضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.

4,073 مشاهدة
385 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الثالث من شرح كتاب «الإحكام في أصول الأحكام» للإمام أبي محمد علي بن حزم الأندلسي رحمه الله تعالى، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يبدأ الشيخ في هذا المجلس قراءة مقدمة المصنف وشرحها. افتتح ابن حزم كتابه بحمد الله على نعمه العامة والخاصة، وقرر فيها أن الهداية والتوفيق بيد الله وحده، وهذا من «براعة الاستهلال»، أي أن يُشير المؤلف في أول كتابه إلى مقصوده منه.

أهمية هذا الدرس أنه يضع الأساس النفسي والمنهجي قبل الدخول في مسائل الأصول. فطالب العلم يحتاج أولًا إلى أن يعرف أن إصابة الحق توفيق من الله، وأن يعرف القوى التي ركّبها الله في النفس البشرية، كالعدل والهوى والفهم والجهل والتمييز والعقل، وكيف يعمل كل منها في قبول الحق أو رده.

ويتعلم المشاهد من هذا الدرس أن يفتقر إلى الله في طلب الهداية، وأن يحذر من الاغترار بالعلم أو العبادة، وأن يعرف أسباب انحراف الناس عن الحق، وأن ينصف مخالفه، وأن يدرك أن العلم الحقيقي هو الفهم والخشية، وليس كثرة الحفظ والرواية.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: نعم الله العامة والخاصة وإرسال الرسل

بدأ ابن حزم بحمد الله الذي أنعم على عباده بنوعين من النعم. النعم العامة يشترك فيها جميع الخلق، كالهواء والماء والخيرات. والنعم الخاصة هي الهداية إلى الإسلام والإيمان. وأعظم النعم أن الله أرسل إلينا خير الخلق محمدًا صلى الله عليه وسلم، يبشر من أطاع بالجنة وينذر من عصى بالنار.

وبيّن الشيخ أن الحكمة من إرسال الرسل إقامة الحجة على العباد ببيان واضح، فيهلك من هلك بعد أن عرف الحق، ويحيا من حيي على بصيرة. ويطيع المطيع بإذن الله، ويعصي العاصي بإذن الله، والله يخص من يشاء بتوفيقه.

قال تعالى: ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: 42]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: 3].

المحور الثاني: الهداية والتوفيق بيد الله وحده

قرر الشيخ أن ثبات العبد على الحق لا يرجع إلى ذكائه ولا قوته ولا خبرته، وإنما هو فضل من الله. فعلى العبد أن يبذل الأسباب، ويفتقر إلى ربه، ويسأله الهداية. وذكر أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كان إذا أشكلت عليه مسألة مرّغ وجهه في التراب، يسأل الله أن يفتح عليه، ويقول: «يا معلم إبراهيم علمني».

وبيّن أن التوفيق قد يأتي في باب ويُحرم العبد منه في باب آخر، فقد يُوفَّق أحدهم للصدقة ويُحرم الصلاة. والله سبحانه لا يُسأل عما يفعل، وقد جعل للعبد اختيارًا يقع وفق علم الله ومشيئته. واستدل الشيخ بقول الأنبياء الذين أظهروا افتقارهم إلى الله رغم علو منزلتهم:

قال إبراهيم عليه السلام: ﴿لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ [الأنعام: 77]، وقال يوسف عليه السلام: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: 33]، وقال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 74]، وقال سبحانه: ﴿وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ • فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحجرات: 7-8]، وقال: ﴿مَن يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: 39]، وقال: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: 23].

المحور الثالث: التحذير من الاغترار وخوف سوء الخاتمة

نبّه الشيخ إلى أن العبد لا ينبغي أن يغتر بعلمه ولا بعبادته ولا بحفظه، وأن عليه أن يحذر مكر الله. وذكر قصة رجل كان من حملة القرآن والعبّاد، ثم فُتن بامرأة نصرانية فتنصّر من أجلها، ولقيه بعض المسلمين بعد ذلك فلم يبق في قلبه من القرآن شيء. وهذه القصة تدل على أن العبرة بالخواتيم.

وبيّن أن الذل لله والانكسار بين يديه هو باب العزة الحقيقية. فكلما ازداد العبد ذلًّا لربه ازداد عزة، وهذا حال الأنبياء الذين لم يزكّوا أنفسهم مع كمالهم.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ» [متفق عليه]، وقال تعالى: ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: 8]، وقال: ﴿كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام: 108].

المحور الرابع: القوى المركّبة في النفس البشرية

ذكر ابن حزم أن الله ركّب في النفس قوى مختلفة. أولها قوة العدل التي تميل بالنفس إلى الحق والإنصاف حتى مع المخالف. ومنها الغضب والشهوة اللذان يزيّنان للنفس الجور ويُعميانها عن الرشد، فيأخذ صاحبها العزة بالإثم، ويفرح كل حزب بما عنده. ومن ذلك التعصب للشيوخ، فيُجعل قول الشيخ ميزانًا للحق، ولا يُجعل الدليل هو الميزان.

ومنها قوة الفهم، وهي عطية من الله تُريح صاحبها من ظلمات الإشكال. ويقابلها الجهل الذي يعمّ النفس بالحيرة. ومنها الجبن والتردد الذي يجعل صاحبه متذبذبًا لا يثبت على اختيار. وهناك صنف من الناس يتتبع زلات العلماء وأخطاءهم بقصد التشهير بهم، وهذا ليس من منهج أهل الحق.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: 135]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90]، وقال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾ [البقرة: 206]، وقال: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: 53]، وقال: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: 79]، وقال: ﴿مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ وَلَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ﴾ [النساء: 143]. وقال علي رضي الله عنه في الصحيفة: «إِلَّا فَهْمًا يُعْطَى رَجُلٌ فِي كِتَابٍ» [رواه البخاري].

المحور الخامس: قوة التمييز وقوة العقل ومكانة العلم

ذكر المصنف قوة التمييز التي سماها الأوائل «المنطق»، وبها يُتوصل إلى فهم خطاب الله تعالى ومعرفة الأشياء على حقيقتها. ثم ذكر قوة العقل التي تعين النفس على نصر العدل وإيثار ما صحّ عندها، ثم اعتقاده، ثم إظهاره باللسان والعمل. وبيّن الشيخ أن كثيرًا من الناس يلتبس عليه الحق بالباطل في المسائل والمشكلات لضعف هذه القوة عنده.

وقرر الشيخ أن العلم ليس بكثرة الرواية وحفظ المسائل، وإنما هو الفهم والخشية، كما جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه. ومع ذلك فالعالم قد يخطئ، ولم يضمن الله العصمة لأحد بعد نبيه صلى الله عليه وسلم.

قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ • الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: 17-18]، وقال: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]، وقال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا»، قيل: كيف أنصره ظالمًا؟ قال: «تَأْخُذُ فَوْقَ يَدَيْهِ» [رواه البخاري].

النقاط الرئيسية

  • افتتح ابن حزم كتابه ببيان نعم الله العامة والخاصة، وهذا من براعة الاستهلال.
  • أعظم النعم إرسال النبي صلى الله عليه وسلم والهداية إلى الإسلام، وبالرسل تقوم الحجة على العباد.
  • الهداية والتوفيق فضل من الله وحده، ولا تُنال بالذكاء ولا بالقوة.
  • الأنبياء أكمل الخلق، ومع ذلك أظهروا افتقارهم إلى ربهم في طلب الهداية والعصمة من الفتن.
  • في النفس قوى متعددة: العدل، والغضب والشهوة، والفهم، والجهل، والجبن، والتمييز، والعقل. وكل منها يؤثر في قبول الحق أو رده.
  • التعصب للأشخاص وتتبع زلات العلماء من أسباب الانحراف عن الحق.
  • العلم الحقيقي فهم وخشية، ولا عصمة لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم.

الفوائد والعبر

  • أكثِر من سؤال الله الهداية والثبات، وأظهر افتقارك إليه، خاصة عند المسائل المشكلة.
  • لا تغتر بعلمك ولا عبادتك، واخشَ سوء الخاتمة، فالعبرة بالخواتيم.
  • اجعل الدليل هو الميزان، لا الأشخاص، وأنصف مخالفك ولو على نفسك.
  • اطلب الفهم والتفقه، ولا تكتفِ بكثرة الحفظ، وقوِّ عقلك وتمييزك حتى لا يلتبس عليك الحق بالباطل.
  • احذر من تتبع زلات العلماء للتشهير بهم، وانتبه إلى نيتك وقصدك من طلب العلم.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات