شرح كتاب " الإحكام لأصول الأحكام" للإمام ابن حزم (4) لفضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.

2,710 مشاهدة
118 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا هو الدرس الرابع من سلسلة شرح كتاب «الإحكام في أصول الأحكام» للإمام أبي محمد علي بن أحمد بن حزم الأندلسي رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. وكتاب «الإحكام» من أهم الكتب في علم أصول الفقه، وقد بنى فيه ابن حزم منهجه في الاستدلال على نصوص الكتاب والسنة والإجماع، وعلى البرهان الصحيح، ورفض فيه التقليد والقول في دين الله بغير دليل.

ولدراسة هذا الكتاب أهمية كبيرة لطالب العلم، فهو يعلّمه كيف تُستنبط الأحكام الشرعية من أدلتها، ويعوّده على ضبط المصطلحات الأصولية ضبطًا دقيقًا. ويعرّفه كذلك بمدرسة أصولية لها طريقتها الخاصة في فهم النصوص، وهي مدرسة أهل الظاهر، فتتسع بذلك معرفته بالخلاف الأصولي وأسبابه.

ويهدف هذا الدرس إلى أن يفهم الطالب أصول ابن حزم ومقاصده في كتابه، وأن يقوى عنده تعظيم النص الشرعي، وأن يكتسب الأدوات العلمية التي يحتاجها في التعامل مع الأدلة.

المحور الأول: منهج الإمام ابن حزم في كتاب «الإحكام»

يقوم منهج ابن حزم على أن الدين كامل، وأن الأحكام الشرعية تُؤخذ من نصوص القرآن الكريم والسنة الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومن الإجماع المتيقَّن. فلا يجوز عنده أن يُشرَّع في دين الله ما لم يأذن به الله.

ولهذا اهتم ابن حزم بتقرير الأصول قبل الفروع. فكتابه يضع للطالب ميزانًا يزن به الأقوال، ويميّز به ما يقوم عليه دليل مما ليس كذلك.

ومن أدلة كمال الدين قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3].

المحور الثاني: ضبط المصطلحات والألفاظ الأصولية

خصص ابن حزم في أول كتابه بابًا لشرح الألفاظ التي يستعملها أهل النظر، مثل: الحد، والدليل، والبرهان، والعلم، والظن، والفرض، والواجب. ويرى أن كثيرًا من الخلاف بين العلماء سببه أن المصطلحات لم تُحدَّد معانيها تحديدًا واضحًا.

فإذا ضبط طالب العلم هذه المصطلحات فهم كلام الأئمة على وجهه الصحيح، واستطاع أن يحدد موضع النزاع في المسائل، فلا يحمّل الألفاظ ما لا تحتمله.

المحور الثالث: وجوب الرد إلى الكتاب والسنة

يؤكد ابن حزم أن الواجب عند التنازع هو الرجوع إلى كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم. فهذا هو الأصل الذي تُبنى عليه الأصول الأخرى، وما سواهما من الأقوال يُعرض عليهما، فما وافقهما قُبل وما خالفهما رُدّ.

قال الله تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: 59].

وقال سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: 7].

المحور الرابع: ذم التقليد والحث على اتباع الدليل

من أبرز ما عُرف به ابن حزم إنكاره الشديد للتقليد، أي قبول قول أحد غير النبي صلى الله عليه وسلم من غير حجة. ويرى أن على كل مسلم أن يطلب الدليل بقدر ما يستطيع.

قال الله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ۗ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 3].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» [متفق عليه].

النقاط الرئيسية

  • كتاب «الإحكام في أصول الأحكام» مرجع مهم لفهم أصول المذهب الظاهري ومنهج ابن حزم في الاستدلال.
  • الدين كامل، ولا يُشرَّع فيه ما لم يأذن به الله.
  • مصادر الأحكام عند ابن حزم: القرآن، والسنة الصحيحة، والإجماع المتيقَّن، وما دلّت عليه هذه النصوص دلالة لازمة.
  • ضبط المصطلحات الأصولية شرط لفهم المسائل ومعرفة موضع الخلاف فيها.
  • الواجب عند التنازع هو الرجوع إلى الكتاب والسنة.
  • التقليد بغير حجة مذموم، واتباع الدليل واجب على المسلم بحسب طاقته.
  • الفقه في الدين من علامات إرادة الله الخير بعبده.

الفوائد والعبر

  • أن يعتاد الطالب السؤال عن الدليل في كل مسألة شرعية، فيبني علمه على أساس متين.
  • أن يحرص على فهم المصطلحات العلمية بدقة قبل الدخول في مسائل الخلاف.
  • أن يعظّم نصوص الوحي ويقدّمها على آراء الرجال واجتهاداتهم.
  • أن يتأدب مع المخالف ويفهم سبب الخلاف، فذلك يعين على الإنصاف وقبول الحق.
  • أن يواظب على الدروس العلمية المتسلسلة ويصبر على طلب العلم حتى يتم الكتاب.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات