شرح كتاب " الإحكام لأصول الأحكام" للإمام ابن حزم (61) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

4,631 مشاهدة
300 مشاركة
منذ 5 سنوات

المقدمة

هذا المجلس من مجالس شرح كتاب «الإحكام في أصول الأحكام» للإمام أبي محمد علي بن حزم الأندلسي رحمه الله، يشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. وقد أُقيم المجلس بعد صلاة العشاء ليلة الأحد التاسع والعشرين من جمادى الآخرة سنة 1441هـ، الموافق للثالث والعشرين من فبراير سنة 2020م. ويبدأ فيه الشيخ بشرح الباب التاسع عشر، وهو باب أفعال رسول الله ﷺ، وما رآه أو بلغه فسكت عنه فلم يأمر به ولم ينهَ عنه.

ولهذا الباب مكانة كبيرة في أصول الفقه، لأن السنة النبوية تشمل أقوال النبي ﷺ وأفعاله وتقريراته. ومعرفة حكم الفعل النبوي المجرد تبيّن ما يجب منه وما يُستحب، كما تبيّن حدود الاقتداء به ﷺ والفرق بين ترك السنة بلا قصد وتركها رغبةً عنها.

وفي المجلس يتعرف المشاهد على أقوال الأصوليين في دلالة الأفعال النبوية، وعلى القول الذي رجّحه ابن حزم. ويقف كذلك على مناقشة استدلال من قال بالوجوب بحديث صلح الحديبية، مع استطرادات تربوية نافعة في الأدب مع السنة، وفي مشاورة النساء وفضل أمهات المؤمنين، ومكانة الصديق رضي الله عنه.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: أقسام السنة ومعنى الإقرار النبوي

بيّن الشيخ أن سنة النبي ﷺ أقوال وأفعال وتقرير، وأن صفاته الخَلْقية من خلق الله تعالى، فقد أكمل الله نبيه ﷺ كمال البشرية، أما الكمال المطلق فلله وحده سبحانه. وأفعاله ﷺ منها ما اقترن به أمر، ومنها أفعال مجردة ليس معها أمر.

ثم شرح معنى الإقرار، وهو أن يرى النبي ﷺ شيئًا أو يبلغه فيسكت عنه، فلا يأمر به ولا ينهى عنه. وسكوته ﷺ حجة، لأنه لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة. أما سكوت غيره من الناس فقد يكون إقرارًا، وقد يكون خوفًا أو رهبة أو رغبة. ومن أمثلة الإقرار أكل الضبّ على مائدته ﷺ.

المحور الثاني: أقوال العلماء في حكم أفعال النبي ﷺ

ذكر ابن حزم في المسألة عدة مذاهب:

  • قال قوم من المالكية: أفعاله ﷺ على الوجوب، وهي آكد من أوامره. ونبّه الشيخ إلى أن هذا ليس القول المعتمد في مذهب الإمام مالك.
  • وقال آخرون من المالكية والحنفية: الأفعال كالأوامر، فحكمها حكم الأمر.
  • وقال آخرون، منهم من الشافعية أبو بكر الصيرفي وابن فورك: الأفعال موقوفة على دليلها، فما دل الدليل على وجوبه فهو واجب، وما دل على ندبه أو إباحته فهو كذلك.
  • وقال سائر الشافعية وجميع أهل الظاهر: ليس شيء من أفعاله ﷺ المجردة واجبًا، وإنما نُدبنا إلى التأسي به فيها، ولا يجوز تركها رغبةً عنها.

ورجّح ابن حزم القول الأخير، واستثنى ما كان من أفعاله ﷺ بيانًا لأمر أو تنفيذًا لحكم، فهو حينئذ فرض، لأن الأمر تقدّمه فجاء الفعل تفسيرًا له. ومن ذلك قوله ﷺ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»، وقوله ﷺ في الحج: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ».

المحور الثالث: الفرق بين ترك السنة والرغبة عنها

نبّه الشيخ إلى فرق مهم: ترك المستحب بلا قصد لا إثم فيه، كسائر ما نُدبنا إليه، إن فعلناه أُجرنا وإن تركناه لم نأثم ولم نؤجر. أما تركه استقذارًا له أو احتقارًا أو إعراضًا عن فعل النبي ﷺ فهو أمر خطير. ومثّل لذلك بمن يترك السواك استقذارًا له، وبمن يأنف من لبس العمامة أو تغطية الرأس تشبّهًا بغير المسلمين.

وذكر في هذا السياق فوائد السواك في تقوية اللثة وتطييب الفم. وذكر قصة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حين أخذت سواك أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما، فقضمته وطيّبته، ثم ناولته النبي ﷺ فاستاك به في مرضه الأخير. وبيّن أن من لم يجد السواك فله أن يستعمل بدائله المباحة.

ومن استطراداته في هذا المحور قصة المأمون حين سُئل عن جمع «مِسواك» فقال: «ضدّ محاسنك يا أمير المؤمنين»، ليتجنّب لفظ «مساويك». وكذلك قصة الخيزران. واستشهد بهما على رقيّ ذوق العرب وحسن ردّهم.

المحور الرابع: حديث صلح الحديبية ومناقشة ابن حزم لمن احتج به

احتج من قال بالوجوب بحديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم في صلح الحديبية. وفيه أن النبي ﷺ لما فرغ من كتاب الصلح قال لأصحابه: «قُومُوا فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا»، فما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاثًا. فدخل على أم سلمة رضي الله عنها فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت: «يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَتُحِبُّ ذَلِكَ؟ اخْرُجْ ثُمَّ لَا تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ، وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ». فخرج ﷺ ففعل، «فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَامُوا فَنَحَرُوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا».

وبيّن الشيخ سبب تأخر الصحابة رضي الله عنهم، فقد كانوا في حزن شديد، إذ رُدّوا عن العمرة، وشهدوا ردّ أبي جندل إلى المشركين وهو يرسف في قيوده. وقد ظنوا أن الأمر للإرشاد وتطييب الخاطر لا للوجوب. وذكر موقف عمر رضي الله عنه وقوله: «فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا؟»، وجواب الصديق رضي الله عنه له: «الْزَمْ غَرْزَهُ فَإِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ». ثم صار الصلح فتحًا مبينًا. ودعا الشيخ طلبة العلم إلى التأليف في فقه سيرة الصديق رضي الله عنه ومواقفه.

ورأى ابن حزم أن هذا الحديث حجة على المحتجّين به لا لهم. فالذي أوجب الله طاعته هو النبي ﷺ، وهو الذي أنكر عليهم تأخرهم عما أمرهم به، فالواجب كان امتثال أمره القولي. وعلّق الشيخ بأن عبارة ابن حزم الأخيرة في حق المخالف، وهي «ولم نأمن عليه مفارقة الإسلام»، لا داعي لها، ويكفي أن يُقال إنه أخطأ وضلّ عن الصواب.

المحور الخامس: مشاورة المرأة ومكانة النساء العاقلات

استنبط الشيخ من مشورة أم سلمة رضي الله عنها أن من النساء من هي أعقل من كثير من الرجال، وأن مشاورة الزوجة من هدي النبي ﷺ. ورد على المقولة الشائعة: «شاوروهن وخالفوهن»، وبيّن بطلانها. ورد كذلك على من طعن في النبي ﷺ بزعم أن النساء كنّ يؤثّرن فيه، وبيّن أن ذلك مشورة يقبلها ﷺ أو يردّها بحكمته.

وذكّر بقوله ﷺ: «لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ». وحذّر من المبالغة في مطالب الزواج، ومن تقصير الرجل في النفقة الواجبة عليه بحجة طلب العلم. وأورد قصة امرأة حافظة للقرآن مُجازة فيه، تواضعت لزوجها ولم تترفّع عليه بعلمها، فازدادت مكانةً في عينه.

النقاط الرئيسية

  • السنة النبوية أقوال وأفعال وتقرير، وسكوت النبي ﷺ عن أمر رآه أو بلغه إقرارٌ له، لامتناع تأخير البيان عن وقت الحاجة في حقه.
  • اختلف العلماء في حكم أفعاله ﷺ المجردة على أربعة أقوال: الوجوب، أو أنها كالأوامر، أو التوقف على الدليل، أو الندب.
  • رجّح ابن حزم أن الأفعال المجردة للندب والتأسي، وهو قول جمهور الشافعية وأهل الظاهر.
  • الفعل الذي جاء بيانًا لأمر أو تنفيذًا لحكم يأخذ حكم الأمر نفسه، كما في الصلاة والحج.
  • ترك المستحب بلا قصد لا إثم فيه، أما تركه رغبةً عنه واحتقارًا له فهو أمر خطير.
  • حديث الحديبية دليل على أن الواجب امتثال أمره ﷺ، لا دليل على وجوب الفعل المجرد.
  • ننظر إلى الصحابة رضي الله عنهم نظرتين: نظرة إجلال وتوقير، ونظرة إلى بشريتهم وما يعتريهم من أحوال.

الفوائد والعبر

  • تعظيم سنن النبي ﷺ والحرص على التأسي بها، مع الحذر من الاستهانة بشيء منها أو الأنفة منه، كالسواك وتغطية الرأس.
  • المبادرة إلى امتثال الأمر الشرعي دون تأخّر، فقد كان تأخّر الصحابة يوم الحديبية سببًا لغضب النبي ﷺ ثم لغمّهم الشديد.
  • البيان العملي أبلغ في التأثير من القول أحيانًا، وهذا درس للمربين والدعاة والآباء.
  • استشارة الأهل والزوجة من الحكمة والهدي النبوي، والمرأة العاقلة سند لزوجها في الشدائد.
  • التواضع بالعلم وحسن العشرة بين الزوجين، والنظر إلى المحاسن قبل المساوئ، يديمان المودة والرحمة في البيت.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات