شرح كتاب " الإحكام لأصول الأحكام" للإمام ابن حزم (16) لفضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.

2,226 مشاهدة
138 مشاركة
منذ 7 سنوات
```html

المقدمة

هذا هو المجلس السادس عشر من مجالس شرح كتاب «الإحكام في أصول الأحكام» للإمام أبي محمد علي بن حزم الأندلسي رحمه الله تعالى، يقدّمه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. وقد عُقد بعد صلاة العشاء ليلة الأحد الثاني من شهر ربيع الآخر سنة أربعين وأربعمائة وألف من الهجرة (1440هـ)، الموافق للتاسع من شهر ديسمبر سنة 2018م. ويُعدّ كتاب الإحكام من أهم مصنفات أصول الفقه على منهج أهل الظاهر، ويمتاز بقوة الاستدلال والاعتماد المباشر على نصوص الوحيين.

افتتح الشيخ المجلس برواية «الحديث المسلسل بالأولية» بإسناده المتصل عن شيخه العلامة محمد بن إسماعيل العمراني، إمام أهل اليمن، بمناسبة بلوغه مائة عام. ثم شرع في شرح الباب العاشر «في الأخذ بموجب القرآن»، وانتقل إلى الباب الحادي عشر «في الكلام في الأخبار»، أي السنة المنقولة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أهداف التعلم: بعد مشاهدة هذا المجلس يستطيع طالب العلم أن يعرف معنى الحديث المسلسل بالأولية وأهميته عند المحدّثين، وأن يدرك أن القرآن الكريم هو الأصل المرجوع إليه في الشرائع، وأن يفهم تقسيم ابن حزم للوحي إلى متلوٍّ وغير متلوٍّ. كما يتعرّف على وجه الاستدلال بآية النساء على الأصول الثلاثة: الكتاب والسنة والإجماع، وعلى وجوب ردّ النزاع إلى الوحيين في كل زمان.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: الحديث المسلسل بالأولية

الحديث المسلسل بالأولية هو أول حديث يسمعه الطالب من شيخه. ويقول كل راوٍ في سلسلة الإسناد عن شيخه: «وهو أول حديث سمعته منه». وقد جرت عادة أهل الحديث على البدء به تبركًا بمعناه، وحفاظًا على سنة الإسناد التي خصّ الله بها هذه الأمة.

ساق الشيخ الإسناد عن شيخه العلامة محمد بن إسماعيل العمراني، عن عبد الواسع بن يحيى الواسعي، ثم عن آل ابن عابدين بدمشق، ثم عن الكزبريين. ويمرّ الإسناد بأعلام كبار، منهم شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، والحافظ ابن حجر العسقلاني صاحب «فتح الباري»، والحافظ عبد الرحيم بن الحسين العراقي، والحافظ ابن الجوزي صاحب «تلبيس إبليس»، حتى يصل إلى سفيان بن عيينة. وعند سفيان ينتهي التسلسل بالأولية، ثم يرويه سفيان عن عمرو بن دينار المكي، عن أبي قابوس مولى عبد الله بن عمرو بن العاص، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.

وبيّن الشيخ أن بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الإسناد ستة وعشرين راويًا. فهو إسناد نازل مقارنةً بأسانيد أخرى، لكنه في هذا الحديث بعينه إسناد موصول. والحديث صحيح أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ»

رواه أحمد وأبو داود والترمذي

المحور الثاني: الأخذ بموجب القرآن وأنه الأصل المرجوع إليه

قرّر ابن حزم في الباب العاشر أن البراهين والمعجزات قد أثبتت أن القرآن عهدُ الله إلينا، وأنه الذي ألزمنا الإقرار به والعمل بما فيه. وقد صحّ بنقل الكافة الذي لا مجال للشك فيه أن هذا القرآن المكتوب في المصاحف المشهورة في الآفاق هو كلام الله عز وجل. فالمصحف ورق، يحمل بين دفتيه كلام الله سبحانه وتعالى.

ونبّه الشيخ إلى أن ترك الأمة التمسك بكتاب ربها وسنة نبيها صلى الله عليه وسلم هو الذي أنزلها إلى مؤخرة الأمم. وأوضح أن ما في القرآن من أمر أو نهي يجب الوقوف عنده: بالائتمار في الأمر، وبالانتهاء في النهي. ومذهب ابن حزم أن أوامر القرآن تُحمل على ظاهرها، وعلى الوجوب، وعلى الفور، إلا أن يصرفها صارف. وأن العام يؤخذ على عمومه حتى يأتي المخصّص، وسيأتي تفصيل ذلك في أبواب الأوامر والنواهي والعموم والخصوص.

﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾

سورة الأنعام: 38

ونقل ابن حزم أنه لا خلاف بين الفرق المنتسبة إلى الإسلام، من أهل السنة والمعتزلة والخوارج والمرجئة والزيدية، في وجوب الأخذ بما في القرآن، وأنه المتلوّ عندنا نفسه. وإنما خالف في ذلك غلاةٌ زعموا تحريف القرآن، وهؤلاء خارجون عن الإسلام عند جميع أهل الإسلام. ولذلك قال ابن حزم إن كلامه في هذا الكتاب إنما هو مع أهل ملتنا، وإنه قد أبطل سائر الملل في كتابه «الفصل في الملل والأهواء والنحل». وأشار الشيخ إلى حاجة كتاب «الفصل» إلى تحقيق علمي جيد على المخطوطات.

المحور الثالث: القراءات السبع وجمع عثمان رضي الله عنه

ذكر ابن حزم أنه سيبيّن بالبرهان في باب الإجماع أن الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن باقية عندنا كلها. وأبطل قول من ظن أن عثمان رضي الله عنه جمع الناس على قراءة واحدة منها، أو على بعض الأحرف السبعة دون بعض.

وأوضح الشيخ أن مذهب ابن حزم أن عثمان رضي الله عنه إنما جمع الناس على المصحف، وأن هذا المصحف جامع للقراءات السبع، ولم يُضيّع منها شيئًا. وهذه مسألة مشهورة في علوم القرآن، ولابن حزم فيها اختيار سيأتي تفصيله ومناقشة أدلته في موضعه.

المحور الرابع: الكلام في الأخبار وتقسيم الوحي إلى متلوٍّ وغير متلوٍّ

افتتح ابن حزم الباب الحادي عشر بالكلام في الأخبار، وقصد بها السنة المنقولة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبيّن الشيخ أن الخبر في اللغة يحتمل الصدق والكذب لذاته. أما إذا نُظر إلى قائله، فخبر الله تعالى وخبر رسوله صلى الله عليه وسلم صدق قطعًا.

ومن هنا قرّر الشيخ أن الأخبار لا يدخلها النسخ، لأن نسخ الخبر يقتضي الكذب، وحاشا لله ولرسوله ذلك. ومثّل بخبر الله عن أبي لهب في سورة المسد، فهو نصٌّ قاطع في أنه من أهل النار. ولذلك ردّ الشيخ على من زعم احتمال نجاته استدلالًا ببيت شعر في جواز إخلاف الوعيد، وعدّ ذلك من أبطل الباطل لمعارضته صريح القرآن.

﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ۝ مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ۝ سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾

سورة المسد: 1-3

ثم قسّم ابن حزم الوحي إلى قسمين:

  • الوحي المتلوّ: وهو القرآن، مؤلَّف معجز النظم، يُتلى في الصلوات، ومعجز بلفظه ومبناه ومعناه. وأحال الشيخ في هذا إلى كتب إعجاز القرآن، ككتاب «إعجاز القرآن» للباقلاني.
  • الوحي غير المتلوّ: وهو السنة، وحيٌ مرويّ منقول، غير مؤلَّف ولا معجز النظم ولا متلوّ في الصلاة، لكنه مقروء. وهو المبيّن عن الله عز وجل مراده.

﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ ۝ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾

سورة النجم: 3-4

﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾

سورة النحل: 44

وأكّد الشيخ يقينه بأنه لم يضِع من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم حرفٌ واحد مما تحتاجه الأمة في دينها. لكن العلم بالسنة متفرّق في الأمة: علمه من علمه وجهله من جهله، ولا يحيط بها إنسان واحد مهما بلغ، ومن التمسها وجدها.

المحور الخامس: الأصول الثلاثة ووجوب ردّ النزاع إلى الكتاب والسنة في كل عصر

استدل ابن حزم بآية سورة النساء، وسمّاها «الآية الجامعة لجميع الشرائع»، على الأصول الثلاثة:

  • القرآن: من قوله تعالى ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾.
  • السنة: من قوله تعالى ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾.
  • الإجماع المنقول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حكمُه: من قوله تعالى ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾.

وقد أوجب الله طاعة القسم الثاني، وهو السنة، كما أوجب طاعة القسم الأول، وهو القرآن، ولا فرق بينهما في وجوب الطاعة.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾

سورة النساء: 59

وبرهن ابن حزم على أن المراد بالردّ إلى الله والرسول هو الردّ إلى القرآن والسنة، بإجماع الأمة على أن هذا الخطاب موجّه إلى كل مكلّف إلى يوم القيامة، لا إلى أهل عصر النبي صلى الله عليه وسلم وحدهم.

ثم ردّ على شبهة من قال إن الخطاب خاص بمن أمكنه لقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم. فبيّن أن هذه الشبهة تلزم صاحبها في الردّ إلى الله تعالى أيضًا، إذ لا سبيل لأحد في الدنيا إلى مكالمة الله مباشرة إلا من اختصهم الله بذلك كموسى الكليم عليه السلام. فثبت أن المراد الردّ إلى كلام الله، وهو القرآن، وإلى كلام نبيه صلى الله عليه وسلم المنقول إلينا جيلًا بعد جيل. ثم إن الآية ليس فيها ذكر للقاء ولا مشافهة أصلًا، وإنما فيها الأمر بالردّ والتحكيم، وأوامر الله ورسوله موجودة بين أيدينا.

النقاط الرئيسية

  • الحديث المسلسل بالأولية سنّة عند المحدّثين يبدأ بها الشيخ مع تلاميذه، ومتنه: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»، وينتهي تسلسله عند سفيان بن عيينة.
  • القرآن الكريم هو الأصل المرجوع إليه في الشرائع، وهو المكتوب في المصاحف بنقل الكافة الذي لا شك فيه، وكلام الله غير مخلوق.
  • أوامر القرآن عند ابن حزم تُحمل على الظاهر والوجوب والفور، والعام يؤخذ على عمومه حتى يرد المخصّص.
  • الوحي قسمان: متلوّ معجز وهو القرآن، وغير متلوّ وهو السنة المبيّنة لمراد الله تعالى.
  • الأخبار الشرعية لا يدخلها النسخ، لأن خبر الله ورسوله صدق لا يحتمل الكذب، كخبر الله عن مصير أبي لهب.
  • آية ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ جامعة للأصول الثلاثة عند ابن حزم: الكتاب والسنة والإجماع.
  • الأمر بردّ التنازع إلى الله والرسول خطاب عام لكل الأمة إلى قيام الساعة، ومعناه التحاكم إلى القرآن والسنة المنقولة إلينا.

الفوائد والعبر

  • تعظيم الإسناد وتوقير العلماء: اتصال السند بالعلماء جيلًا بعد جيل يربط طالب العلم بتراث أمته، ويغرس فيه الأدب مع شيوخه والدعاء لهم.
  • الرحمة خُلق المسلم الأول: افتتاح طلب العلم بحديث الرحمة يذكّر الطالب بأن غاية العلم تهذيب السلوك والإحسان إلى الخلق.
  • العزة في التمسك بالوحيين: رفعة الأمة مرهونة بالرجوع إلى كتاب ربها وسنة نبيها صلى الله عليه وسلم، وتركهما سبب ضعفها.
  • تقديم الكتاب والسنة عند الخلاف: على المسلم أن يجعل الوحيين حَكَمًا في كل نزاع، وألّا يقدّم عليهما رأيًا ولا هوى.
  • ترتيب أولويات طالب العلم: أعظم ما يشتغل به الطالب التوحيد، ثم علوم القرآن، ثم علوم السنة، ويتبع ذلك أصول الفقه والفقه، مع الثقة بأن السنة محفوظة لمن طلبها بجدّ.
```
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات