شرح كتاب " الإحكام لأصول الأحكام" للإمام ابن حزم (28) لفضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس الثامن والعشرون من شرح كتاب «الإحكام في أصول الأحكام» للإمام أبي محمد علي بن أحمد بن حزم الأندلسي رحمه الله، ويقدّمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يواصل الشيخ في هذا المجلس باب التعارض بين الأدلة وطرق الجمع بينها. ويعرض فيه وجوهًا من الترجيح بين الأخبار التي يظهر بينها التعارض، وهي وجوه قال بها جماعة من الأصوليين وأهل القياس، ثم يذكر ردّ ابن حزم على كل وجه منها، ويبيّن ما أصاب فيه الإمام وما خالفه فيه.
وللموضوع أهمية كبيرة، لأن من لم يعرف قواعد الجمع والترجيح ربما ضرب النصوص بعضها ببعض، أو ردّ حديثًا صحيحًا بدعوى تعارض لا وجود له. ومن أهم ما يقرره ابن حزم أن أكثر ما يُدّعى من التعارض ليس تعارضًا في الحقيقة، وأن الواجب هو الأخذ بجميع النصوص ما أمكن ذلك، وأن الزيادة الصحيحة شريعة يجب العمل بها.
وأهداف هذا المجلس أن يعرف المشاهد عددًا من وجوه الترجيح المشهورة، ويفهم منهج الظاهرية في نقدها، ويتعلم الجمع بين العام والخاص، ويتعوّد على النقد العلمي المنصف الذي لا يقلّد أحدًا مهما كانت منزلته.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: ترجيح ما اجتمع فيه القول والفعل على ما انفرد فيه أحدهما
قال بعضهم: إذا تعارض خبران، وكان أحدهما قد اجتمع فيه أمر النبي ﷺ وفعله، والآخر فيه الأمر وحده أو الفعل وحده، فالأول أولى بالتقديم. ومثّلوا لذلك بأن النبي ﷺ سعى بين الصفا والمروة وأمر بالسعي، وجعلوا هذا معارضًا لقوله ﷺ: «الْحَجُّ عَرَفَةُ».
وردّ ابن حزم هذا المثال بأنه لا تعارض فيه أصلًا. فحديث «الحج عرفة» لا يمنع وجوب السعي ولا الإحرام ولا المبيت بمزدلفة، والأمر بالسعي شريعة زائدة يجب الأخذ بها. ثم ألزمهم بأنهم إن أسقطوا وجوب السعي بحديث «الحج عرفة» لزمهم أن يُسقطوا الوقوف بمزدلفة وذكر الله فيها كذلك، مع أن القرآن والسنة جاءا بالأمر به، قال الله تعالى:
﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 198]
واستدل كذلك بحديث عروة بن مضرّس رضي الله عنه في إدراك الصلاة بمزدلفة مع الإمام والناس. ثم بيّن أن تناقض أهل التقليد والقياس في هذا الباب أكثر من أن يُحصى.
المحور الثاني: الترجيح بموافقة عمل أهل المدينة
ومن وجوه الترجيح التي ذكروها أن يُقدَّم الخبر الذي يوافقه عمل أهل المدينة على الخبر الذي لا يوافقه. ويرى ابن حزم أن هذا الوجه باطل، وقد أفرد له فصلًا خاصًا في كتابه. وحجته أن عمل أهل المدينة عمل بشر غير معصومين، وأن فيه ما خالفوا فيه السنة، فلا يصح أن يُحكم به على حديث رسول الله ﷺ.
ومثّلوا لذلك بأخبار الأذان والإقامة، فذكر ابن حزم أنه لا يصح في هذا الباب خبر مسند إلا حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: «أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ»، وهو في الصحيحين.
المحور الثالث: الترجيح بتعلّق الحكم بالاسم أو بالمعنى، ومسألة قتل المرتدة
قال بعضهم: يُقدَّم الخبر الذي عُلّق فيه الحكم بالاسم على الخبر الذي عُلّق فيه بالمعنى، ورأى آخرون العكس. وأبطل ابن حزم هذا كله، لأنها دعوى بلا برهان، ولكل أحد أن يعكسها. ومثّلوا لذلك بقوله ﷺ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ»، مع نهيه ﷺ عن قتل النساء.
وبيّن الشيخ أنه لا تعارض بين الحديثين، فالنهي عن قتل النساء إنما هو في الحرب والقتال، وفي المرأة التي لم تقاتل ولم ترفع السلاح. أما المرتدة فتُقتل لأنها بدّلت دينها. وذكر ابن حزم أن الأمة اتفقت على أن النهي عن قتل النساء ليس على عمومه، واستدل بأن النبي ﷺ رجم الغامدية. وهذا التخصيص داخل في قوله ﷺ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ»، وفي قوله ﷺ:
«لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ» [متفق عليه]
وذكر الشيخ في هذا الموضع مسألة قتل شارب الخمر في المرة الرابعة عند من يقول إن الحكم محكم غير منسوخ، وأحال إلى بحث الشيخ أحمد شاكر رحمه الله فيها في تعليقه على المسند.
المحور الرابع: تقديم المنصوص نسبته إلى النبي ﷺ على المنسوب إليه استدلالًا، والتعقيب على ابن حزم في تشهد عمر
ومن وجوه الترجيح أن يكون أحد الخبرين قد نُصّ على نسبته إلى رسول الله ﷺ، والآخر إنما يُنسب إليه بطريق الاستدلال. ووافق ابن حزم على أنه لا يجوز الأخذ بشيء لم يُنص على أنه عن النبي ﷺ، أو لم يُتيقن أنه عنه ببرهان، إلا أن يكون هناك إجماع متيقن. ومثّلوا لذلك بالتشهد الذي كان عمر رضي الله عنه يعلّمه الناس على المنبر، مقارنةً بتشهد ابن مسعود وابن عباس وعائشة وأبي موسى رضي الله عنهم، وهي تشهدات مسندة إلى النبي ﷺ.
ورأى ابن حزم أن تشهد عمر من اجتهاده، فتعقّبه الشيخ في ذلك، وعدّه من جموده رحمه الله. فلا يُعقل أن يعلّم عمر رضي الله عنه الناس التشهد على المنبر بحضور الصحابة من اجتهاده، فلا ينكره عليه أحد. والفرق ظاهر بين هذا وبين نهيه عن المغالاة في المهور، فقد صرّح هناك بأنه رأي له، ثم رجع عنه لما ذُكّر بما في القرآن.
ويرى الشيخ أن الصواب أن اختلاف التشهدات من باب اختلاف التنوّع. ويقرر أن ابن حزم إمام جليل، لكنه يخطئ كما يخطئ غيره، وأن العالم لا يُقلَّد فيما خالف فيه السنة.
المحور الخامس: الترجيح بقلة التخصيص، وبورود الخبر ابتداءً أو جوابًا، وبرواية صاحب الشأن
ومن وجوه الترجيح أن يُقدَّم الخبر الذي لم يثبت فيه تخصيص، أو كان التخصيص فيه أقل. ومثّلوا لذلك بالنهي عن الجمع بين الأختين في قوله تعالى: ﴿وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾، مع إباحة ملك اليمين في قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، ومع قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾. وطريقة ابن حزم أن يستثني ما هو أقل معاني من الأكثر معاني، فيحرّم ما جاء النص بتحريمه، ويبقى الباقي على الإباحة. وبهذا يُستعمل جميع النصوص دون تناقض.
وقال بعضهم: يُقدَّم ما ورد ابتداءً على ما ورد جوابًا عن سؤال. وردّ ابن حزم ذلك بأن النبي ﷺ كان يُسأل عن شيء فيجيب عن أشياء كثيرة، كما سُئل عن شحوم الميتة فقال: «قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ...»، وكذلك في القرآن، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾. والعبرة بعموم اللفظ.
ومن الوجوه أيضًا أن يُقدَّم خبر الراوي الذي يختص بالأمر المروي، كتقديم رواية عائشة رضي الله عنها في وجوب الغسل من التقاء الختانين على من روى أن لا غسل إلا من الإنزال. وقد أبطل ابن حزم هذا الوجه، فخالفه الشيخ. ورأى أن هذا الترجيح معتبر، لأن صاحب الشأن أعلم بما يرويه، كما رُجّحت رواية ميمونة رضي الله عنها في زواجها على رواية ابن عباس رضي الله عنهما. وعائشة رضي الله عنها أعلم الناس بأحوال النبي ﷺ في بيته، وحديث «الماء من الماء» منسوخ.
النقاط الرئيسية
- الأصل الجمع بين النصوص والعمل بها كلها، والزيادة الصحيحة شريعة واجبة الاتباع، وليست معارضة لغيرها.
- حديث «الحج عرفة» لا يسقط وجوب السعي ولا الوقوف بمزدلفة، لأنه لا تعارض بينها أصلًا.
- عمل أهل المدينة ليس حجة يُرجَّح بها خبر على آخر عند ابن حزم، لأنه عمل غير معصومين.
- النهي عن قتل النساء خاص بالحرب، والمرتدة تُقتل لعموم قوله ﷺ: «من بدّل دينه فاقتلوه».
- لا يُنسب إلى النبي ﷺ إلا ما ثبت عنه بنص أو يقين، والتشهدات المروية من باب اختلاف التنوّع.
- يُستثنى ما هو أقل معاني من الأكثر معاني، فتجتمع آيات التحريم وآيات الإباحة في النكاح.
- العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السؤال، ورواية صاحب الشأن معتبرة في الترجيح على الراجح خلافًا لابن حزم.
الفوائد والعبر
- ينبغي التأني قبل الحكم بالتعارض بين النصوص، فأكثر ما يُظن تعارضًا يزول عند التأمل في دلالة كل نص.
- الإنصاف مع العلماء: يُعرف لابن حزم فضله وعلمه، ولا يُتابع في أخطائه وجموده. وكل أحد يؤخذ من قوله ويُترك إلا رسول الله ﷺ.
- في مراجعة عمر رضي الله عنه لرأيه في المهور قدوة في الرجوع إلى الحق إذا ظهر الدليل.
- في الاحتياط في نسبة الأقوال إلى النبي ﷺ تعظيم للسنة وحفظ للدين من الزيادة فيه.
- من فهم قواعد العام والخاص سلم من ضرب النصوص بعضها ببعض، واستطاع العمل بالأدلة كلها.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات