شرح كتاب " الإحكام لأصول الأحكام" للإمام ابن حزم (62) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

1,829 مشاهدة
397 مشاركة
منذ 5 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الثاني والستون من شرح كتاب «الإحكام في أصول الأحكام» للإمام أبي محمد علي بن حزم الأندلسي رحمه الله. يشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. عُقد المجلس بعد صلاة العشاء ليلة الأحد الثالث عشر من شهر رجب سنة 1441هـ، الموافق للثامن من مارس سنة 2020م. ويواصل فيه الشيخ مبحث أفعال النبي ﷺ وما تدل عليه من الأحكام، وهو من أدق مباحث أصول الفقه وأخطرها أثرًا في الاستنباط.

يعرض الدرس كلام ابن حزم في التفريق بين الفعل المجرد والفعل الواقع تنفيذًا لأمر أو بيانًا له. ويتناول كذلك الفعل المتضمن معنى الأمر أو النهي، وحكم تعارض فعله ﷺ مع قوله. ويبيّن الشيخ إلزامات ابن حزم للمالكية في مسائل كثيرة، ثم يناقشها مناقشة علمية منصفة. فيذبّ عن الأئمة حيث يكون لهم وجه، وينبّه على ما يراه من شذوذ ظاهرية ابن حزم في بعض المسائل.

أهداف الدرس: معرفة مراتب أفعال النبي ﷺ ودلالتها، والتمييز بين الواجب والمستحب والمباح والخاص به ﷺ. ويهدف كذلك إلى تقرير قاعدة «الفعل المجرد لا يدل إلا على الجواز أو الاستحباب»، وإلى تعلّم أدب الخلاف وإنصاف المخالف. ويعرّف أخيرًا بأهمية الرجوع إلى كتب المحققين كابن القيم في تقويم آراء ابن حزم.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: نقد ابن حزم للمالكية في ترك أفعال النبي ﷺ ودفاع الشيخ عنهم

ينقل ابن حزم أن قومًا من أصحاب مالك يقولون بحجية الأفعال، ثم يصفهم بأنهم «أترك خلق الله لأفعاله ﷺ». ويستشهد على ذلك بأمثلة، منها:

  • صلاة النبي ﷺ بالناس جالسًا.
  • دخوله ﷺ في الصلاة بعد أن ابتدأها أبو بكر رضي الله عنه.
  • المسح على الناصية والعمامة.
  • نضح بول الصبي.
  • الفطر في السفر.
  • القبلة للصائم.
  • قراءة سورة الطور في المغرب.
  • التطيب عند الإحرام.
  • القضاء بالسلب للقاتل.
  • السجود في سورة النجم وفي ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾.

ويعتذر الشيخ عن المالكية في كثير من ذلك. فإمامة النبي ﷺ بعد ابتداء أبي بكر رأوها من خصائصه ﷺ، إذ لا يجتمع إمامان في صلاة واحدة في مكان واحد. فبقي الأمر عندهم على الأصل العام، وهو قوله ﷺ: «وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ».

ويستنكر الشيخ قول ابن حزم إن الاستخلاف «لم يأتِ به نص ولا إجماع» ويعدّه زلة كبيرة. فقد أشار النبي ﷺ إلى أبي بكر حين قالت له المرأة: إن لم أجدك؟ فقال: «فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ». وقدّمه للصلاة بالناس، وأجمع الصحابة إلا من شذّ على استخلافه بعده.

المحور الثاني: الفعل المجرد يدل على الإباحة، ومسألة القبلة للصائم

يقرر الشيخ أن تقبيل النبي ﷺ ومباشرته وهو صائم لا يدل إلا على الجواز لمن يملك نفسه. فليس ذلك سنة ولا فريضة يُطالب بها كل متزوج. ومن ثمّ يتوجه تفريق الإمام مالك رحمه الله بين الشاب الذي لا يأمن على نفسه الوقوع في الجماع في نهار رمضان، والشيخ الكبير الذي يملك نفسه، سدًّا للذريعة، إذ «ليس بعد السلامة شيء».

ويستدل الشيخ لذلك بقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وهي أعلم الناس بحاله ﷺ في بيته: «وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ لِإِرْبِهِ». ويذكر أن الإمام مالكًا كان يفرّق كذلك بين الشاب والشيخ في إلقاء السلام على المرأة الشابة خشية الفتنة.

ويضرب الشيخ أمثلة للمباح الذي يجوز تركه بشرط عدم تحريمه، كأكل الضبّ الذي أُكل على مائدة النبي ﷺ ولم يأكله هو، وكأكل الجراد الذي أحلّه النبي ﷺ. وذكر في ذلك تجربته في اليمن حين كثر الجراد فكان رزقًا ساقه الله للفقراء. والقاعدة عنده: من لم تطب نفسه بالمباح فلا إثم عليه في تركه، ما دام لا يحرّمه.

المحور الثالث: الفعل الواقع تنفيذًا لأمر أو متضمنًا معنى الأمر والنهي

يقرر ابن حزم أن ما كان من أفعاله ﷺ بيانًا لأمر فهو واجب. ومن ذلك قوله ﷺ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»، وقوله ﷺ: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ». ولهذا يرى ابن حزم أن كل أفعاله في الصلاة والحج واجبة، مع التنبيه على الفرق بين الواجب والركن.

ومن هذا الباب همّه ﷺ بإحراق بيوت المتخلفين عن صلاة الجماعة، فقد استدل به ابن حزم على فرضيتها. ومنه أيضًا جلده ﷺ شاربَ الخمر بيانًا للجلد المأمور به. والأصل في المسلم أنه معصوم الدم والمال، فإذا جاء ما يبيح شيئًا من ذلك كان دليلًا على أنه حق. واستدل لذلك بقوله ﷺ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ».

وكذلك الفعل المتضمن أمرًا أو نهيًا يفيد الوجوب أو التحريم. ومثاله إدارته ﷺ ابنَ عباس رضي الله عنهما من يساره إلى يمينه في الصلاة، فهو أمر بالوقوف عن اليمين ونهي عن الوقوف عن اليسار. أما الفعل المجرد الخالي من معنى الأمر والنهي فيُحمل على الاستحباب.

وأجاب ابن حزم عن اعتراض أورده على نفسه. فقاعدته أن المنسوخ ينتقل إلى أقرب المراتب، فلِمَ لم يجعل الهمّ بالإحراق دالًّا على الإباحة فقط؟ فأجاب بأن الدليل قام هنا على نقله إلى الوجوب، لأنه ﷺ لا يستبيح دمًا ولا مالًا إلا بحق.

المحور الرابع: إلزامات ابن حزم للمالكية وتعقيب الشيخ عليها

يلزم ابن حزم القائلين بأن أفعاله ﷺ على الوجوب بمسائل لم يوجبوها مع مواظبته ﷺ عليها، ومنها:

  • الخطبتان يوم الجمعة مع الجلوس بينهما.
  • ترتيب أعضاء الوضوء.
  • صلاة الصبح بمزدلفة.
  • تأخير المغرب إلى مزدلفة ليلة النحر.
  • رمي جمرة العقبة.
  • الاضطجاع بين ركعتي الفجر وصلاة الصبح.

ويعقّب الشيخ بأن بعض هذه المسائل حُمل على التيسير على المسلمين، وأنه لا يلزم من وجوب الشيء أن يكون ركنًا أو شرطًا يبطل العمل بتركه. ويشتد نقده لابن حزم في مسألة الاضطجاع، إذ جعله شرطًا لصحة صلاة الصبح وأفتى في «المحلى» ببطلان صلاة من تركه. ويرى الشيخ أن الصحيح استحبابه، وأن النبي ﷺ كان يفعله استراحةً بعد قيام الليل.

ونقل الشيخ قول ابن القيم في «زاد المعاد»: إن ابن حزم يوجب هذه الضجعة ويبطل صلاة من لم يضطجعها، «وهذا مما تفرّد به عن الأمة». ونصح بالرجوع إلى ابن القيم لمعرفة أخطاء ابن حزم والرد عليها.

المحور الخامس: تعارض فعل النبي ﷺ مع قوله

يرى ابن حزم أنه إذا نهى النبي ﷺ عن شيء ثم فعله، وعُلم تأخر الفعل، فالفعل ناسخ للقول. ولا يقبل عنده دعوى الخصوصية إلا بنص، لأن النبي ﷺ غضب على من قال ذلك.

ويتعقبه الشيخ بأن هذا ليس على إطلاقه. فقد يكون الفعل من خصائصه ﷺ، وقد يكون لبيان الجواز وصرف النهي من التحريم إلى الكراهة، وقد يكون للتخصيص. والعلماء يجتهدون في ذلك، فلا يُحمل الأمر على النسخ مباشرة.

واستدل ابن حزم بحديث الأنصاري الذي سأل عن قبلة الصائم، فأخبره ﷺ أنه يفعل ذلك. فقال: لستَ مثلنا، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. فغضب ﷺ وقال: «وَاللَّهِ إِنِّي لَأَتْقَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَعْلَمُكُمْ بِمَا أَتَّقِي» أو كما قال.

وبيّن الشيخ أن الأنصاري علّل بالمغفرة ولم يعلّل بملك الشهوة، فلذلك غضب النبي ﷺ. ثم أشار إلى قصة سلمة بن صخر البياضي الذي لم يملك نفسه فوقع في المحظور، شاهدًا على اعتبار حال الشخص في هذه المسائل.

النقاط الرئيسية

  • أفعال النبي ﷺ على مراتب: فعل مجرد يدل على الجواز أو الاستحباب، وفعل بياني لأمر يأخذ حكم المبيَّن، وفعل متضمن أمرًا أو نهيًا يفيد الوجوب أو التحريم.
  • من أفعاله ﷺ ما هو من خصائصه، كإمامته بعد ابتداء أبي بكر رضي الله عنه الصلاة، فلا يُقاس عليها.
  • القبلة للصائم مباحة لمن يملك نفسه، ولتفريق الإمام مالك بين الشاب والشيخ وجه معتبر في سد الذريعة.
  • استدل ابن حزم بقوله ﷺ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» و«خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» على وجوب أفعال الصلاة والحج، مع التفريق بين الواجب والركن.
  • همّه ﷺ بإحراق بيوت المتخلفين دليل عند ابن حزم على وجوب صلاة الجماعة.
  • تفرّد ابن حزم بإبطال صلاة الصبح لمن لم يضطجع بعد سنة الفجر، والصحيح استحباب الضجعة كما قرره ابن القيم.
  • القول بأن الفعل المتأخر ينسخ القول ليس على إطلاقه، فقد يكون الفعل للخصوصية أو لبيان الجواز أو لصرف النهي إلى الكراهة.

الفوائد والعبر

  • إنصاف العلماء: يُلتمس العذر للأئمة كالإمام مالك رحمه الله، ويُعرف وجه اجتهادهم قبل الحكم عليهم بمخالفة السنة.
  • التوازن في المباحات: لا يجب على المسلم فعل كل مباح فعله النبي ﷺ، لكن لا يجوز له تحريم ما أحله الله ورسوله، كأكل الجراد والضب.
  • سد الذرائع وحفظ العبادة: يحتاط المسلم لعبادته، فمن لا يملك نفسه وهو صائم يبتعد عما قد يجرّه إلى إفساد صومه.
  • تحرّي الدقة في الأحكام: لا يُجعل المستحب ركنًا أو شرطًا يبطل العبادة بتركه، تجنبًا للتشديد على الناس بغير دليل.
  • منهجية طلب العلم: يُقرأ كلام العالم مع ردود المحققين عليه، كقراءة كلام ابن حزم مع تعقبات ابن القيم، للجمع بين الفائدة والسلامة من الشذوذ.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات