شرح كتاب " الإحكام لأصول الأحكام" للإمام ابن حزم (26) لفضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.

3,421 مشاهدة
298 مشاركة
منذ 7 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس السابع والعشرون من شرح كتاب «الإحكام في أصول الأحكام» للإمام أبي محمد علي بن حزم الأندلسي رحمه الله. يشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. وقد عُقد المجلس ليلة الأحد العاشر من شهر رجب سنة أربعين وأربعمائة وألف للهجرة، الموافق للسابع عشر من شهر مارس سنة تسع عشرة وألفين للميلاد. ويتناول المجلس بابًا مهمًّا من أبواب أصول الفقه، وهو دفع ما يُظن أنه تعارض بين النصوص الشرعية، وبيان طرق الجمع بينها.

يبيّن الشيخ أن نصوص الوحي، قرآنًا وسنة صحيحة، كلها من عند الله تعالى، فلا يمكن أن يقع بينها اختلاف حقيقي. وما يظنه بعض الناس تعارضًا يرجع إلى قلة الفقه في دين الله، أو إلى الجهل بلغة العرب التي نزل بها الوحي. ويضرب الشيخ لذلك أمثلة تطبيقية من أفعال النبي ﷺ وأوامره ونواهيه.

والغاية من هذا الدرس أن يتعلم طالب العلم منهج ضمّ النصوص بعضها إلى بعض، وأن يميّز بين اختلاف التنوع في الأفعال النبوية وبين النسخ والتخصيص. ويتعلم كذلك الرد على من يضرب الأحاديث بعضها ببعض، أو يردّ السنة بدعوى الاكتفاء بالقرآن. وفي أثناء المجلس وقف الشيخ وقفة مع مجزرة المسجدين في نيوزيلندا، وذكّر بأن العاقبة للمتقين.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: وجوه الجمع بين النصوص التي يُظن تعارضها

ذكر الإمام ابن حزم أن النصوص التي يُظن تعارضها لا تخلو من أربعة أوجه. الأول أن يكون أحد النصين أقل معاني من الآخر، فيُستثنى الأقل من الأكثر. والثاني أن يكون أحدهما مخصوصًا بنص آخر. والثالث أن يكون في أحد النصين أمر بعمل على كيفية ما، أو في زمان أو مكان أو عدد أو على شخص ما، ويكون في النص الآخر نهي عن عمل بكيفية أو زمان أو مكان أو عدد، فيُستثنى الأقل من الأكثر. والرابع أن يكون النصان متكافئين، فيُطلب ما يرجّح أحدهما على الآخر ببرهان.

ونبّه ابن حزم على نوع ظنّه أهل الجهل تعارضًا وليس فيه تعارض أصلًا. وهو أن يرد حديث بحكم في وجه ما، ثم يرد حديث آخر بحكم آخر في ذلك الوجه بعينه. فهذا كله مقبول ومأخوذ به، وهو من اختلاف التنوع في أفعال النبي ﷺ.

ومن أمثلة ذلك عند ابن حزم صفة الركوع. فقد رُوي من طريق ابن مسعود رضي الله عنه التطبيق، وهو أن يجمع المصلي كفيه ويجعلهما بين ركبتيه. ورُوي من طريق غيره وضع الكفين على الركبتين. لكن الشيخ رجّح أن التطبيق منسوخ، واستدل بحديث مصعب بن سعد عن أبيه رضي الله عنه: «كُنَّا نَفْعَلُهُ فَنُهِينَا عَنْهُ، وَأُمِرْنَا أَنْ نَضَعَ أَيْدِيَنَا عَلَى الرُّكَبِ» (متفق عليه). وبيّن أن ابن مسعود رضي الله عنه بقي على التطبيق لأن الناسخ لم يبلغه، والإنسان معذور بما لم يبلغه من العلم.

المحور الثاني: الفرق بين تنوع الأفعال النبوية وبين النسخ والتخصيص في الأوامر

ذكر ابن حزم مثالًا على تنوع الأفعال، وهو أن النبي ﷺ كان يغتسل أحيانًا بين إتيان كل واحدة من نسائه، وكان أحيانًا يطوف عليهن ثم يغتسل غسلًا واحدًا، وهذا الأخير ثابت في صحيح مسلم من حديث أنس رضي الله عنه. فكل ذلك جائز، ولا تعارض بين الأمرين. وهذا الحكم خاص بالأفعال النبوية المتنوعة. أما الأوامر والنواهي إذا اختلفت فيُنظر فيها إلى الناسخ والمنسوخ، أو إلى العام والخاص.

ومثال التخصيص نهيه ﷺ عن الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها، وهو مع قوله تعالى بعد ذكر المحرمات من النساء: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ﴾ [النساء: 24]. فالحديث مخصِّص لعموم الآية، وما حرّمه الله على لسان نبيه ﷺ يُضاف إلى ما حرّمه في الآية. والحديث هو قوله ﷺ: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا» (متفق عليه).

وجعل الشيخ هذا المثال حجة على من يردّ السنة النبوية ويزعم الاكتفاء بالقرآن، فسألهم: هل تبيحون الجمع بين المرأة وخالتها؟ وتكلم كذلك على أحاديث مسح الرأس. فبيّن أن روايات التثليث والتثنية ضعيفة، وأن الصحيح المسح مرة واحدة، وأنه ثبت المسح على الناصية والعمامة عند مسلم، والمسح على العمامة عند البخاري. وكل ذلك يُضم بعضه إلى بعض ويُعمل به جميعًا.

المحور الثالث: الرد على من جعل سكوت النص عن حكمٍ دليلًا على سقوطه

ردّ ابن حزم على قوم أساؤوا النظر جدًّا، فقالوا: إذا ذُكر حكم في نص ولم يُذكر في نص آخر، فذلك دليل على سقوطه أو نسخه. ووصف ابن حزم هذا القول بأنه إقدام عظيم وإسقاط لجميع الشرائع، لأن لازمه أن كل شريعة لم تُذكر في كل آية وفي كل حديث تكون ساقطة.

ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: 282]، فالآية لم تذكر التفرق. فلا يصح أن يُستدل بذلك على إسقاط خيار المجلس الثابت بقوله ﷺ: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا». ولو صح هذا الاستدلال للزم أن يُقال: إن الآية لم تذكر النهي عن بيع الغرر والملامسة والمنابذة وبيع الخمر والخنزير، فهي مباحة! وهذا باطل بالإجماع.

وكذلك قوله تعالى: ﴿قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: 145]. فلو اقتُصر على ظاهرها دون ضمّ غيرها إليها للزم القول بحِلّ ما ثبت تحريمه بنصوص أخرى. وقرّر الشيخ أن الواجب ضمّ النصوص بعضها إلى بعض، آيات كانت أو أحاديث، والعمل بمجموعها. ولا يكمل فقه المسألة إلا بجمع أطرافها كلها.

المحور الرابع: القرآن والسنة وحي من عند الله لا اختلاف فيه

استدل ابن حزم على أنه لا تعارض بين نصوص الوحي بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ ۝ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ [النجم: 3-4]، وقوله: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21]، وقوله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82].

فقد أخبر الله تعالى أن كلام نبيه ﷺ وحي من عنده كالقرآن، وأنه راضٍ عن أفعاله ﷺ لأنها موافقة لمراده. وأخبر أنه لا اختلاف فيما كان من عنده. فصحّ بالضرورة أنه لا تعارض ولا اختلاف بين القرآن والحديث الصحيح، وأن الوحي كله متفق. فالقرآن وحي متلو، والسنة وحي غير متلو، وكلاهما كلفظة واحدة وخبر موصول بعضه ببعض، يُضاف بعضه إلى بعض ويُبنى بعضه على بعض.

ولهذا يبطل مذهب من يضرب الحديث بالحديث أو الحديث بالقرآن. وقرّر الشيخ أن التعارض لا يوجد إلا في عقول بعض الناس وأفهامهم، لا في حقيقة الوحي. ومن ظن شيئًا متعارضًا فليتمهل، ولينظر في لغة العرب وفي كلام العلماء السابقين، فسيجد أنه لا تعارض أصلًا. والعطف والاستثناء يوجبان الأخذ بالزائد أبدًا، سواء كان الزائد من القرآن أو من السنة.

المحور الخامس: حديث حُلّة عطارد ونموذج الجمع النبوي بين النصوص

ذكر ابن حزم أن النبي ﷺ نفسه بيّن منهج الجمع بين النصوص في قصة حُلّة عطارد. فقد قال لعمر رضي الله عنه: «إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ». ثم بعث إلى عمر بعد ذلك بحُلّة سِيَراء من حرير، فقال عمر: يا رسول الله، بعثت إليّ بهذه وقد قلت في حُلّة عطارد ما قلت؟ فقال ﷺ: «إِنِّي لَمْ أَبْعَثْ بِهَا إِلَيْكَ لِتَلْبَسَهَا». وفي بعض الروايات ما معناه أنه بعث بها إليه ليصيب بها حاجته، فيبيعها أو يكسوها غيره.

ففي هذا الحديث تعليم عظيم لطريقة العمل بالنصوص كلها. فالنبي ﷺ أباح تملك حُلّة الحرير وبيعها وهبتها وكسوتها النساء، واستثنى لبسها للرجال فقط. وأشار الشيخ إلى أن الحرير الخالص محرم على الرجال إلا لحاجة كالمرض، كما رُخّص في ذلك للزبير رضي الله عنه. وأشار كذلك إلى الرخصة في الشيء اليسير منه في الثوب.

واستدل ابن حزم بهذا الحديث على إبطال القياس، لأن عمر رضي الله عنه حمل النهي عن اللبس على سائر وجوه الانتفاع، فبيّن له النبي ﷺ أن الحكم مقصور على ما ورد فيه النص. ونبّه الشيخ إلى أن هذا الاستدلال قد يُعترض عليه بأنه يُبطل العموم أيضًا، لأن عمر حمل اللفظ على عمومه.

وقفة: مجزرة المسجدين في نيوزيلندا

توقف الشيخ في أثناء المجلس عند الاعتداء الإجرامي على المصلين في مسجدين بنيوزيلندا. وبيّن ازدواجية المعايير في وصف الإرهاب: فإذا كان الجاني مسلمًا قامت الدنيا ولم تقعد، وإذا قُتل المسلمون العُزّل في صلاتهم لم يُسمَّ ذلك إرهابًا عند كثير من وسائل الإعلام. وسأل الله أن يتقبل الضحايا في الشهداء، فقد خُتم لهم وهم على وضوء وفي بيوت الله.

وذكّر بأن الليل إذا اشتد ظلامه أقبل الفجر، وأن الله غالب على أمره. واستشهد بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال: 36]، وقوله: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7]، وقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: 8]. وحثّ على الدعاء، فهو سلاح المؤمن حين يعجز عن غيره.

النقاط الرئيسية

  • النصوص التي يُظن تعارضها يُجمع بينها بأحد أربعة أوجه: الاستثناء، أو التخصيص، أو استثناء الأقل من الأكثر في الكيفية والزمان والمكان والعدد، أو الترجيح ببرهان.
  • اختلاف الأفعال النبوية في الوجه الواحد هو من اختلاف التنوع، وكلها جائزة، كغسله ﷺ بين نسائه أو غسله غسلًا واحدًا بعدهن.
  • التطبيق في الركوع منسوخ بحديث سعد رضي الله عنه، وابن مسعود رضي الله عنه معذور لأنه لم يبلغه الناسخ.
  • السنة تخصّص عموم القرآن، كتحريم الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها مع قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ﴾.
  • سكوت نص عن حكم لا يدل على سقوط ذلك الحكم أو نسخه، بل يجب ضمّ النصوص بعضها إلى بعض.
  • القرآن والسنة الصحيحة كلاهما وحي من عند الله، فلا اختلاف بينهما، ويبطل ضرب بعض النصوص ببعض.
  • حديث حُلّة عطارد نموذج نبوي في الجمع بين النصوص، فقد قصر النبي ﷺ التحريم على اللبس وأباح سائر وجوه الانتفاع.

الفوائد والعبر

  • إذا بدا لك تعارض بين آيتين أو حديثين فلا تتعجل بردّ أحدهما، بل اجمع أطراف المسألة، وارجع إلى لغة العرب وكلام أهل العلم.
  • احذر دعوة من يكتفي بالقرآن ويرد السنة، فالسنة وحي، ومن دونها لا تُفهم كثير من الأحكام كتحريم الجمع بين المرأة وخالتها.
  • التمس العذر للعلماء إذا خالفوا نصًّا لم يبلغهم، كما كان الحال مع ابن مسعود رضي الله عنه في التطبيق.
  • قف عند حدود النص فيما حرّمه الشرع، فلا توسّع دائرة التحريم بغير برهان، كما في إباحة بيع الحرير وهبته مع تحريم لبسه على الرجال.
  • عند المحن التي تنزل بالمسلمين: الزم الدعاء، وأحسن الظن بالله، وأيقن أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، وأن بعد الشدة فرجًا.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات