شرح كتاب " الإحكام لأصول الأحكام" للإمام ابن حزم (13) لفضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس الثالث عشر من مجالس شرح كتاب «الإحكام في أصول الأحكام» للإمام أبي محمد علي بن حزم الأندلسي رحمه الله تعالى، يشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. وقد انعقد المجلس بعد صلاة العشاء ليلة الأحد العاشر من شهر ربيع الأول سنة 1440هـ، الموافق للثامن عشر من نوفمبر سنة 2018م. ويتناول فصلًا أصوليًّا دقيقًا بعنوان: «هل على النافي دليل أم لا؟».
ولهذه المسألة أهمية كبيرة في ضبط المناظرة العلمية، وفي صيانة الشريعة من القول على الله بغير علم. فهي تحدد من يلزمه إقامة البرهان عند الاختلاف: المثبت وحده أم المثبت والنافي معًا؟ وتبيّن ما يفعله المتناظران إذا عجزا جميعًا عن الدليل. ويعرّج الشيخ في آخر المجلس على مسألة القياس، فيبيّن موقفه من نفي ابن حزم له، ويفرّق بين القياس الصحيح والقياس الفاسد.
ويهدف هذا المجلس إلى أن يتعلم طالب العلم ما يلي:
- أن كل دعوى تفتقر إلى برهان، سواء كانت إثباتًا أو نفيًا.
- أن الأحكام الشرعية توقيفية لا تثبت إلا بدليل.
- أن التوقف واجب عند انعدام الحجة.
- أن الإنصاف لازم في الحكم على الأصول التي يختلف فيها أهل العلم.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: هل على النافي دليل؟ عرض الخلاف وتحرير القول الصحيح
ذكر الإمام ابن حزم أن الناس اختلفوا في هذه المسألة على قولين:
- القول الأول: أن الدليل على من أوجب الشيء وأثبت حكمًا أو قضية، كمن يدّعي أن الشريعة توجب كذا أو تحرّم كذا. أما النافي فلا دليل عليه، لأن الأصل عدم التكليف، والعبادات توقيفية.
- القول الثاني: أن الدليل يلزم النافي والمثبت معًا.
ورجّح ابن حزم أن الدليل لازم للطائفتين جميعًا. وحجته أن الله تعالى أنكر على من أثبت شيئًا بغير علم، كما أنكر على من كذّب بشيء بغير علم. فالنافي مدّعٍ للصدق في نفيه، والمثبت مدّعٍ للصدق في إثباته، فيلزم كلَّ واحد منهما البرهانُ على دعواه.
ومن الأدلة على ذلك:
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلْفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلْإِثْمَ وَٱلْبَغْىَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا۟ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ سُلْطَٰنًا وَأَن تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33]
وقال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا۟ بِمَا لَمْ يُحِيطُوا۟ بِعِلْمِهِۦ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُۥ﴾ [يونس: 39]
المحور الثاني: كل دعوى تفتقر إلى برهان في أمور الدين والدنيا
بيّن الشيخ أن العلم هو: قال الله، قال رسوله، قال الصحابة. وما عدا ذلك تمويه. فلا يجوز لأحد أن يتكلم في دين الله إلا بعلم. ويُستثنى مما يحتاج إلى استدلال ما يُعلم ببداهة العقل والحس، كأن الكل أكبر من الجزء، وأن الشمس تكون بالنهار والقمر بالليل. أما ما سوى ذلك فلا يثبت إلا بنص من القرآن أو صحيح السنة، أو بما لا تنكره العقول جميعًا.
وضرب الشيخ أمثلة واقعية توضح القاعدة:
- الأموال: لو أُخذ الناس بدعاواهم لادّعى قوم أموال آخرين وبيوتهم.
- الأعراض: من رأى رجلًا يمشي مع امرأة بأدب واحترام فادّعى أنها ليست من محارمه، فدعواه باطلة ما لم يأتِ بيقين.
- العبادات: من زعم أن صلاة صحيحة باطلة يجب إعادتها، فإن لم يأتِ بدليل فكلامه ساقط.
وقرّر أن الملك الظاهر، كالثوب الذي يلبسه الرجل والسيارة التي يركبها والبيت الذي يملك مفتاحه، باقٍ لصاحبه حتى يأتي مدّعٍ ببينة تنقل الملكية عنه.
قال تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا۟ بُرْهَٰنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ﴾ [البقرة: 111]
وقال ﷺ: «البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي، وَاليَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ»
وأجاب ابن حزم عمّن احتج بهذا الحديث لإسقاط الدليل عن النافي، بأن الحديث وارد في باب الخصومات والأقضية. ولا خلاف بين أهل الملة أنه لا يمين على من أنكر شيئًا في المناظرة في غير ذلك.
المحور الثالث: الأحكام الشرعية توقيفية واستحالة اجتماع الضدين
أكد الشيخ أن الأحكام الشرعية توقيفية، فلا يجوز تحريم شيء ولا إيجابه إلا بدليل. ومن ادّعى حكمًا أو عبادة يفرضها على الناس فعليه البرهان.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَٰذَا حَلَٰلٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: 116]
وإذا اختلف متناظران فأثبت أحدهما ونفى الآخر، فالحق مع أحدهما لا محالة، لأن الحق لا يكون في الضدين. ولذلك وصف الشيخ القول بأن الشيء يكون بدعةً وفرضًا في آنٍ واحد بأنه «أبطل من الباطل». كما يستحيل أن نكون الآن في وقت الظهيرة وقد صلينا العشاء.
وفرّق الشيخ بين أمرين:
- ما يمتنع: أن يكون الشيء صحيحًا باطلًا من جهة واحدة، فهذا لا يُعقل شرعًا ولا في العقول الصحيحة.
- ما يجوز: أن يكون صحيحًا من جهة وباطلًا أو مأثومًا من جهة أخرى. ومثاله: صحة الطهارة مع بطلان الصلاة لترك ركن عمدًا، وصحة الصلاة مع الإثم على قول من يصحح الصلاة في الأرض المغصوبة.
المحور الرابع: وجوب التوقف عند عجز المتناظرين عن الدليل
إذا عجز المثبت والنافي كلاهما عن إقامة الدليل، فالواجب التوقف، فلا يُوجَب الشيء ولا يُنفى. ويبقى الأمر في حيّز الإمكان: ممكن أن يكون حقًّا، وممكن أن يكون باطلًا. ثم يُستأنف البحث، فإن أقام أحدهما البرهان أُخذ بقوله، وإلا بقيت المسألة موقوفة حتى يفتح الله بمن يعلمها.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36]
واستدل بالحديث الوارد في أخبار أهل الكتاب:
قال ﷺ: «لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الكِتَابِ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ، وَقُولُوا: آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا»
فما جاءنا من حكاياتهم ورواياتهم، ولم يرد في الكتاب والسنة دليل على قبوله ولا ردّه، نتوقف فيه ونقول: الله أعلم.
المحور الخامس: مسألة القياس بين الإثبات والإنكار
ذكر ابن حزم أن الذي أوقع أصحابه في الكلام في هذه المسألة هو خلافهم في القياس، وقرّر أن براهين إبطاله كثيرة واضحة. وتعقّبه الشيخ بأن كلامه إن كان في القياس الفاسد فمقبول. أما القياس الصحيح الذي قال به الصحابة رضي الله عنهم وأئمة الإسلام فحجة، وعليه مئات الأدلة.
ولفت الشيخ إلى أن كثيرًا من نفاة القياس يردّونه في التأصيل ثم يضطرون إليه في التفريع. ومن أمثلة ذلك:
- ابن حزم: قاس النفاس على الحيض.
- تجصيص القبور: الحديث نهى عن التجصيص بالجبس، ومنع البناء بالإسمنت لا دليل عليه إلا القياس.
- الشوكاني: يميل إلى قول ابن حزم في «إرشاد الفحول»، ثم يأخذ بالقياس في مسائل من «نيل الأوطار».
- الشيخ مقبل الوادعي رحمه الله: جُمعت له نحو اثنتين وعشرين مسألة لا دليل عنده فيها إلا القياس، وقد قال: لا يقول به إلا المضطر.
وناقش الشيخ مسألة تغيّر الماء بالنجاسة. فحديث: «الماء طهور لا ينجّسه شيء» صحيح، أما زيادة: «إلا ما غلب على لونه أو طعمه أو ريحه» فضعيفة. وبيّن أن الاحتجاج بالحديث الضعيف، عند من يقول به، إنما هو في فضائل الأعمال، فكيف تُبطَل به عبادات الناس كالوضوء والصلاة؟
وختم بأن غلوّ بعض الأحناف في القياس حتى ردّوا به بعض السنن لا يسوّغ ردّ القياس الصحيح كله. فلا يُرَدّ الباطل بباطل، وفي كل طائفة من يخطئ، ولا يصح تعميم الحكم بسبب خطأ بعض أفرادها.
النقاط الرئيسية
- رجّح ابن حزم أن الدليل يلزم المثبت والنافي معًا، لأن كليهما مدّعٍ للصدق في قوله.
- القول على الله بغير علم محرّم، إثباتًا كان أو نفيًا، والعلم هو: قال الله، قال رسوله، قال الصحابة.
- ما يُعلم ببداهة العقل والحس لا يحتاج إلى استدلال، وما سواه يفتقر إلى برهان.
- الأحكام الشرعية توقيفية، فلا يجوز إيجاب شيء ولا تحريمه إلا بدليل صحيح.
- الحق لا يكون في الضدين، ويمتنع أن يكون الشيء صحيحًا باطلًا من جهة واحدة، ويجوز ذلك من جهتين مختلفتين.
- عند عجز المتناظرين عن الدليل يجب التوقف واستئناف البحث، عملًا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ﴾.
- القياس الصحيح حجة قال بها الصحابة وأئمة الإسلام، وكثير من نفاته يعملون به في الفروع، ولا يُرَدّ الغلوّ فيه بإبطاله كليًّا.
الفوائد والعبر
- ألّا يتكلم المسلم في دين الله بتحليل أو تحريم أو إيجاب إلا بدليل من الكتاب والسنة، وأن يطالب غيره بالدليل قبل قبول قوله.
- صيانة أعراض الناس وأموالهم من الظنون والدعاوى المجردة، وعدم الاتهام إلا بيقين وبيّنة.
- التحلّي بفضيلة التوقف وقول «الله أعلم» عند خفاء الحجة، فهي من علامات الورع والعلم.
- الإنصاف مع العلماء، فيُقبل الحق من كل أحد ويُترك الخطأ وإن صدر من إمام جليل، كما فعل الشيخ مع ابن حزم والشوكاني.
- الاعتدال في المنهج العلمي، فلا يُرَدّ باطل بباطل، ولا يُترك أصل صحيح بسبب غلوّ بعض الناس فيه.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات