شرح كتاب " الإحكام لأصول الأحكام" للإمام ابن حزم (11) لفضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.

5,017 مشاهدة
57 مشاركة
منذ 7 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الحادي عشر من شرح كتاب «الإحكام في أصول الأحكام» للإمام أبي محمد علي بن حزم الأندلسي رحمه الله. يشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري حفظه الله، وقد أُلقي ليلة الأحد السادس والعشرين من شهر صفر سنة 1440هـ، الموافق للرابع من شهر نوفمبر سنة 2018م. ويتناول الدرس فصلًا مهمًّا هو «حكم من لم يبلغه الأمر من الشريعة»، أي موقف الشرع ممن لم يصله الحكم الشرعي، سواء في مسألة واحدة أو في الدين كله.

ولهذه المسألة أهمية كبيرة في أصول الفقه، فعليها يُبنى حكم الجاهل بالحكم الشرعي، وحكم أهل الفترة ومن لم تبلغه دعوة النبي صلى الله عليه وسلم. ويتصل بها كذلك حكم المجتهد المخطئ، والفرق بين الجهل الذي يُعذر صاحبه والتقصير الذي يُؤاخذ عليه. ويعرض الشيخ في الدرس قولَي العلماء في المسألة وأدلتهما، ويبيّن ترجيح ابن حزم، ويذكر طريقته في الجدل الشرعي وفي ردّ الإلزامات.

ويخرج المشاهد من هذا الدرس بفهم أصل مهم، وهو أن التكليف مشروط ببلوغ الحجة. ويعرف حدود العذر بالجهل، ويعرف ما يجب على كل مسلم تعلّمه من فروض الأعيان بحسب حاله. ويتعلم أيضًا كيف يناقش العلماء المسائل الأصولية بالدليل والحجة.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: اختلاف العلماء فيمن لم يبلغه الحكم الشرعي

يذكر ابن حزم أن الناس اختلفوا فيمن لم يبلغه الحكم الشرعي على قولين. قالت الطائفة الأولى إن كل أحد مأمور ومنهيّ من ساعة ورود الأمر والنهي، سواء بلغه أم لم يبلغه، غير أنه معفوّ عنه ولا يؤاخذ بما لم يبلغه.

وقالت الطائفة الثانية إن الله تعالى لم يأمر أحدًا بشيء من الدين ولم ينهه عن شيء إلا بعد أن يبلغه الأمر والنهي، فهو قبل ذلك غير مأمور ولا منهيّ أصلًا. وهذا هو القول الذي اختاره ابن حزم رحمه الله. وينبّه الشيخ إلى أن ثمرة هذا الخلاف تظهر في مسائل كثيرة، منها حكم الجاهل بالحكم الشرعي: هل يُعدّ مأمورًا به قبل أن يعلمه أم لا.

واستدل ابن حزم لقوله بأدلة من الكتاب والسنة:

قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]

وقال تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ [الأنعام: 19]

وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ» [رواه مسلم]

المحور الثاني: أهل الفترة ومن في حكمهم يُمتحنون يوم القيامة

روى ابن حزم بإسناده من طريق مسند البزار حديث الأسود بن سريع رضي الله عنه في الذين يحتجّون على الله يوم القيامة، وهم: الأصمّ الذي لا يسمع شيئًا، والأحمق، والهَرِم، ومن مات في الفترة. يقول الأصم: ربِّ جاء الإسلام وما أسمع شيئًا. ويقول الأحمق: جاء الإسلام وما أعقل شيئًا. ويقول من مات في الفترة: ما أتاني لك رسول.

وفي الحديث: «فَيَأْخُذُ مَوَاثِيقَهُمْ لَيُطِيعُنَّهُ، فَيُرْسِلُ إِلَيْهِمْ أَنِ ادْخُلُوا النَّارَ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ دَخَلُوهَا لَكَانَتْ عَلَيْهِمْ بَرْدًا وَسَلَامًا»، وزاد في رواية أبي هريرة رضي الله عنه: «وَمَنْ لَمْ يَدْخُلْهَا يُسْحَبُ إِلَيْهَا».

وخلص ابن حزم من هذا إلى أنه لا نذارة إلا بعد بلوغ الشريعة إلى المُنذَر. فمن لم تبلغه دعوة النبي صلى الله عليه وسلم أصلًا فحكمه حكم أهل الفترة، يُختبر في عرصات القيامة. أما من بلغته الدعوة وسمع بالنبي صلى الله عليه وسلم ثم لم يؤمن، فهو من أصحاب النار.

المحور الثالث: حدود العذر بالجهل والفرق بينه وبين التقصير

يضرب الشيخ أمثلة توضّح القاعدة. منها رجل أسلم حديثًا فعلم فرضية الصلاة فصلّى، لكنه لم يعلم بتحريم الخمر فشربها ظانًّا إباحتها كما هو الحال في البلاد التي يُشرب فيها الخمر كالماء. فهذا لا يؤاخذ في الدنيا ولا في الآخرة حتى يعلم. ومثله من أسلمت ولم تعلم بتحريم التبرّج أو الاختلاط.

ثم يفرّق الشيخ بين هذا وبين التقصير في تعلّم فرض العين. فيجب على التاجر أن يتعلم البيوع المحرّمة، لأن الله تعالى قال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275]. ويجب على من أراد العمرة أن يتعلم أحكامها، وعلى المصلّي أن يتعلم شروط الصلاة ومبطلاتها، وعلى الصائم أن يتعلم مفطرات الصيام. فمن جامع أهله في نهار رمضان ثم قال: «لم أكن أدري»، فجهله هنا ناتج عن تقصيره.

ونبّه الشيخ إلى أن الجهل بالعقوبة لا يرفع الحكم. فالمظاهر الذي يقول لزوجته «أنتِ عليّ كظهر أمي» يعلم أن هذا القول منكر محرّم، فلا يُعذر لأنه جهل مقدار الكفارة. وكذلك القاتل عمدًا أو خطأً، والصحابة رضي الله عنهم أُمروا بالكفارة في مثل هذا.

ونقل الشيخ عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن من أعظم الجهاد جهاد العلم، لأن الأمة تُغزى فكريًّا ومنهجيًّا أكثر مما تُغزى عسكريًّا، واستشهد بحديث عياض بن حمار رضي الله عنه:

«وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ» [رواه مسلم]

المحور الرابع: الرد على استدلال المخالفين بحديث الحاكم المخطئ

احتجّت الطائفة الأولى بقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه المتفق عليه:

«إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» [متفق عليه]

ووجه استدلالهم أن النبي صلى الله عليه وسلم سمّاه مخطئًا، والمخطئ في رأيهم لا يكون إلا من خالف ما أُمر به. فأجاب ابن حزم بأن الحديث حجة له لا عليهم، لأن الإنسان قد يكون مخطئًا لمجرد مخالفته للحق دون أن يكون مأمورًا بخلاف ما فعل. ومثّل لذلك بمن نادى رجلًا باسم غير اسمه وهو لا يتعمّد، فهو مخطئ ولا يلزمه شيء. وكذلك من أنشد بيت شعر فوهم فيه.

فالمجتهد بذل وسعه للوصول إلى الحق ولم يصب ما عند الله، فله أجر على سلوك السبيل وبذل الجهد. أما من أصاب فله أجران: أجر الاجتهاد وأجر إصابة الحق.

المحور الخامس: من الجدل الأصولي عند ابن حزم وأقسام من لم يبلغه الحكم

أورد المخالفون اعتراضًا مفاده أن قول ابن حزم يجعل الدين لازمًا لبعض الناس دون بعض. فأجاب بأن الدين لازم للجن والإنس إذا بلغهم، ولمن لم يُخلق بعد إذا خُلق وبلغه وبلغ حدّ التكليف. ثم ألزمهم بما يتفقون عليه، وهو أن من لم يُخلق ومن لم يبلغ من الأطفال غير مكلفين، فكذلك من لم يبلغه الحكم. وأوضح الشيخ أن أمر الصبيّ بالصلاة لسبع إنما هو من باب التدريب والتربية لا من باب الفرض، ثم انتقد ما تفعله بعض المناهج المعاصرة حين تُطيل الطفولة وتؤخّر النضج والمسؤولية.

ثم ألزموه بسؤال حاصر بين أمرين: هل من لم يبلغه الأمر مأمور بما أمر الله به، أم مأمور بخلافه؟ فرفض ابن حزم الجوابين معًا وقال: «هو غير مأمور في ذلك بشيءٍ أصلًا حتى يبلغه». وفي هذا درس في نقض القسمة غير الحاصرة. ومن تعمّد مخالفة ما يظنه حقًّا فوافق الحق في الواقع، فليس مطيعًا ولا عاصيًا في فعله، لكنه مستسهل لمخالفة الحق هامّ بتركه.

ثم قسّم ابن حزم من لم يبلغهم الحكم ثلاثة أقسام:

  • من شهد الأمر المنسوخ ولم يشهد الناسخ. وهذا لا يكون بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، لأن النسخ انقطع بموته واستقرت الشريعة.
  • من بلغه المنسوخ ولم يبلغه الناسخ، أو بلغه المجمل ولم يبلغه التخصيص.
  • من بلغه الناسخ والمنسوخ والمجمل والخاص، ثم نسي أو تأوّل تأويلًا سائغًا قاصدًا الحق.

النقاط الرئيسية

  • اختار ابن حزم أن التكليف لا يثبت إلا بعد بلوغ الحكم الشرعي، فمن لم يبلغه الأمر أو النهي فليس مأمورًا ولا منهيًّا أصلًا.
  • أدلة هذا القول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، و﴿لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾، و﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، وحديث «لا يسمع بي أحد...».
  • أهل الفترة والأصمّ والأحمق والهرم يُمتحنون يوم القيامة، فمن أطاع منهم نجا ومن عصى هلك.
  • الجاهل بالحكم معذور، ولا يُعذر المقصّر في تعلّم فرض العين الذي يحتاجه في عبادته أو معاملته.
  • الجهل بالعقوبة أو الكفارة لا يُسقطها عمّن علم بتحريم الفعل.
  • حديث «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر» حجة لابن حزم، لأن الخطأ قد يقع دون مخالفة أمر.
  • الصبيّ ومن لم يُخلق غير مكلفين باتفاق، فيُقاس عليهما من لم يبلغه الحكم.

الفوائد والعبر

  • رحمة الله تعالى وعدله، فهو لا يؤاخذ عباده بما لم يعلموه ولم تبلغهم به الحجة.
  • وجوب المبادرة إلى تعلّم ما يحتاجه المسلم من أحكام عبادته ومعاملته، كأحكام الصلاة والصيام والعمرة والبيوع، حتى لا يقع في التقصير الذي لا يُعذر صاحبه.
  • أهمية تبليغ الدين ونشر العلم، لأن الحجة لا تقوم على الناس إلا بالبلاغ. وجهاد العلم من أعظم الجهاد في زمن الغزو الفكري.
  • الاجتهاد الصادق في طلب الحق مأجور عليه صاحبه وإن أخطأ، وفي هذا دعوة إلى حسن الظن بالعلماء المجتهدين.
  • تربية الأبناء على الطاعة ومكارم الأخلاق منذ الصغر، وتحميلهم المسؤولية عند البلوغ، والحذر من المناهج التي تؤخّر نضجهم.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات