شرح كتاب " الإحكام لأصول الأحكام" للإمام ابن حزم (32) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو الدرس الثاني والثلاثون من شرح كتاب «الإحكام في أصول الأحكام» للإمام أبي محمد علي بن حزم الأندلسي رحمه الله، يقدمه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. ويتناول الدرس مسألة أصولية كبيرة اشتد فيها النزاع بين المذاهب، وهي: هل يحتاج الخبر الصحيح المسند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن يعمل به أحد حتى يُقبل؟ ويخص الدرس بالمناقشة قول من اشترط موافقة «عمل أهل المدينة» لقبول الحديث.
يعرض الشيخ ردود الإمام ابن حزم على هذا الشرط. ويبين أن السنة الصحيحة حجة بنفسها، وأن الحق لا يزيد بعمل العاملين ولا ينقص بتركهم له. ثم يناقش معنى «العمل» الذي يُحتج به: من صاحبه؟ وفي أي زمان كان؟ ويذكر أمثلة من الأحاديث التي تُرك العمل بها بهذه الحجة.
ومن أهداف الدرس أن يعرف طالب العلم منزلة الخبر الصحيح في الاستدلال، وأن يميز بين الحجة الملزمة وما ليس بحجة، وأن يرسخ في نفسه تعظيم سنة النبي صلى الله عليه وسلم وتقديمها على كل قول.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: الخبر الصحيح حجة بنفسه ولا يتوقف على عمل أحد
يقرر ابن حزم أن الحديث إذا صح سنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجب الأخذ به، ولا يُشترط لذلك أن يعمل به أحد قبلنا. ويرد على قول بعض أصحاب الإمام مالك إن الحديث لا يُقبل حتى يصحبه العمل، ويعده من أفسد الأقوال.
ويبني ذلك على قسمة عقلية: الخبر الصحيح قبل أن يُعمل به إما أن يكون حقًا وإما أن يكون باطلًا. فإن كان حقًا فهو حق عمل به الناس أو لم يعملوا، ولا يزداد الحق درجة بالعمل، ولا ينقص بالترك. ولا يقول مسلم إن الخبر الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم باطل حتى يعمل به أحد. فثبت بهذا أن لا وجه لاشتراط العمل.
ويلزم من القول المخالف أن من عمل بالحديث أولًا لم يسبقه أحد بالعمل، فعلى أي شيء اعتمد؟ ومن المعلوم أن أول من عمل بالسنة إنما عمل بها لأنها خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا هو المطلوب. ومن أمثلة ذلك حديث:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (متفق عليه)
فهو حديث فرد في أصل روايته، ومع ذلك تلقته الأمة بالقبول لصحة إسناده، لا لانتظار عمل يسبقه.
المحور الثاني: لو أطبق أهل الأرض على مخالفة الحديث لم يضره ذلك
يبين ابن حزم أن إجماع أهل الأرض على معصية رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر مستحيل شرعًا، لأن الله تكفل بحفظ طائفة قائمة بالحق، كما في الحديث:
«لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ» (رواه مسلم)
ثم يقول: ولو فُرض أن أهل الأرض أطبقوا على مخالفة سنة صحيحة، ما أسقط ذلك صحتها. فقد بُعث النبي صلى الله عليه وسلم وأهل الأرض كلهم على خلافه، ولم يكن ذلك قادحًا في صدقه. ثم انتشر الإسلام شيئًا فشيئًا.
والعكس كذلك: لو اتفق الناس على تصديق مسيلمة الكذاب ما صار كلامه حقًا. فالحق حق بذاته والباطل باطل بذاته، والعمل لا يقلب أحدهما إلى الآخر.
المحور الثالث: ما المقصود بـ«عمل أهل المدينة»؟
يسأل ابن حزم المخالفين: عمل من تريدون؟ أهو عمل مالك وأصحابه؟ أم عمل شيوخه من التابعين؟ أم عمل الصحابة رضي الله عنهم؟ أم عمل النبي صلى الله عليه وسلم؟ أم عمل الأمراء والولاة بالمدينة؟ ويذكر أنهم لم يستطيعوا تحديد هذا العمل تحديدًا منضبطًا.
ويقول: إن أرادوا عمل النبي صلى الله عليه وسلم فهذا هو قولنا، وهو السنة نفسها. وإن أرادوا عمل الأمة كلها فالأمة مختلفة، وأهل المدينة أنفسهم اختلفوا في كثير من المسائل، فكيف يكون المختلَف فيه حجة؟
ويستدل بقصة عمر بن عبد العزيز رحمه الله حين كتب إليه عامله في عبد آبق سرق، وأخبره أن أهل المدينة لا يقطعون العبد الآبق. فكتب إليه عمر أن الله تعالى قال:
﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ﴾ [المائدة: 38]
وأمره أن يقطعه إن كانت سرقته تبلغ النصاب. فهذا إمام من أئمة المدينة قدّم النص على ما عليه العمل عندهم. ويذكر ابن حزم كذلك أن بعض أهل المدينة أخذوا في مسائل بقول الحسن البصري، وهو عراقي، فأين حجية عمل أهل المدينة إذن؟
المحور الرابع: أمثلة لأحاديث صحيحة تُركت بدعوى العمل
يسوق الشيخ أمثلة ذكرها ابن حزم لأحاديث صحيحة رواها الإمام مالك نفسه، ثم قيل فيها: «ليس عليه العمل». ومن أشهرها حديث خيار المجلس:
«الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا» (متفق عليه)
ومن الأمثلة كذلك: رفع اليدين في الصلاة، وصلاة المأمومين جلوسًا خلف الإمام الجالس، وصفة الغسل من الجنابة، والتأمين خلف الإمام كما في حديث:
«إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا» (متفق عليه)
ويبين أن ترك هذه السنن بحجة العمل يلزم منه أن يكون العاملون هم الذين يشرعون، وأن يُقدَّم فعل الناس على قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا لا يقوله مسلم.
النقاط الرئيسية
- الخبر الصحيح المسند إلى النبي صلى الله عليه وسلم حجة بنفسه، ولا يتوقف قبوله على عمل أحد.
- الحق لا يزداد بعمل العاملين ولا ينقص بتركهم له.
- إجماع أهل الأرض على معصية الرسول صلى الله عليه وسلم مستحيل، لبقاء الطائفة الظاهرة على الحق.
- دعوى «عمل أهل المدينة» غير منضبطة، ولم يحدد أصحابها عمل من يقصدون.
- أهل المدينة أنفسهم اختلفوا، فلا يصح أن يكون عملهم المختلف فيه حجة على السنة.
- قدّم عمر بن عبد العزيز نص القرآن في حد السرقة على ما كان عليه العمل بالمدينة.
- رُدّت أحاديث صحيحة بدعوى «ليس عليه العمل»، كحديث خيار المجلس وحديث التأمين.
الفوائد والعبر
- تعظيم سنة النبي صلى الله عليه وسلم والمبادرة إلى العمل بها متى صحت، دون انتظار موافقة الناس.
- ألا يغتر المسلم بكثرة المخالفين للحق، فالحق لا يُعرف بالكثرة بل بالدليل.
- الاطمئنان إلى أن الحق باقٍ في الأمة إلى قيام الساعة، كما وعد النبي صلى الله عليه وسلم.
- تعلّم المنهج العلمي في مناقشة الأقوال بالقسمة العقلية والإلزام، كما فعل ابن حزم.
- الاقتداء بعمر بن عبد العزيز في تقديم النص على العرف والعادة، مع احترام الأئمة ومعرفة قدرهم.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات