شرح كتاب " الإحكام لأصول الأحكام" للإمام ابن حزم (31) لفضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.

5,134 مشاهدة
273 مشاركة
منذ 6 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الحادي والثلاثون من شرح كتاب «الإحكام في أصول الأحكام» للإمام أبي محمد علي بن أحمد بن حزم الأندلسي رحمه الله، يشرحه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. يتناول المجلس مسألة من أخطر مسائل أصول الدين وأصول الفقه، وهي حجية السنة النبوية واستقلالها بالتشريع. ويرد فيه الإمام ابن حزم على من يقول إن الحديث لا يُقبل إلا إذا عُرض على القرآن فوافقه، ويبيّن ضعف الروايات التي يحتجون بها ونكارتها.

افتتح الشيخ المجلس بخطبة الحاجة، ثم قرأ كلام ابن حزم عن الأحاديث التي يحتج بها هؤلاء، ومنها: «ما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله، فما وافقه فأنا قلته، وما خالفه فلم أقله». وتتبّع أسانيدها وبيّن ما فيها من الرواة الكذابين والمجهولين والمتروكين. وأوضح أن مضمونها يؤدي إلى إبطال شرائع الإسلام، وإلى نسبة الكذب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلى إباحة الكذب عليه.

ويهدف المجلس إلى أن يعرف طالب العلم منزلة السنة من القرآن، وأن يفرّق بين معارضة السنة للقرآن وبين بيانها له وتخصيصها لعامّه وزيادتها عليه. كما يحذّر من دعوى الاكتفاء بالقرآن ومن الطعن في الصحيحين.

المحور الأول: نقد أحاديث «عرض السنة على القرآن»

ذكر الإمام ابن حزم أن قومًا احتجوا بأحاديث يُروى فيها أن ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم يُعرض على كتاب الله، فما وافقه قُبل وما خالفه رُدّ. وساق أسانيد هذه الروايات، فبيّن الشيخ أن في بعضها رواة متهمين بالكذب، وفي بعضها مجاهيل لا تُعرف أعيانهم ولا أحوالهم، وفي بعضها انقطاع وإرسال. فهي بذلك ساقطة لا تقوم بها حجة.

وتناول الشيخ أيضًا الرواية التي فيها: «إذا حُدِّثتم عني بحديث تعرفونه ولا تنكرونه فصدّقوا به، وإذا حُدِّثتم بحديث تنكرونه فكذّبوا به»، وبيّن أن جعل الاستحسان والاستنكار ميزانًا لقبول الحديث يفتح باب الهوى. فما يستحسنه زيد قد يستنكره عمرو، فتصير السنة تابعة لأذواق الناس وعقولهم.

ونبّه إلى نكتة لطيفة ذكرها أهل العلم: هذا الحديث لو عرضناه هو نفسه على كتاب الله لوجدناه مخالفًا له. فليس في القرآن أمر بعرض السنة عليه، بل فيه الأمر بطاعة الرسول مطلقًا. فالحديث يبطل نفسه بنفسه.

ومن الأدلة على ذلك قول الله تعالى:

﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا۟﴾ [الحشر: 7]

﴿مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ﴾ [النساء: 80]

﴿إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُ﴾ [النساء: 105]

المحور الثاني: هذه الروايات تبطل الشرائع وتنسب الكذب إلى النبي صلى الله عليه وسلم

قرر ابن حزم أن في بعض هذه الروايات إبطالًا لشرائع الإسلام، لأن أكثر تفاصيل الشريعة لم ترد في القرآن نصًّا. ومن ذلك عدد ركعات الصلوات، ومقادير الزكاة، وكثير من أحكام الصيام والحج والبيوع والأقضية والحدود. فلو لم يُقبل إلا ما في القرآن لبطلت هذه الأحكام كلها.

وفي بعضها الآخر نسبة الكذب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعنى ذلك أن يُقال عنه ما لم يقله، ثم يُصحَّح ما وافق الهوى. ويتضمن ذلك أيضًا إباحة الكذب عليه، وهذا مناقض لما تواتر عنه من الوعيد الشديد في قوله صلى الله عليه وسلم:

«مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» [متفق عليه].

وبيّن الشيخ أن الطريق الصحيح لمعرفة ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم هو النقل الثابت بالأسانيد الصحيحة عن الثقات. وليس الطريق هو الاستحسان العقلي أو الموافقة الظاهرية لفهم شخص معيّن للقرآن.

المحور الثالث: السنة مبيّنة للقرآن ومخصّصة لعامّه وزائدة عليه

أوضح الشيخ أن تخصيص السنة لعموم القرآن ليس معارضة له، بل هو بيان لمراد الله تعالى. ومن أشهر الأمثلة على ذلك ذكر الله المحرمات من النساء في سورة النساء ثم قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَٰلِكُمْ﴾، ثم جاءت السنة بتحريم الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها. فهذا تخصيص صحيح أجمعت عليه الأمة.

ونقل عن ابن حزم أن كل خبر شرعي صحيح إما أن يكون مبيّنًا لما في القرآن، أو مضافًا إليه زائدًا عليه، ولا سبيل إلى وجود تعارض حقيقي بينهما. فالوحي كله من عند الله، والقرآن والسنة لا يختلفان، وما يظهر من التعارض يُجمع فيه بالتخصيص أو البيان أو النسخ.

ومن أمثلة الزيادة على القرآن تحريم لحوم الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير. فهذه لم ترد في القرآن نصًّا، لكنها داخلة في قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَـٰٓئِثَ﴾ [الأعراف: 157]. فالسنة عيّنت هذه الخبائث وبيّنتها.

ويشهد لهذا الأصل قوله صلى الله عليه وسلم: «أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ» [رواه أبو داود وأحمد].

المحور الرابع: بطلان دعوى الاكتفاء بالقرآن

نقل الشيخ قول ابن حزم: لو أن امرأً قال لا نأخذ إلا ما وجدنا في القرآن لكان كافرًا بإجماع الأمة. وألزمه ابن حزم بأنه لا يلزمه حينئذ إلا ركعة ما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل وأخرى عند الفجر، لأن ذلك أقل ما يقع عليه اسم الصلاة، ولا حدّ للأكثر عنده. وهذا قول لا يقوله مسلم.

وبيّن الشيخ أن من يرفع شعار القرآن وحده يؤول به الأمر إلى هدم الدين كله، لأن تفاصيل العبادات والمعاملات لا تُعرف إلا بالسنة. ثم إن القرآن نفسه أمر باتباع الرسول وطاعته والتحاكم إليه، فمن ترك السنة فقد ترك القرآن.

قال تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِۦ جَهَنَّمَ ۖ وَسَآءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115]

المحور الخامس: الطعن في الصحيحين طعن في السنة

نبّه الشيخ على خطر من يدّعي في عصرنا دعاوى كبيرة باسم القرآن والعقل، ثم يطعن في صحيحي البخاري ومسلم. وبيّن أن الأمة تلقّت الصحيحين بالقبول وأجمعت على صحة ما فيهما منذ قرون متطاولة، إلا أحرفًا يسيرة تكلم فيها بعض الحفاظ بعلم وإنصاف.

وأوضح أن الصحيحين ليسا معصومين، فالعصمة لكتاب الله ولرسوله صلى الله عليه وسلم. لكن الأمة معصومة من الاجتماع على ضلالة، وقد أجمعت على صحة ما فيهما. فالطعن فيهما جملةً طعن في السنة، والطعن في السنة طعن في الدين، ومخالفة لسبيل المؤمنين.

النقاط الرئيسية

  • أحاديث «اعرضوا حديثي على كتاب الله» لا تصح، ففي أسانيدها كذابون ومجاهيل ومتروكون.
  • هذه الروايات تبطل نفسها، لأن القرآن لم يأمر بعرض السنة عليه بل أمر بطاعة الرسول مطلقًا.
  • جعل الاستحسان والاستنكار ميزانًا لقبول الحديث يفتح باب الهوى ونسبة الكذب إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
  • السنة مبيّنة للقرآن ومخصّصة لعامّه وزائدة عليه، ولا تعارض حقيقيًّا بين الوحيين.
  • تحريم الجمع بين المرأة وعمتها، وتحريم الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع، أمثلة على أحكام ثابتة بالسنة.
  • من قال لا نأخذ إلا بما في القرآن فهو كافر بإجماع الأمة، ويلزمه هدم تفاصيل الشريعة كلها.
  • الأمة أجمعت على صحة ما في الصحيحين، والطعن فيهما جملةً طعن في السنة.

الفوائد والعبر

  • تعظيم السنة النبوية والتسليم لها إذا صحّ سندها، وعدم ردّها بالرأي أو الذوق.
  • معرفة منهج المحدثين في نقد الروايات بالأسانيد، فهذا هو الطريق الآمن لحفظ الدين.
  • الحذر من الدعوات المعاصرة التي ترفع شعار «القرآن وحده» أو تطعن في الصحيحين، وفهم ما يلزم منها من هدم الشريعة.
  • فهم العلاقة الصحيحة بين القرآن والسنة، وأن ما يظهر من تعارض يُجمع فيه بالبيان أو التخصيص أو النسخ.
  • لزوم سبيل المؤمنين وإجماع الأمة، والحذر من الشذوذ والتفرد بالأقوال المخالفة لما عليه أهل العلم.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات