شرح كتاب " الإحكام لأصول الأحكام" للإمام ابن حزم (37) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

2,527 مشاهدة
307 مشاركة
منذ 6 سنوات
```html

المقدمة

يواصل فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري في هذا الدرس، وهو السابع والثلاثون، شرح كتاب «الإحكام في أصول الأحكام» للإمام أبي محمد علي بن حزم الأندلسي رحمه الله. والكتاب من أهم مصنفات أصول الفقه، إذ يقرر فيه ابن حزم منهج الأخذ بظواهر النصوص من الكتاب والسنة، ويناقش أقوال المخالفين بأدلة مفصلة.

ويتناول الدرس مسألة أصولية دقيقة هي دلالة الأمر الشرعي: هل يُحمل على الوجوب حتى تأتي قرينة تصرفه؟ أم يُتوقف فيه حتى يقوم دليل يبين المراد منه كما يقول أصحاب الوقف؟ ويعرض الشيخ شبهات القائلين بالتوقف وردود ابن حزم عليها، ومنها مسألة الأمر الوارد بعد الحظر.

ويهدف الدرس إلى أن يعرف طالب العلم أن الأصل في أوامر الله ورسوله ﷺ المبادرة إلى الطاعة، وأن يحسن التعامل مع النصوص التي يُستدل بها على صرف الأمر عن الوجوب، وأن يتأدب في الحوار العلمي في المسائل الخلافية.

ملاحظة: النص المفرغ للدرس مضطرب في كثير من مواضعه، لذلك اقتصر هذا الوصف على المسائل التي أمكن تبينها بوضوح، وأُثبتت الآيات والأحاديث بلفظها المعروف في مصادرها.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: القول بالتوقف في الأوامر واستدلال أصحابه بآية سورة محمد

يعرض الشيخ شبهة من قال إن الأوامر يُتوقف فيها، فلا تُحمل على وجوب ولا غيره حتى يأتي دليل يبين المراد. وقد استدل بعضهم بقول الله تعالى في المنافقين:

﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [محمد: 16]

ورد ابن حزم على هذا الاستدلال بأن الآية في ذم المنافقين الذين طبع الله على قلوبهم، فسؤالهم لم يكن طلبًا للفهم ولا توقفًا مشروعًا، بل كان إعراضًا واستهزاءً. فلا يصح الاستدلال بفعل قوم ذمهم الله على مشروعية التوقف في أوامره. ولو كان توقفهم في الأمر حتى يتبين لهم مشروعًا لما ذمهم الله تعالى عليه.

وبيّن الشيخ أن من الخطأ الاستدلال بنص لا علاقة له بالمسألة، وأن ابن حزم كان شديدًا في رده على من رأى أنه يعارض النصوص بالرأي.

المحور الثاني: الأصل في الأمر الوجوب والمبادرة إلى الطاعة

يقرر الشيخ أن الراجح في هذه المسألة الخلافية أن الأصل في الأوامر الشرعية الوجوب حتى تأتي قرينة صحيحة تصرفها إلى الاستحباب أو الإباحة. ويستدل على ذلك بالنصوص الآمرة بطاعة الله ورسوله ﷺ، ومنها قوله تعالى:

﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النور: 54]

وبيّن أن المؤمن يقول عند سماع الأمر: سمعنا وأطعنا، ولا يقف موقف المتردد. ولو أن الصحابة رضي الله عنهم توقفوا في كل أمر حتى يأتيهم دليل منفصل لتعطلت الطاعة، ولكان ذلك مخالفًا لما كانوا عليه من المسارعة إلى الامتثال.

وأشار الشيخ في هذا السياق إلى ما وقع بين ابن حزم وبعض أئمة المالكية، كالقاضي إسماعيل بن إسحاق، من ردود ومناقشات علمية في مسائل الأصول.

المحور الثالث: الأمر بعد الحظر ومسألة «وإذا حللتم فاصطادوا»

من أقوى ما احتج به المخالفون أوامر جاءت في القرآن ولا تفيد الوجوب بالإجماع، كقوله تعالى:

﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: 2]

﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 10]

قالوا: لو كانت الأوامر على الوجوب لوجب على كل من حلّ من إحرامه أن يصطاد، ولوجب على كل من صلى الجمعة أن ينتشر في الأرض، وهذا لا يقول به أحد. وأجاب ابن حزم بأن هذه الأوامر صرفتها أدلة أخرى عن الوجوب. فالصيد كان مباحًا قبل الإحرام، ثم حُرّم بالإحرام، ثم رجع بعد التحلل إلى ما كان عليه قبله وهو الإباحة. وكذلك الانتشار بعد الصلاة يعود إلى أصله من الإباحة.

واستدل الشيخ على أن الانتشار ليس فرضًا بفضل المكث في المصلى بعد الصلاة، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال:

«الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ، تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ» [رواه البخاري]

كما تطرق الشيخ إلى أمثلة أخرى من هذا الباب، كقوله ﷺ في زيارة القبور: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا» [رواه مسلم]، وبيّن أن الأمر هنا لا يدل على فرض الزيارة على كل أحد.

المحور الرابع: حرمة مكة وتحريم صيدها

ناقش الشيخ ما ذكره ابن حزم في مسألة الاصطياد في مكة. فقوله تعالى ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ لا يعني إباحة الصيد في الحرم، لأن النصوص دلت على حرمة البلد الحرام. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: 125]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ [إبراهيم: 35].

واستدل بحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال في مكة:

«لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهُ»، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: إِلَّا الْإِذْخِرَ فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَلِبُيُوتِهِمْ، فَقَالَ: «إِلَّا الْإِذْخِرَ» [متفق عليه]

وبحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:

«إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي، وَإِنَّهَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، فَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ» [متفق عليه]

ونقل الشيخ إجماع أهل العلم على تحريم صيد الحرم، وذكر من حكاه من الأئمة. فدل ذلك على أن الأمر بالاصطياد بعد التحلل إنما هو رجوع إلى الحكم السابق في غير الحرم.

المحور الخامس: منهج الاستدلال والتحذير من معارضة النصوص

نبّه الشيخ إلى أهمية جمع الأدلة في المسألة الواحدة قبل الحكم، ومعرفة الصحيح من الضعيف، وأن الحديث قد يتقوى بمجموع طرقه عند أهل الصنعة. فالمسألة الشرعية لا تُبنى على نص واحد يُنتزع من سياقه.

وحذّر من ضرب كلام الله بعضه ببعض، ومن معارضة كلام الله ورسوله ﷺ بأقوال الرجال وآرائهم. وبيّن أن المسلم مأمور بالتسليم لما جاء في النصوص، وبالتمسك بالسنة والحذر من المحدثات، كما في قوله ﷺ: «وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» [رواه أبو داود والترمذي].

النقاط الرئيسية

  • الراجح أن الأصل في أوامر الكتاب والسنة الوجوب حتى تأتي قرينة صحيحة تصرفها إلى الاستحباب أو الإباحة.
  • القول بالتوقف في الأوامر حتى يأتي دليل منفصل قول مرجوح يرده ابن حزم بأدلة كثيرة.
  • لا يصح الاستدلال بآية سورة محمد على مشروعية التوقف، لأنها نزلت في ذم المنافقين المعرضين.
  • الأمر بعد الحظر يعيد الحكم إلى ما كان عليه قبل الحظر، كالصيد بعد التحلل من الإحرام.
  • الأمر بالانتشار بعد صلاة الجمعة للإباحة، بدليل فضل المكث في المصلى بعد الصلاة.
  • صيد الحرم محرم بالنصوص الصحيحة والإجماع، ولا يدخل في عموم قوله تعالى ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾.
  • يجب جمع الأدلة والنظر في صحتها قبل الحكم، والحذر من معارضة النصوص بالآراء.

الفوائد والعبر

  • المبادرة إلى امتثال أوامر الله ورسوله ﷺ دون تردد هي شأن المؤمنين الصادقين الذين يقولون: سمعنا وأطعنا.
  • على طالب العلم أن يجمع النصوص في المسألة الواحدة ويفهم سياقها قبل أن يحكم، حتى لا يقع في الاستدلال الخاطئ.
  • في الحرص على البقاء في المصلى بعد الصلاة لذكر الله أجر عظيم، فالملائكة تدعو للعبد ما دام في مصلاه.
  • ينبغي تعظيم حرمة البلد الحرام، والكف عن صيده وقطع شجره، امتثالًا لنهي النبي ﷺ.
  • في المسائل الخلافية يُرجَّح بالدليل الصحيح، مع الحفاظ على أدب الخلاف والحذر من ضرب النصوص بعضها ببعض.
```
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات