شرح كتاب " الإحكام لأصول الأحكام" للإمام ابن حزم (52) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس الثاني والخمسون من شرح كتاب «الإحكام في أصول الأحكام» للإمام أبي محمد علي بن حزم الأندلسي رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. افتتح الشيخ المجلس بخطبة الحاجة، ثم أكمل الكلام في باب من أهم أبواب أصول الفقه، وهو باب العموم والخصوص، أي كيف يُفهم اللفظ الشرعي: هل يتناول كل ما يدخل تحته في اللغة، أم يُقصد به بعض أفراده فقط؟
ولهذا الباب أهمية كبيرة، لأن الخطأ في فهم العموم والخصوص يُوقع في أحد خطأين: تضييق ما وسّعه الشرع، أو توسيع ما خصّه الشرع. ويقرّر ابن حزم في هذا الدرس أصل مذهبه، وهو أن اللفظ يُحمل على كل ما يقتضيه في اللغة، ولا يُخصّ إلا بدليل صحيح من نص أو إجماع، لا بالرأي ولا بالهوى.
والهدف من هذا المجلس أن يعرف الطالب أقسام الألفاظ من جهة العموم والخصوص، وأن يتعرّف على الاستثناء، وعلى حكم اللفظ المشترك، وأن يرى كيف تُطبَّق هذه القواعد على مسائل فقهية مثل نكاح الزاني والزانية، ونكاح الكتابية، وحدّ القذف.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: أقسام الألفاظ من حيث العموم والخصوص
بيّن ابن حزم أن الكلام ثلاثة أقسام. القسم الأول خصوص يُراد به الخصوص، مثل الأعلام كقولك: «زيد» و«أحمد»، فاللفظ لا يدل إلا على شخص واحد معيّن. والقسم الثاني عموم يُراد به العموم، ومعناه أن اللفظ يُحمل على كل ما يقتضيه في اللغة. والقسم الثالث عموم يُراد به الخصوص، وسيأتي بيانه.
ومن صور العموم اسم الجنس، وهو الذي تحته أنواع كثيرة، مثل لفظ «الماء» ولفظ «الحي» في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: 30]. فيدخل في «الحي» الإنسان والطير وذوات الأربع والهوام والجن. وأخرج ابن حزم الملائكة من هذا العموم بقول النبي ﷺ: «خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ» [رواه مسلم]. ثم ذكر أنه لا يبعد أن يكون في تركيب الجن شيء من الماء، وإن كان أصلهم النار، كما أن في تركيبنا الماء والتراب والهواء.
ومن صور العموم أيضًا اسم النوع، وهو أخصّ من اسم الجنس، مثل الخيل والبغال والحمير، فهي أنواع من جنس الحيوان. فلفظ «الخيل» يعمّ كل أفراد الخيل، عربيّها وبرذونها، كبيرها وصغيرها، على اختلاف ألوانها، ولا يتناول غيرها من الأنواع.
المحور الثاني: العموم بالوصف، وتطبيقاته في القرآن والسنة
ومن العموم ما يتعلّق بالأسماء الموصوفة بصفة، مثل «ذوي القربى» و«اليتامى» و«المساكين» و«ابن السبيل». فكل من تنطبق عليه الصفة يدخل في الحكم ويستحق الحق، إلا من أخرجه نص. وذكر الشيخ في هذا السياق قصة تُروى عن معاوية رضي الله عنه مع رجل قال له إنه أخوه، يقصد أخوّته من آدم، فأعطاه شيئًا يسيرًا، وأشار إلى أنه لو أعطى كل إخوته من آدم مثل ذلك لما بقي له شيء. والمقصود أن الوصف إذا اتسع اتسع معه الحكم.
ومن الأمثلة قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة: 60]. فهذا عام في كل صدقة وكل فقير ومسكين وعامل ومؤلَّف ورقبة، إلا ما خصّه نص.
ومنها قوله ﷺ: «الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» [رواه أحمد]، فهو عام في كل قرشي، من بني هاشم أو بني عبد شمس أو تيم أو مخزوم أو عدي أو غيرهم، ولا يختص ببطن دون بطن. وخرج من هذا العموم بالنص النساء والصبيان والمجانين. ونبّه الشيخ على بطلان قول من حصر الإمامة في ولد الحسن والحسين، أو ادّعى النسب القرشي بلا دليل.
المحور الثالث: الاستثناء، والعموم الذي يُراد به الخصوص، واللفظ المشترك
ما يُستثنى من اللفظ العام يخرج من الحكم، والباقي بعد الاستثناء هو المقصود به. ومثاله قوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: 14].
ومن العموم الذي أُريد به الخصوص قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: 173]. فلفظ «الناس» الأول يُقصد به بعض الناس الذين نقلوا الخبر، ولفظ «الناس» الثاني يُقصد به جمع المشركين، لا جميع البشر.
وأما اللفظ المشترك، وهو الذي يقع على معانٍ مختلفة وقوعًا متساويًا، فمذهب ابن حزم أنه يُحمل على كل معانيه، ولا يجوز أن يُخصّ ببعضها إلا بدليل من الكتاب أو السنة، لا بالأهواء والافتراضات. وصرّح بأن من خالف هذا من أهل الظاهر فقد تناقض. وعلّق الشيخ بأن هذا هو منهج العلماء الربانيين: يعتقدون الحق ولو خالفهم بعض من ينتسب إلى مذهبهم.
المحور الرابع: تطبيق القاعدة على نكاح الزاني والزانية
ومن تطبيقات القاعدة قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 3]. فالآية عند ابن حزم على عمومها: لا يحلّ للمسلم، زانيًا كان أو عفيفًا، أن يتزوج مسلمة زانية حتى تتوب، وإن وقع النكاح فُسخ أبدًا. وكذلك لا يحلّ للمسلمة أن تتزوج زانيًا حتى يتوب.
وردّ ابن حزم على من ادّعى أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ﴾ [النور: 32]، وقرّر أن دعوى النسخ لا تُقبل إلا بنص جلي أو إجماع متيقن، وأن الآيتين لا تتعارضان. فآية الأيامى ليس فيها إباحة نكاح الزانية، كما أنها ليس فيها إباحة نكاح المحرمات من النساب، والواجب استعمال النصوص كلها واستثناء بعضها من بعض.
وأما نكاح الكتابية فيجوز للمسلم أن يتزوج النصرانية أو اليهودية إذا كانت عفيفة، لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: 5]، والإحصان هنا معناه العفة. وأكّد الشيخ أن المسلمة لا يحلّ لها أبدًا أن تتزوج غير مسلم، كتابيًّا كان أو مشركًا، وأن العقد في هذه الحال باطل.
المحور الخامس: عموم لفظ «المحصنات» في حد القذف، مع وقفات تربوية
ومن تطبيقات القاعدة أيضًا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: 4]. فأوجب ابن حزم حدّ القذف كاملًا على من قذف أي امرأة يقع عليها اسم «المحصنة»، سواء كان إحصانها بالعفة أو بالإسلام أو بالزواج. ولذلك أوجب الحدّ على من قذف الأمة والكافرة والصغيرة، أخذًا بعموم اللفظ.
وتوقّف الشيخ في أثناء الشرح وقفات تربوية. فتكلّم عن أثر غياب رعاية الوالدين، وعن خطر الأجهزة المحمولة التي تُعطى للبنات دون متابعة، وعن رفقاء السوء. وبيّن أن التوبة الصادقة تمحو ما قبلها، وأن التائبة لا تُعيَّر بماضيها. وذكر قصة امرأة استشارته في الزواج، فنصحها ألّا تتزوج دون رضا أهلها حتى لا تبقى بلا سند يحميها.
النقاط الرئيسية
- الكلام عند ابن حزم ثلاثة أقسام: خصوص يُراد به الخصوص، وعموم يُراد به العموم، وعموم يُراد به الخصوص.
- العموم يكون باسم الجنس مثل «الماء» و«الحي»، وباسم النوع مثل «الخيل»، وبالاسم الموصوف بصفة مثل «المساكين» و«ذوي القربى».
- الأصل حمل اللفظ على كل ما يقتضيه في اللغة، ولا يُخصّ إلا بنص صحيح أو إجماع متيقن.
- اللفظ المشترك يُحمل على جميع معانيه ما لم يقم دليل على تخصيصه.
- دعوى النسخ لا تُقبل إلا بنص جلي أو إجماع، والواجب الجمع بين النصوص واستثناء بعضها من بعض.
- لا يحلّ نكاح الزانية ولا الزاني حتى يتوبا، ويجوز نكاح الكتابية العفيفة، ولا يحلّ للمسلمة أن تتزوج غير مسلم.
- حدّ القذف يجب عند ابن حزم على قاذف كل من يقع عليها اسم «المحصنة»، ومن ذلك الأمة والكافرة والصغيرة.
الفوائد والعبر
- تعظيم النصوص الشرعية والوقوف عند ظاهرها، وعدم تخصيصها أو ردّها بالرأي والهوى.
- الحرص على الطهارة والعفة عند اختيار الزوج أو الزوجة، لأن الشرع جعل العفة شرطًا في النكاح.
- باب التوبة مفتوح دائمًا، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، فلا يجوز تعيير التائبين بماضيهم.
- على الآباء والأمهات أن يرعوا أبناءهم ويتابعوا ما يستعملونه من أجهزة، وأن يحموهم من رفقاء السوء.
- الإنصاف في طلب العلم يعني اتباع الحق ولو خالفه بعض من يُنسب إلى المذهب نفسه، وهذا هو منهج العلماء الربانيين.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات