شرح كتاب " الإحكام لأصول الأحكام" للإمام ابن حزم (20) لفضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس العشرون من شرح كتاب «الإحكام في أصول الأحكام» للإمام أبي محمد علي بن حزم الأندلسي رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. عُقد المجلس بعد صلاة العشاء ليلة الأحد الرابع عشر من جمادى الأولى سنة 1440هـ، الموافق للعشرين من يناير 2019م. ويواصل فيه الشيخ مناقشة مسألة كبيرة من مسائل أصول الفقه وعلوم الحديث، وهي: هل يفيد خبر الواحد العدل العلمَ اليقيني أم يفيد غلبة الظن؟
يعرض الشيخ أدلة ابن حزم في قوله إن خبر الواحد العدل يوجب العلم قطعًا، ثم يناقشها بإنصاف. فيُقرّ بما فيها من حق، كحفظ الله لدينه وعصمة النبي ﷺ في تبليغ الشريعة، ويبيّن موضع الخلل، وهو الخلط بين عصمة النبي ﷺ وحفظ الدين من جهة، وعصمة آحاد الرواة من جهة أخرى. ويستعين في ذلك بكلام الإمام الصنعاني الذي سبق نقله في المجالس الماضية.
ويهدف هذا الدرس إلى أن يعرف طالب العلم مراتب الأخبار وما يفيده كل منها، وأن يميّز صواب المصيب من خطأ المخطئ ولو كان المخطئ إمامًا كبيرًا، وأن يتعلم أدب نقد أقوال العلماء مع حفظ قدرهم. كما يتطرق الدرس إلى موقف ابن حزم من القياس والإجماع، وإلى بعض أقوال الفرق المنحرفة كالكرّامية والمرجئة.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: حفظ الدين وعصمة النبي ﷺ في التبليغ
احتج ابن حزم بأن الله تكفّل بحفظ الدين. فلو جاز أن يختلط كثير من الشريعة بالباطل دون أن يتميز، لما أمِنّا أن يكون الدين كله قد اختلط بالباطل. واستدل بقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، وبقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، وبقوله: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾، وبقوله: ﴿قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾.
واستدل كذلك بأن الأمة مجمعة على عصمة النبي ﷺ في تبليغ الشريعة، وأن هذه العصمة لم تكن خاصة بمن شهده من الصحابة، بل هي باقية في بلوغ الدين إلينا إلى يوم القيامة، لأن الحجة قائمة علينا كما كانت قائمة عليهم. واستشهد بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾، وذكر أن فيها قراءتين: «رسالاته» و«رسالته».
ويُقرّ الشيخ بأن هذا كله حق لا خلاف فيه. فسنّة الله وسنّة رسوله ﷺ لا تبديل لها ولا تحويل، ولا يجوز التحول عنها، والدين محفوظ، والحجة قائمة إلى يوم القيامة. لكن موضع النزاع شيء آخر: هل ثبت أولًا أن هذا الحديث المعيّن من قول النبي ﷺ؟ فلا بد من إثبات النسبة قبل ترتيب اللوازم عليها، ﴿فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾.
المحور الثاني: موضع الخلل، وهو الخلط بين عصمة النبي ﷺ وعصمة الرواة
صرّح ابن حزم بأن كل عدل روى خبرًا عن رسول الله ﷺ في الدين فهو معصوم فيه من تعمّد الكذب، مقطوعًا بذلك. وقال إنه لا يجوز عليه الوهم إلا ويبيّن الله ما وهم فيه، كما بيّن سهو النبي ﷺ حين سلّم من ركعتين. ويرى الشيخ أن هذا خطأ صريح. فالله لم يتكفّل بعصمة أحد بعد النبي ﷺ، ولو كان الراوي أصدق الناس.
ومن الأدلة على ذلك أن الثقات يخطئون، ولذلك قام علم العلل على تتبّع أخطاء الثقات. وأخطاء الضعفاء ظاهرة لا تحتاج إلى هذا العلم الدقيق، أما أخطاء الثقات فهي التي يُعنى بها علم العلل. ثم إن ابن حزم نفسه يصحّح أحاديث ويضعّف أخرى، وقد يصحّح حديثًا ثم يضعّفه في موضع آخر، فبأي القولين يُقطع؟
وأشار الشيخ إلى أن النبي ﷺ كان يحكم بالظاهر، ويقضي على نحو ما يسمع، وقد يكون الأمر عند الله على خلاف ذلك، كما في الحديث: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ». فالعمل بغلبة الظن أصل معتبر في الشرع، والقول بأن الخبر يفيد غلبة الظن ليس طعنًا في السنة.
المحور الثالث: التحقيق في المسألة ومراتب خبر الآحاد
يقرر الشيخ أن المسألة فيها تفصيل، وأن ابن حزم خلط بين أقسامها. فما في الصحيحين مما تلقّته الأمة بالقبول، وما احتفّت به القرائن، يفيد العلم واليقين بأن النبي ﷺ قاله. أما ما رواه العدل عن العدل وليس في الصحيحين ولم تحتفّ به القرائن، فيفيد غلبة الظن أن النبي ﷺ قاله، ويجب العمل به.
ويبيّن الشيخ أن من يقول بهذا التفصيل لا يقول إن الدين غير محفوظ، ولا إن الحجة غير قائمة، وما قال أحد من المسلمين ذلك. فالخلاف ليس في العصمة ولا في الحفظ، وإنما في درجة ثبوت آحاد الأخبار. ومن ثَمّ فإن ما ألزم به ابن حزم مخالفيه لا يلزمهم، لأنه بنى إلزامه على مقدمة غير مسلَّمة.
وينبّه الشيخ على أسلوب ابن حزم في هذه المسألة: فهو حين يقتنع بقول يجمع له الأدلة القريبة والبعيدة، ويُغفل النصوص التي تدل على العمل بالظن والحكم به. ومع ذلك فهو ليس متّبعًا للهوى، بل هو ناصر للسنة حريص عليها، وإنما غلبه اجتهاده في هذه المسألة رحمه الله.
المحور الرابع: الفرق المخالفة: الكرّامية والمرجئة
ذكر ابن حزم أن الكرّامية، أتباع محمد بن كرّام السجستاني، يقولون إن النبي ﷺ غير معصوم في تبليغ الشريعة. وبيّن الشيخ أن هذا قول خطير خالفوا به إجماع الأمة، وأن لهم أقوالًا شنيعة في التجسيم والإرجاء، وأن الدين دين محمد بن عبد الله ﷺ لا دين محمد بن كرّام.
وردّ ابن حزم على المرجئة الذين يقطعون بأنه لا يمكن أن يعرف يهودي أو نصراني بقلبه أن الله حق ثم لا يُسلم، وجعل قولهم إحالةً للطبائع بلا برهان. واستشهد الشيخ هنا بحديث الفطرة: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ». ونبّه على خطر المرجئة وما أحدثوه من الأذى في زماننا.
المحور الخامس: موقف ابن حزم من الإجماع والقياس
ألزم ابن حزم مخالفيه بأنهم جوّزوا على الأمة موافقة الخطأ في إجماعها على القياس، وزعم أن القياس عين الباطل. ويبيّن الشيخ أن ابن حزم لا يرى الإجماع حجة إلا إجماع الصحابة، وما عُلم من الدين بالضرورة، وأن ما أجمع عليه أهل العلم من القياس قد عمل به الصحابة رضي الله عنهم. بل إن النبي ﷺ أفتى بما هو من جنس القياس، كقوله لعمر رضي الله عنه لما قبّل وهو صائم: «أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ بِمَاءٍ وَأَنْتَ صَائِمٌ».
ومثّل الشيخ لجمود الظاهرية على النص دون معناه بأمثلة منها: حديث «لَا يَحْكُمُ أَحَدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ»، فالمعنى نفسه يوجد في القاضي المشوَّش الفكر بجوع أو ألم أو حاجة. ومنها قولهم إن من بال في الماء الراكد مباشرة ارتكب الحرام، أما من بال في إناء ثم صبّه فيه فلا يكون مرتكبًا للحرام.
ويخلص الشيخ إلى أن القياس منه حق ومنه باطل، وأن في المسألة طرفين ووسطًا: طرف أنكر القياس كله كالظاهرية، وطرف غلا فيه حتى ردّ به النصوص، كبعض الحنفية في قولهم إن المرأة تزوّج نفسها بغير وليّ. وهذا مخالف لقوله ﷺ: «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ»، ولقوله: «فَإِنِ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ». والحق في الوسط بين الطرفين.
النقاط الرئيسية
- الدين محفوظ بحفظ الله، والنبي ﷺ معصوم في تبليغ الشريعة بإجماع الأمة، ولا يخالف في ذلك إلا الكرّامية، وهم لا يُعتدّ بهم في الإجماع.
- عصمة النبي ﷺ لا تستلزم عصمة آحاد الرواة، والله لم يتكفّل بعصمة أحد بعده ﷺ.
- الثقات يخطئون، وعلم العلل قائم في أساسه على تتبّع أخطائهم.
- ما في الصحيحين، وما احتفّت به القرائن، يفيد اليقين. وما سواهما من أخبار الآحاد الصحيحة يفيد غلبة الظن، ويجب العمل به.
- الخلاف مع ابن حزم ليس في حفظ الدين ولا في عصمة النبي ﷺ، وإنما في إثبات نسبة الخبر المعيّن إلى النبي ﷺ.
- لا يرى ابن حزم حجية الإجماع إلا إجماع الصحابة، ويُبطل القياس كله، مع أن الصحابة عملوا بالقياس، والنبي ﷺ أفتى بما هو من جنسه.
- الحق في القياس وسط بين من أنكره بالكلية ومن غلا فيه حتى ردّ به النصوص.
الفوائد والعبر
- ينبغي لطالب العلم ألا يغترّ بقوة عبارة الإمام وكثرة أدلته، بل يعرض الكلام على التحقيق، ويرجع إلى أهل العلم الذين يميّزون صواب المصيب من خطأ المخطئ.
- الإنصاف مع المخالف واجب: نقرّ بما في كلامه من حق، ونبيّن موضع الخطأ، ونحفظ للأئمة قدرهم ونترحّم عليهم.
- ينبغي تحرير محل النزاع قبل المناقشة، فكثير من الإلزامات تسقط إذا تبيّن أن الخصم لا يقول بالمقدمة التي بُنيت عليها.
- من المهم معرفة الفرق الضالة كالكرّامية والمرجئة وخطر أقوالها، ليحذرها المسلم في كل زمان.
- من الحكمة التوسط والاعتدال في المسائل العلمية كالقياس، وتجنّب طرفي الجمود على الظاهر والغلوّ في الرأي.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات