شرح كتاب " الإحكام لأصول الأحكام" للإمام ابن حزم (33) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

4,461 مشاهدة
137 مشاركة
منذ 6 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الثالث والثلاثون من شرح كتاب «الإحكام في أصول الأحكام» للإمام أبي محمد علي بن حزم الأندلسي رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ويستكمل فيه الشيخ مناقشة الإمام ابن حزم للمالكية في احتجاجهم بـ«عمل أهل المدينة»، وهي من أشهر مسائل الأصول التي اختلف فيها العلماء.

ويعرض ابن حزم في هذا الموضع عددًا كبيرًا من الأقضية والفتاوى المروية عن الخليفتين الراشدين عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما. وقد صدرت هذه الأقضية في المدينة وبحضرة المهاجرين والأنصار، ومع ذلك قال المالكية فيها: «ليس عليه العمل». ومراده أن يبيّن أنهم لا يطّردون في هذا الأصل، فهم يتركون عمل أهل المدينة في مواضع كثيرة ويحتجّون به في مواضع أخرى.

ومن أهداف هذا الدرس: فهم ضوابط الاحتجاج بعمل أهل المدينة، وتمييز الأثر الصحيح من الضعيف قبل بناء الأحكام عليه، والتفريق بين ما فعله الخليفة اجتهادًا أو تعزيرًا أو سياسةً وما يكون تشريعًا عامًّا ثابتًا. وفي الدرس أيضًا استطراد نافع في حكم التبنّي والفرق بينه وبين كفالة اللقيط.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: إلزام ابن حزم المالكية بالتناقض في الاحتجاج بعمل أهل المدينة

يرى المالكية أن ما عليه أهل المدينة حجة تُقدَّم أحيانًا على أخبار الآحاد. ويقابلهم ابن حزم بأقضية قضى بها عمر وعثمان رضي الله عنهما في المدينة على ملأ من الصحابة، وتركها المالكية بقولهم: «ليس عليه العمل».

ويستنتج ابن حزم من ذلك أن المالكية خالفوا السنن الثابتة وخالفوا أقوال الخلفاء، فيكون عمل أهل المدينة عندهم أصلًا يُترك متى خالف المذهب. وينبّه الشيخ إلى أن ابن حزم يستدل أحيانًا بآثار ضعيفة الإسناد، وهذه لا تقوم بها الحجة عليهم، فلا بد من النظر في صحة الأثر قبل الإلزام به.

وذكر الشيخ في أول المجلس مسألة مواقيت الصلاة، وأورد ما جاء في التخلف عن صلاة الجماعة من الوعيد الشديد:

قال رسول الله ﷺ: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى مَنَازِلِ قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ» (متفق عليه).

المحور الثاني: أقضية عمر رضي الله عنه في الأموال والحقوق

من هذه الأقضية قضاء عمر للضحاك بن خليفة أن يُجري الماء في أرض محمد بن مسلمة رضي الله عنه، لأن الماء لا يصل إلى أرض الضحاك إلا بالمرور فيها، ولا ضرر في ذلك على محمد بن مسلمة. وقد قال المالكية فيه: «ليس عليه العمل».

قال عمر رضي الله عنه لمحمد بن مسلمة: «وَاللهِ لَيَمُرَّنَّ بِهِ وَلَوْ عَلَى بَطْنِكَ» (رواه مالك في الموطأ).

ومنها أن رقيقًا لحاطب بن أبي بلتعة سرقوا ناقة لرجل من مزينة فنحروها، فأغرم عمر حاطبًا ضعف قيمتها. ويوضح الشيخ أن هذا كان تعزيرًا وزجرًا من عمر لحاطب لإجاعته رقيقه، فهو اجتهاد في واقعة بعينها وليس تشريعًا عامًّا.

ومنها قضاؤه في الرجل الذي غرّته أمة بأنها حرة فتزوجها وولدت له، فقضى عليه أن يفدي أولاده بمثلهم. وقد قال المالكية فيه: «ليس عليه العمل»، وقالوا بالقيمة بدلًا من المثل.

المحور الثالث: اللقيط وحكم التبنّي (استطراد مهم)

ذكر ابن حزم قضاء عمر في المنبوذ (اللقيط) أنه حرّ وأن ولاءه لمن التقطه، فقال المالكية: «ليس عليه العمل». ثم استطرد الشيخ إلى واقع اليوم، حيث يكفل بعض الناس أطفالًا من دور الرعاية ثم ينسبونهم إلى أنفسهم ويكتبون أسماءهم في الأوراق الرسمية على أنهم أولادهم. وبيّن أن هذا هو التبنّي المحرّم، وأنه تترتب عليه مفاسد عظيمة في المحرمية والميراث والأنساب.

قال الله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ ۚ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: 5].

وقال رسول الله ﷺ: «مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُ، فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ» (متفق عليه).

وأرشد الشيخ إلى البديل الشرعي، وهو أن يُرضَع الطفل من امرأة في البيت، كزوجة الكافل أو أختها، فتثبت بذلك المحرمية. لقوله ﷺ: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» (متفق عليه). وبيّن أن الكافل يُسمّى أبًا من الرضاعة إن ثبت الرضاع، أما نسبة الطفل إليه نسبًا فلا تجوز.

المحور الرابع: هبة الثواب وضوالّ الإبل والقسامة

شرح الشيخ معنى «هبة الثواب»، وهي أن يهب الإنسان شيئًا يرجو أن يُعوَّض عنه بمثله أو أكثر، وذكر ما روي عن عمر فيها. وذكر أيضًا ما روي عن عثمان رضي الله عنه في ضوالّ الإبل أنه أمر ببيعها وحفظ أثمانها لأصحابها، وبيّن الشيخ أن إسناد هذا الأثر ضعيف.

ثم تناول مسألة القسامة. فقد روي عن عمر أنه بدأ بالمدَّعى عليهم فأحلفهم خمسين يمينًا ثم أغرمهم الدية. ونقل الشيخ أن ابن حزم عدّ للمالكية مخالفة الحديث في القسامة في ثلاثة مواضع: أولها البدء بالمدّعين، وثانيها رمي المدَّعى عليهم الذين حلفوا بالغرم، وثالثها...

وفي حديث القسامة قال النبي ﷺ: «يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ» (رواه مسلم).

المحور الخامس: آثار في العبادات تركها المالكية

عرض الشيخ عددًا من الآثار في العبادات، منها ما روي عن عثمان رضي الله عنه أنه كان يصلي الجمعة ثم ينصرف وليس للجدران ظلّ، وبيّن أن إسناده ضعيف. ومنها قول عثمان على المنبر: «هذا شهر زكاتكم»، وفسّره بأن غالب الناس كانوا يخرجون زكاتهم في رمضان.

ومنها إتمام عثمان الصلاة بمنى أربع ركعات، وقراءة عمر رضي الله عنه سورة يوسف في صلاة الفجر. وقد قال المالكية في هذه كلها: «ليس عليه العمل».

وتكلّم الشيخ كذلك على متعة المطلقة. وختم بأن الحجة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ الصحيحة، وأن عمل أهل بلد لا يصح أن يكون أصلًا مستقلًّا يُعارَض به النص.

النقاط الرئيسية

  • يُلزم ابن حزم المالكية بأنهم تركوا أقضية كثيرة لعمر وعثمان رضي الله عنهما صدرت في المدينة بحضرة المهاجرين والأنصار.
  • الإلزام يحتاج إلى أثر صحيح، والأثر الضعيف لا تقوم به الحجة على المخالف.
  • بعض أقضية الخلفاء كانت تعزيرًا أو سياسة شرعية في واقعة بعينها، مثل تضعيف الغرم على حاطب، فلا تُجعل تشريعًا عامًّا.
  • التبنّي ونسبة الولد إلى غير أبيه محرّم، والبديل الشرعي هو الكفالة مع الرضاعة لتثبت المحرمية.
  • القسامة يُبدأ فيها بأيمان المدّعين كما في الحديث الصحيح.
  • شرح الشيخ معنى «هبة الثواب»، وهي الهبة التي يُرجى عليها العوض.
  • الحجة في الكتاب والسنة الصحيحة، وعمل أهل بلد لا يعارض به النص.

الفوائد والعبر

  • التحقق من صحة الأثر قبل الاحتجاج به أو إلزام المخالف به.
  • الحذر من نسبة الأطفال المكفولين إلى غير آبائهم، وطلب البديل الشرعي في الرضاعة والكفالة لنيل أجر كفالة اليتيم دون الوقوع في المحرّم.
  • الإنصاف في مناقشة المذاهب، فتُنقد أصولها بالدليل ويُعرف مع ذلك قدر أئمتها.
  • الفهم الصحيح لتصرفات الخلفاء الراشدين، والتمييز فيها بين الاجتهاد والتعزير والتشريع.
  • المحافظة على صلاة الجماعة والتحذير من التخلّف عنها، لشدة الوعيد الوارد في ذلك.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات