شرح كتاب " الإحكام لأصول الأحكام" للإمام ابن حزم (22) لفضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري.

3,320 مشاهدة
310 مشاركة
منذ 7 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الثاني والعشرون من شرح كتاب «الإحكام في أصول الأحكام» للإمام أبي محمد علي بن حزم الأندلسي رحمه الله تعالى. يقدّمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري، ويُكمل فيه الكلام عن الجرح والتعديل وشروط قبول خبر الراوي وشهادة الشاهد. وهذا الباب من أدق أبواب أصول الفقه وعلوم الحديث، لأن الشريعة تصل إلينا عن طريق النقلة، فمعرفة من يُقبل خبره ومن يُرد هي التي تحفظ سنة النبي ﷺ من الدخيل والخطأ.

يشرح الشيخ في هذا المجلس الأوجه الأربعة التي حصر فيها ابن حزم أسباب الجرح في نقلة الأخبار. ويبيّن ما يشترك فيه الراوي والشاهد من هذه الأوجه، وما ينفرد به الراوي وحده. كما يتناول أحكام التوبة وأثرها في العدالة، والفرق بين المجاهر بالمعصية والمستتر بها، ويتكلم عن التدليس وأهل الأهواء ومن يسبّ الصحابة رضي الله عنهم.

والمرجوّ من هذا الدرس أن يفهم طالب العلم ضوابط العدالة والضبط على منهج ابن حزم، وأن يعرف الفرق بين شروط الرواية وشروط الشهادة، وأن يعظّم أمر المجاهرة بالذنوب، وأن يقدّر الأمانة في نقل حديث رسول الله ﷺ.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: الإقدام على الكبيرة وعلى ما يعتقده المرء حرامًا

يقرر ابن حزم أن الجرح في نقلة الأخبار لا يكون إلا من أحد أربعة أوجه، ولا خامس لها. وأولها أن يُقدم الراوي على كبيرة صحّ عنده بالنص الثابت أنها حرام. فالعبرة بما ثبت تحريمه بالنص، لا بما يدّعي بعض الناس أنه كبيرة بغير دليل. ونبّه الشيخ إلى أن التائب من الكبيرة تعود إليه عدالته عند جمهور أهل العلم.

والوجه الثاني أن يُقدم على ما يعتقده هو حرامًا، حتى لو كان مخطئًا في اعتقاده قبل أن تقوم عليه الحجة. فمن اعتقد تحريم شيء ثم فعله فقد تجرّأ على حدود الله في نفسه، سواء كان القول بالتحريم هو الراجح أو المرجوح. ومثّل الشيخ لذلك بالمرأة التي تعتقد وجوب النقاب ثم تكشف وجهها، فإن هذا يقدح في عدالتها لأنها فعلت ما تعتقد أنه حرام.

ثم ذكر الشيخ قول الإمام مالك رحمه الله: لا يُؤخذ العلم من أربعة، ويُؤخذ ممن سواهم: لا يُؤخذ من سفيه معلن بالسفه، ولا من صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه، ولا من كذّاب يكذب في أحاديث الناس وإن كان لا يُتّهم بالكذب على رسول الله ﷺ، ولا من شيخ له فضل وصلاح وعبادة إذا كان لا يعرف ما يحدّث به. وبيّن الشيخ أن الزهد والعبادة وحدهما لا يكفيان لقبول الرواية، وأن الخلط بين الواعظ والعالم من آفات عصرنا.

المحور الثاني: المجاهرة بالصغائر وأثر التوبة والستر

الوجه الثالث من أوجه الجرح هو المجاهرة بالصغائر التي صحّ عند المجاهر بها أنها حرام. أما المستتر بالصغيرة فلا يسقط عدالته، واستدل ابن حزم على ذلك بحديث الرجل الذي أصاب من امرأة قبلة، فأخبره النبي ﷺ أن الصلاة كفّارة لذلك، ونزل فيه قوله تعالى:

﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: 114]

واستدل كذلك بقوله تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: 31]. فما غفره الله تعالى لا يحلّ لنا أن نؤاخذ به صاحبه. وأوضح الشيخ أن المجاهرة تدلّ على قلة الحياء من الله وقلة المبالاة بالشرع، وهي تنقل الذنب من حال الصغيرة إلى حال الكبيرة، لقوله ﷺ: «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ».

وقرر ابن حزم أن التائب من الكبيرة، بل ومن الكفر، عدلٌ مقبول إذا صحّت توبته بشروطها: الإقلاع عن الذنب، والندم عليه، والعزم على ألا يعود، وردّ الحقوق إلى أصحابها. والملامة تسقط عن التائب، أما الحدّ فيُقام عليه، كما في قصة ماعز بن مالك الأسلمي رضي الله عنه، فقد رجمه النبي ﷺ بعد توبته، وأمر بالاستغفار له ونهى عن سبّه.

واحتج ابن حزم على أن المجاهرة بالصغائر جرحة بالإجماع المتيقّن، وبالنصوص الآمرة بإنكار المنكر، ومنها قوله ﷺ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ». فالمجاهر أتى منكرًا، فاستحق الإنكار عليه، والمنكر فسق، والفاسق لا يُقبل خبره. أما المستتر فلم نرَ منه شيئًا، فلا يلزمنا فيه تغيير ولا إنكار ولا تعزير. ونبّه الشيخ إلى أن معصية من يُقتدى به أعظم إذا جاهر بها، لأنه يصدّ الناس عن سبيل الله، ويُقتدى به في الشر، ويُطعن بسببه في أهل الدين.

المحور الثالث: الضبط والحفظ شرط في الرواية دون الشهادة

الوجه الرابع ينفرد به نقلة الأخبار دون الشهود، وهو ألا يكون الراوي حافظًا متقنًا لما يرويه. فالنص الوارد في قبول نذارة النافر مشروط بالتفقّه، ومن لم يحفظ ما يروي فلم يتفقّه، فلا نُؤمر بقبول روايته. أما الشهادة فشرطها العدالة فقط، فلا يضرّ الشاهد أن يكون معروفًا بالغفلة أو كثرة الغلط، إلا أن تقوم بيّنة على أنه غلط في شهادة بعينها، فتسقط تلك الشهادة وحدها دون غيرها.

وعلّل الشيخ هذا الفرق بأن الشهادة تكون على أمر محدود محسوس رآه الشاهد أو سمعه، أما الرواية فهي تشريع للأمة كلها، فالخطأ فيها يُدخل في الدين ما ليس منه. ولذلك رُدّت روايات بعض الأئمة الأجلّاء لسوء حفظهم، كشريك بن عبد الله القاضي الذي انشغل بالقضاء فساء حفظه، وابن لهيعة الذي احترقت كتبه واختلط، مع أنهم في أنفسهم أئمة عدول.

وأنكر ابن حزم أن يُزاد في الشاهد شرطٌ لم يأتِ به الشرع، كاشتراط ألا يكون معروفًا بالغلط، واحتج بقوله ﷺ: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ».

المحور الرابع: التدليس المُسقِط للعدالة

ذكر ابن حزم أن التدليس الذي يُقصد به إسقاط راوٍ ضعيف من الإسناد يُسقط العدالة، لأنه غشّ في دين الله، والنبي ﷺ يقول: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا»، ويقول: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ»، أي لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم.

فمن دلّس هذا التدليس لم ينصح لله ولا لرسوله ﷺ في التبليغ عنهما، ولم ينصح للمسلمين، لأنه يلبّس عليهم حتى يصحّحوا حديثًا ضعيفًا ويعملوا بشريعة لم يشرعها الله عز وجل. وهو أشدّ من الغش في السلع، لأنه غشّ في الدين.

المحور الخامس: المجتهد المخطئ وأهل الأهواء وسابّ الصحابة

قرر ابن حزم أن من أقدم على ما يعتقده حلالًا، ولم تقم عليه حجة بتحريمه، فهو معذور مأجور وإن كان مخطئًا، كأهل الكوفة في استحلالهم بعض الأنبذة. أما أهل الأهواء من المعتزلة والمرجئة والزيدية والإباضية، فمن قامت عليه الحجة من نصّ أو إجماع، ثم تمادى ولم يرجع، فهو فاسق. وكذلك من خالف حديث النبي ﷺ لتقليد أو قياس بعد أن قامت عليه الحجة.

ومن سبّ أحدًا من الصحابة رضي الله عنهم وهو عالم بفضلهم، فقد أتى عصبية وفسقًا، لأن الله أكرمهم بصحبة نبيه ﷺ. ونقل الشيخ قول القاضي أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم في ردّ شهادة من يسبّ السلف الصالح: لو ثبت عندي أن رجلًا يسبّ جيرانه ما قبلت شهادته، فكيف بمن يسبّ أفاضل الناس من هذه الأمة؟ إلا أن يكون جاهلًا لم تقم عليه الحجة. فإن عاند الله ورسوله ﷺ في ذلك فهو كافر مشرك.

النقاط الرئيسية

  • حصر ابن حزم الجرح في نقلة الأخبار في أربعة أوجه: الإقدام على الكبيرة، والإقدام على ما يعتقده المرء حرامًا، والمجاهرة بالصغائر، وعدم الحفظ والإتقان.
  • الأوجه الثلاثة الأولى يشترك فيها الراوي والشاهد، أما الوجه الرابع فيختص بالراوي.
  • المستتر بالصغيرة لا تسقط عدالته، لأنها مغفورة بالحسنات واجتناب الكبائر. والمجاهر بها مجروح، لقلة حيائه ولوجوب الإنكار عليه.
  • التوبة الصادقة تعيد العدالة إلى صاحبها ولو كان ذنبه كفرًا، ولكنها لا تُسقط الحدّ، كما في قصة ماعز رضي الله عنه.
  • الزهد والعبادة لا يكفيان لقبول الرواية ما لم يكن الراوي ضابطًا لما يحدّث به.
  • التدليس الذي يُقصد به إسقاط الضعفاء من الإسناد غشٌّ في الدين يُسقط العدالة.
  • المجتهد المخطئ معذور قبل قيام الحجة، ومن تمادى بعد قيامها في هوى أو في سبّ الصحابة فهو فاسق.

الفوائد والعبر

  • على المسلم أن يحذر المجاهرة بالذنب، وأن يستتر بستر الله إذا ابتُلي بمعصية، ويبادر إلى التوبة. ويتأكد هذا في حق من يُقتدى به، حتى لا يكون فتنة للناس وسببًا في الطعن على أهل الدين.
  • ينبغي لطالب العلم أن يأخذ دينه عن العلماء الضابطين المتقنين، لا عن كل واعظ أو زاهد، وأن يفرّق بين الصلاح في النفس والأهلية للتعليم.
  • الأمانة في نقل حديث رسول الله ﷺ واجبة، فلا يحدّث المرء إلا بما ثبت، ولا يغشّ الأمة بنشر الضعيف والموضوع.
  • لا يفعل المسلم ما يعتقد تحريمه، فإن مخالفة الاعتقاد في العمل جرأة على حدود الله ولو كان القول في المسألة مرجوحًا.
  • يجب حفظ اللسان عن الصحابة رضي الله عنهم ومعرفة فضلهم، فالطعن فيهم طعن في نقلة الدين.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات