شرح كتاب " الإحكام لأصول الأحكام" للإمام ابن حزم (21) لفضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.

3,806 مشاهدة
87 مشاركة
منذ 7 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الحادي والعشرون من شرح كتاب «الإحكام في أصول الأحكام» للإمام أبي محمد علي بن حزم الأندلسي رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. وموضوعه من أهم مسائل أصول الفقه وعلوم الحديث، وهو حجية خبر الواحد العدل الضابط ووجوب العمل به. ويرد فيه على من يقصر الحجة على الخبر المتواتر وحده، ويبين أن هذا القول يُسقط أكثر الشريعة، لأن أغلب السنن نُقلت إلينا من طريق الآحاد.

ويسير الشيخ مع ابن حزم وهو يقسم الأقوال الممكنة في الأخبار ويبطلها قسمًا بعد قسم، حتى يثبت أن الدين محفوظ بحفظ الله تعالى. ثم ينتقل إلى قواعد مهمة تتفرع عن هذا الأصل، منها: أن الخبر الموضوع لا بد أن يُكشف، والطريقة في التعامل مع النصوص التي ظاهرها التعارض، والاستدلال بقصة موسى عليه السلام على قبول خبر الواحد، وحكم زيادة الثقة، وحكم رواية المجهول.

ومن أهداف هذا الدرس أن يفهم المشاهد منزلة السنة النبوية وطريقة نقلها، وأن يعرف أصول قبول الأخبار وردّها، وأن يستشعر نعمة الله في حفظ دينه. ويستفيد منه كذلك أدب الاعتراف بالخطأ والرجوع إلى الحق.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: إبطال قصر الحجة على الخبر المتواتر

يقرر ابن حزم أن من اقتصر على الخبر المتواتر وحده فقد أسقط كثيرًا من الدين، لأن أغلب الأحاديث جاءت من طريق الآحاد. ولم يقل أحد من أهل العلم إن كل خبر رواه الثقات آحادًا فهو كذب موضوع. ثم إن كل من أراد ردّ خبر يستطيع أن يدّعي أنه لم يبلغه متواترًا، فيصير الدين تبعًا للأهواء.

ويبين أن هذا القول يخالف ما يُعلم بالضرورة، وأن فيه تكذيبًا لجميع الصحابة والتابعين وأئمة العلم. فقد نقلوا أخبار النبي صلى الله عليه وسلم واحتجوا بها وعملوا بها وأفتوا بها في دين الله، وهذا إجماع متيقن على قبول أخبار الآحاد في الجملة، وإن اختلفوا في قبول بعضها وردّ بعضها.

ويلزم من هذا القول أيضًا الطعن في أكثر الشرائع التي لا يشك مسلم أنها ليست مفصّلة في القرآن، كتفاصيل الصلاة والزكاة والحج وغيرها، وإنما أُخذ بيانها من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد قال تعالى:

﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44]

المحور الثاني: الأقوال الممكنة في الأخبار وإثبات أن الدين محفوظ

يحصر ابن حزم الأقوال الممكنة في الأخبار المنقولة عن النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثة:

  • أن تكون كلها باطلة موضوعة. وهذا خروج من الإسلام، لأنه يقتضي أن الصحابة ومن بعدهم اتفقوا على الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
  • أن يكون فيها حق وباطل لا سبيل إلى التمييز بينهما. وهذا تكذيب لله تعالى في خبره بحفظ الذكر وإكمال الدين، ويلزم منه أن الإسلام قد ضاع.
  • أن يكون ما صحّ منها حقًا مقطوعًا به. وهذا هو القول الحق الذي يوافق خبر الله تعالى.

واستدل لذلك بقوله تعالى:

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]

﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]

﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: 85]

ويرى ابن حزم أن الوحي نوعان: قرآن متلو، ووحي غير متلو وهو السنة. وكلاهما داخل في الذكر الذي تكفّل الله بحفظه. وأضاف الشيخ تقسيمًا رابعًا للتوضيح، وهو أن ما صحّ عند العالم إما أن يفيد اليقين كالمتواتر وما تعددت طرقه، وإما أن يفيد غلبة الظن. ولهذا يختلف العلماء في التصحيح والتضعيف، فقد يضعّف إمامٌ حديثًا لعلة ظهرت له، ويصححه إمام آخر لأنه ثبت عنده، وكلٌّ يعمل بما صحّ عنده.

المحور الثالث: قواعد قطعية في حفظ الشريعة ونقلها

يقرر ابن حزم أمورًا يقطع بها لأن الله ضمن حفظ دينه، منها:

  • لم يضِع شيء من الدين، لا من الفرائض ولا من السنن ولا من المستحبات، ولا من المحرمات والمكروهات.
  • لا يمكن أن ينفرد بنقل شريعة من لا تقوم الحجة بنقله.
  • لا يمكن أن يخطئ الثقة في رواية شريعة ثم لا يظهر خطؤه ببيان واضح.
  • لا يمكن أن يختلط الكذب بالصحيح ثم لا يتبيّن.

ويترتب على ذلك أن كل خبر لم يأت إلا مرسلًا، أو من رواية مجهول أو مجروح ثبتت جرحته، فهو خبر باطل لا يجوز نسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولو جاز أن يكون حقًا لكان شرعًا لازمًا لم تقم الحجة علينا به، وهذا ممتنع. وعلّق الشيخ بأن الضعف درجات، فمنه ما يتقوى بغيره فيرتقي إلى الحسن لغيره، ومنه ما لا يرتقي.

ثم قسّم ابن حزم الرواة ثلاثة أقسام: العدول الثقات كالصحابة وثقات التابعين ومن بعدهم كشعبة والسفيانين ومالك، ومن ثبتت جرحته كالحسن بن عمارة وجابر الجعفي، ومن اختُلف فيه فعدّله قوم وجرّحه آخرون. فمن ثبتت عندنا عدالته قبلنا خبره، ومن ثبتت جرحته رددناه، ومن لم يثبت عندنا فيه شيء توقفنا فيه. ونبّه الشيخ إلى إنصاف ابن حزم حين قال إن غيرنا قد يعرف ما جهلناه، وإن خطأنا أو جهلنا لا يُحسب على دين الله.

المحور الرابع: التعامل مع النصوص التي ظاهرها التعارض

يقرر ابن حزم أنه إذا ورد خبران صحيحان أو آيتان أو آية وخبر ظاهرها التعارض، ولم يأت نص يبيّن الناسخ منهما، فالناسخ هو الذي يرفع البراءة الأصلية ويغيّر الحكم المتقدم، والمنسوخ هو الموافق للأصل. وحجته أن الدين محفوظ، فلا بد أن يُعرف الناسخ من المنسوخ أو العام من الخاص، وإلا قامت الشريعة على الظن الكاذب.

وناقش الشيخ هذه القاعدة بمثال بيع العرايا، فقد ثبت في الصحيحين:

«أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ أَوْ دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ» [متفق عليه]

وبيّن أن هذا الحديث مستثنى من أصل النهي عن بيع الرطب بالتمر، وأن الأقرب في مثله أن يُسمّى تخصيصًا. وأشار إلى أن المتقدمين كانوا يطلقون لفظ النسخ على التخصيص أيضًا. ثم ختم ابن حزم المسألة بالاعتراف بخطأ قال به سابقًا والتوبة منه، وهذا مثال للتجرد والإنصاف في طلب الحق.

المحور الخامس: الأدلة على قبول خبر الواحد وحكم زيادة الثقة

من أدلة ابن حزم على وجوب قبول خبر الواحد ما أخبر الله به عن موسى عليه السلام، فقد صدّق خبر رجل واحد وعمل به وخرج من مدينته:

﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ ۝ فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: 20-21]

وصدّق خبر المرأة وحدها في أن أباها يدعوه:

﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ [القصص: 25]

وصدّق الأب في أنها ابنته، وبنى على ذلك أن نكاحها يحلّ له:

﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: 27]

وعلّق الشيخ بأن خبر الواحد قد يفيد اليقين إذا احتفّت به القرائن، كما في هذه القصة. ومثّل لذلك بواقع الناس: لو أخبرك واحد بموت فلان، ثم رأيت الناس يجتمعون عند بيته، ورأيت الأمارات ظاهرة، حصل لك اليقين بالقرائن.

ثم قرر ابن حزم وجوب قبول زيادة العدل الحافظ الفقيه بما يرويه. أما كثير الغلط بسبب الغفلة فلا تُقبل زيادته ولا يُعتمد عليه. وأما من جُهلت حاله فلم يُعرف أعدل هو أم فاسق، ولا أحافظ هو أم مغفّل، فالواجب التوقف في خبره حتى تثبت عدالته وضبطه، أو تثبت جرحته فيُردّ خبره.

النقاط الرئيسية

  • قصر الحجة على المتواتر يُسقط أكثر الشريعة، ويخالف إجماع الصحابة والتابعين على العمل بأخبار الآحاد.
  • الأخبار إما كلها باطل، أو فيها حق مختلط بباطل لا يتميز، أو ما صحّ منها حق. والقولان الأولان يلزم منهما الخروج من الدين وتكذيب خبر الله بحفظ الذكر.
  • السنة وحي محفوظ كالقرآن، ولا يمكن أن يضيع منها شيء أو يختلط بها كذب لا يُكشف.
  • المرسل وخبر المجهول والمجروح لا تقوم به حجة، ومن جُهلت حاله يُتوقف فيه حتى تتبين عدالته أو جرحته.
  • إذا تعارض نصان ولم يُعرف الناسخ منهما، فالناسخ عند ابن حزم هو الرافع للبراءة الأصلية. ويحسن التفريق بين النسخ والتخصيص.
  • قصة موسى عليه السلام في سورة القصص دليل قرآني على قبول خبر الواحد، وخبر الواحد قد يفيد اليقين إذا احتفّت به القرائن.
  • زيادة الثقة الحافظ مقبولة، وزيادة كثير الغلط مردودة.

الفوائد والعبر

  • الثقة بحفظ الله لدينه، والاطمئنان إلى أن السنة الصحيحة وصلت إلينا سالمة، وفي ذلك ردّ على من يشكك فيها.
  • الحذر من الشبهات التي تبدأ بالتشكيك في أخبار الآحاد، فهي تنتهي إلى ردّ الشريعة كلها.
  • الاعتراف بالخطأ والرجوع عنه علامة على صدق طالب الحق، كما فعل ابن حزم حين تاب من قول قاله ثم تبيّن له خطؤه.
  • على المسلم أن يجتهد في طلب الصواب ويعتقد أنه على الحق في الجملة، مع التواضع وقبول التنبيه إذا ظهر له خطؤه في بعض المسائل.
  • التثبت في نقل الأخبار وعدم نسبة شيء إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلا بعد التحقق من صحته، والعمل بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36].
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات