شرح كتاب " الإحكام لأصول الأحكام" للإمام ابن حزم (46) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

1,999 مشاهدة
214 مشاركة
منذ 6 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس السادس والأربعون من شرح كتاب «الإحكام في أصول الأحكام» للإمام أبي محمد علي بن حزم الأندلسي رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ويُعدّ الكتاب من أهم مصنفات أصول الفقه، إذ يبني فيه ابن حزم قواعد الاستدلال على ظاهر نصوص الكتاب والسنة، ويناقش أقوال المذاهب الأصولية مناقشة علمية دقيقة.

افتتح الشيخ الدرس بخطبة الحاجة، ثم تناول مسألة أصولية دقيقة هي: الأمر الوارد بعد الحظر، وما يدل عليه من وجوب أو إباحة أو استحباب، أو رجوع الحكم إلى ما كان عليه قبل الحظر. واستطرد في سياقها إلى بيان الأحكام التكليفية الخمسة، ومناقشة تفريق الحنفية بين الفرض والواجب، وتقرير حجية خبر الواحد في العقائد والأحكام، وأثر النية في تحويل المباح إلى قربة.

ويهدف هذا المجلس إلى تمكين طالب العلم من فهم دلالات الأمر في سياقاته المختلفة، وتمييز مراتب الأحكام الشرعية، والتحصّن من الشبهات التي يثيرها بعض المعاصرين حول السنة وأخبار الآحاد.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: الأمر بعد الحظر ودلالته

يتناول الشيخ مسألة الأمر إذا جاء بعد نهي سابق: هل يفيد الوجوب، أم الإباحة، أم الاستحباب، أم يرجع الحكم إلى ما كان عليه قبل الحظر؟ وهي مسألة اختلف فيها الأصوليون اختلافًا مشهورًا، وذكر الشيخ أمثلتها من القرآن الكريم:

قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: 2]، فالصيد كان محظورًا حال الإحرام، ثم جاء الأمر به بعد التحلل. وقال سبحانه: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 10]، فالبيع والشراء والانشغال بأمور الدنيا كان محرّمًا وقت النداء لصلاة الجمعة، ثم أُذن فيه بعد انقضائها. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 222].

ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا» [رواه مسلم]، وقوله: «وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ إِلَّا فِي سِقَاءٍ، فَاشْرَبُوا فِي الْأَسْقِيَةِ كُلِّهَا، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا» [رواه مسلم]. وبيّن الشيخ أن من أهل العلم من استقرأ هذه النصوص فوجدها جاءت للإباحة أو لرفع الحظر وإعادة الحكم إلى أصله.

كما نبّه إلى التفريق بين الحظر الثابت بدليل شرعي، فيكون الأمر بعده ناسخًا له، وبين الإباحة الأصلية العقلية التي يرفعها الحظر الشرعي ثم يرجع الحكم إليها بعد زواله.

المحور الثاني: الأحكام التكليفية الخمسة ومناقشة تقسيم الحنفية

قرّر الشيخ أن الأحكام التكليفية خمسة: الفرض (الواجب) والحرام وهما طرفان، ويلي الحرام المكروه، ويلي الفرض المندوب، وبينهما المباح في الوسط.

ثم عرض تقسيم الحنفية الذين جعلوها أكثر من ذلك، ففرّقوا بين الفرض (ما ثبت بالتواتر) والواجب (ما ثبت بالآحاد)، وبين الحرام (ما ثبت بالتواتر) والمكروه تحريمًا (ما ثبت بالآحاد). وبيّن أن الصواب عدم هذا التفريق؛ فالفرض والواجب بمعنى واحد، والمكروه تحريمًا هو الحرام، لأن ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجب قبوله والعمل به دون تفريق بين طريق ثبوته.

المحور الثالث: حجية خبر الواحد في العقيدة والأحكام

شدّد الشيخ على أن التفريق بين المتواتر والآحاد في باب العقيدة ضلال، وفي باب الفقه قول باطل. واستدل بقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 122]، والطائفة تصدق على الواحد.

واستدل كذلك بسنة النبي صلى الله عليه وسلم العملية؛ فقد كان يرسل الرسول الواحد إلى الملوك والأقوام يدعوهم إلى التوحيد والعبادات والمعاملات، فتقوم الحجة بخبره. ولو لم يكن خبر الواحد حجة لما اكتفى النبي صلى الله عليه وسلم بإرسال الواحد.

وحذّر الشيخ من بعض المعاصرين الذين يطعنون في السنة بدعوى «ظنية الثبوت»، ويشككون في الصحيحين، وبيّن أن هذه الدعاوى تفتح باب هدم الدين وتمهّد للأفكار العلمانية.

المحور الرابع: أثر النية في تحويل المباح إلى قربة

بيّن الشيخ أن المباح يتحوّل حكمه بحسب النية والقصد، استنادًا إلى قوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» [متفق عليه]. فلبس الثياب مباح، فإذا قصد به ستر العورة صار مأجورًا عليه، والأكل مباح، فإذا قصد به التقوّي على طاعة الله صار قربة.

وفي المقابل قد يصير المباح محرّمًا إذا اقترن بقصد فاسد، كمن يتعمّد فعل شيء على وجه المخالفة أو السخرية من السنة.

المحور الخامس: خصائص النبي صلى الله عليه وسلم وأثرها في الاستدلال

تطرّق الشيخ إلى أن بعض الأفعال من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم فلا يُقاس عليه فيها، كالوصال في الصيام، إذ قال صلى الله عليه وسلم: «إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ» [متفق عليه].

كما أشار إلى صلاته صلى الله عليه وسلم جالسًا في مرض موته، ومسألة اجتماع إمامين في صلاة واحدة، وبيّن أن ما ثبت أنه من خصائصه لا يُتعدّى إلى غيره، فلا تُبنى عليه أحكام عامة للأمة.

النقاط الرئيسية

  • الأمر الوارد بعد الحظر مسألة خلافية بين الأصوليين، وأمثلتها في القرآن والسنة كثيرة كالاصطياد بعد التحلل والانتشار بعد صلاة الجمعة.
  • الأحكام التكليفية خمسة: الفرض والمندوب والمباح والمكروه والحرام.
  • الفرض والواجب بمعنى واحد، والمكروه تحريمًا هو الحرام، خلافًا لتفريق الحنفية.
  • خبر الواحد الثابت حجة في العقيدة والعبادات والمعاملات، والتفريق بينه وبين المتواتر في العقيدة ضلال.
  • إرسال النبي صلى الله عليه وسلم الرسل الآحاد إلى الملوك والأقوام دليل عملي على حجية خبر الواحد.
  • النية تحوّل المباح إلى قربة يُثاب عليها، وقد تحوّله إلى محرّم إذا فسد القصد.
  • خصائص النبي صلى الله عليه وسلم لا يُقاس عليها ولا تُبنى عليها أحكام عامة للأمة.

الفوائد والعبر

  • استحضار النية الصالحة في الأعمال اليومية كالأكل والنوم واللباس والعمل، لتتحوّل العادات إلى عبادات يؤجر عليها المسلم.
  • التمسك بالسنة الصحيحة وعدم الالتفات إلى دعاوى التشكيك في الصحيحين وأخبار الآحاد التي يروّجها بعض المعاصرين.
  • الحرص على دراسة أصول الفقه لفهم دلالات الأوامر والنواهي فهمًا صحيحًا، والسلامة من الخطأ في الاستنباط.
  • ترك البيع والشراء وأشغال الدنيا عند النداء لصلاة الجمعة، ثم السعي في طلب الرزق بعدها امتثالًا لأمر الله.
  • التأدّب مع مقام النبوة بمعرفة ما خُصّ به النبي صلى الله عليه وسلم، والاقتداء به فيما شُرع للأمة عامة.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات