شرح كتاب " الإحكام لأصول الأحكام" للإمام ابن حزم (55) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

4,536 مشاهدة
87 مشاركة
منذ 6 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الخامس والخمسون من شرح كتاب «الإحكام في أصول الأحكام» للإمام أبي محمد علي بن أحمد بن حزم الأندلسي رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يتناول الدرس فصلًا من مباحث العموم والخصوص، ويتوقف عند مسألة مهمة في أصول الفقه، وهي: هل يصح تخصيص النص العام بالقياس؟ وقد بيّن ابن حزم في هذا الفصل ما وقع فيه القائلون بذلك من تناقض.

ويعرض الشيخ طريقة الإمام ابن حزم في نقد أصحاب القياس، فهو يجمع لهم المسائل التي قاسوا فيها والمسائل التي تركوا فيها القياس مع أن العلة واحدة. ثم يذكر أمثلة على تخصيص النص بالنص من القرآن والسنة، وتخصيصه بالإجماع. ويتضمن الدرس أيضًا استطرادًا مفيدًا عن أحكام الزكاة ومصارفها، وحدود تصرف الوكيل في أموال الزكاة.

ويهدف الدرس إلى أن يعرف طالب العلم مراتب الأدلة وطرق التخصيص الصحيحة، وأن يميز القياس الصحيح من الفاسد، وأن يعرف الفرق بين من يُنكر نص القرآن فيكفر ومن يتأول ظاهره فلا يكفر.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: تناقض القائلين بتخصيص النص بالقياس

يقرر ابن حزم أن القياس عنده باطل بجميع أنواعه، سواء سمّاه أصحابه قياس الأولى أو قياس النظير أو قياس الشبه. ثم يلزم القائلين بتخصيص العموم بالقياس بمسائل تركوا فيها قياسهم. ومن هذه المسائل عدة المتوفى عنها زوجها، فقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 234].

وقد قالوا إن المدخول بها وغير المدخول بها سواء في عدة الوفاة. ومع ذلك فرّق الشرع بينهما في الطلاق، فالمطلقة قبل الدخول لا عدة عليها، ولها نصف الصداق. فيقول ابن حزم: لماذا لم تقيسوا المتوفى عنها غير المدخول بها على المطلقة غير المدخول بها، كما قستم في مواضع أخرى، ومنها قياس المطلقة ثلاثًا على المتوفى عنها في الإحداد؟ ثم يقول: إن كان القياس حقًّا فاستعملوه في كل موضع يشبه أصله، وإن كان باطلًا فاتركوه في كل موضع.

المحور الثاني: تخصيص عموم القرآن بالسنة والإجماع

يذكر ابن حزم أن عموم قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11] خصّته السنة في مواضع. فالعبد لا يرث ولا يورَث، لأن ماله كله لسيده. والكافر لا يرث المسلم، لقوله ﷺ: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» [متفق عليه].

ومن أمثلة التخصيص أيضًا قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: 5]، وقوله ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» [رواه ابن ماجه]. وقد خُصّ هذا العموم بالقاتل خطأً، فأوجب الله عليه الكفارة والدية: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ﴾ [النساء: 92]. وخُصّ كذلك بالإجماع على أن الحدث ينقض الوضوء، سواء وقع عمدًا أو نسيانًا.

المحور الثالث: قياس حدّ العبد على حدّ الأمة

قاس كثير من أهل العلم العبد على الأمة في تنصيف الحد، أخذًا من قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: 25]. وهذا عندهم من القياس الجلي، لأن العبد مملوك مثل الأمة، ولا يتزوج إلا بإذن سيده.

ويرى أبو محمد أن النص جاء بأن حكم العبد يخالف حكم الحر، واستدل بحديث دية المكاتب: «يُودَى الْمُكَاتَبُ بِحِصَّةِ مَا أَدَّى دِيَةَ حُرٍّ، وَمَا بَقِيَ دِيَةَ عَبْدٍ» [رواه أبو داود والنسائي]. فيكون الحكم عنده ثابتًا بالنص، لا بالقياس.

المحور الرابع: الأكل من الهدي الواجب وجزاء الصيد، وأحكام الزكاة

ذكر ابن حزم أن بعضهم خصّ قوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: 36]، فمنعوا الأكل من الهدي الواجب قياسًا على جزاء الصيد. ويرى أبو محمد أن الصواب أن الهدي الواجب لا يؤكل منه، لأنه خرج من ملك صاحبه وصار إما ملكًا للمساكين وإما ملكًا لله تعالى، والله يقول: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: 29].

ومن هنا استطرد الشيخ إلى أحكام الزكاة، فبيّن أنها بعد إخراجها ليست ملكًا للمزكي، ولا ملكًا للوكيل أو للجمعية التي تتولاها. فلا يجوز لأحد أن يتصرف فيها بهواه أو يحابي بها أقاربه، فهي أمانة يجب أن تُصرف في مصارفها الشرعية. وانتقد الشيخ الفتاوى التي تجيز صرف الزكاة لغير المسلمين أو لبناء المستشفيات والمنشآت. وبيّن أن المراد بـ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 60] هم المجاهدون في سبيل الله.

المحور الخامس: الفرق بين إنكار القرآن وتأويل ظاهره

أورد ابن حزم اعتراضًا يقول: كيف تتركون ظاهر القرآن، ومن أنكر شيئًا منه أو شك فيه كفر، بينما من أنكر خبر الآحاد لا يكفر؟ وأجاب بأن القرآن والسنة كلاهما وحي من عند الله تعالى، ويجب العمل بهما معًا.

والذي يكفر هو من أنكر أن القرآن منزل من عند الله، أو أنكر شيئًا منه. أما من أقر بالنص ثم تأوّله تأويلًا لم يخالف به الإجماع، فلا يكفر. فالحكم يتعلق بإنكار النزول والثبوت، لا بالاجتهاد في فهم الدلالة.

النقاط الرئيسية

  • يرى ابن حزم أن القياس باطل بجميع أنواعه، ولا يجوز عنده تخصيص النص به.
  • القائلون بالتخصيص بالقياس متناقضون، ومن أمثلة ذلك أنهم لم يقيسوا المتوفى عنها غير المدخول بها على المطلقة قبل الدخول.
  • عموم آيات المواريث خصّته السنة، فالعبد لا يرث، ولا توارث بين المسلم والكافر.
  • رفع الإثم عن المخطئ والناسي لا يُسقط الكفارة والدية عن القاتل خطأً، ولا يمنع انتقاض الوضوء بالحدث نسيانًا.
  • الهدي الواجب والزكاة يخرجان من ملك صاحبهما، فلا يحل له ولا لوكيله أن يتصرف فيهما بهواه.
  • مصرف ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ في آية الزكاة هم المجاهدون، والقرآن والسنة كلاهما وحي من عند الله.
  • يكفر من أنكر نزول القرآن أو شيئًا منه، ولا يكفر من تأوّل ظاهره دون أن يخالف الإجماع.

الفوائد والعبر

  • ينبغي لطالب العلم أن يطّرد في تطبيق الأصل الذي يعتمده، فلا يأخذ به في موضع ثم يتركه في موضع مماثل.
  • من يتولى أموال الزكاة أمين عليها، فيجب عليه أن يتقي الله فيها وأن يصرفها في مصارفها الشرعية، دون محاباة أو تصرف بالهوى.
  • على المسلم أن يتحرى الفتوى في أبواب الزكاة، وأن يحذر من الأقوال التي تخرج بها عن مصارفها التي نص عليها القرآن.
  • من رحمة الله أنه رفع الإثم عن المخطئ والناسي، مع بقاء حقوق العباد كالدية، وهذا من عدل الشريعة.
  • الواجب تعظيم نصوص الوحي من الكتاب والسنة، والتمييز بين إنكار النص، وهو كفر، والاجتهاد المعتبر في فهمه.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات