شرح كتاب " الإحكام لأصول الأحكام" للإمام ابن حزم (34) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

3,877 مشاهدة
450 مشاركة
منذ 6 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الرابع والثلاثون من شرح كتاب «الإحكام في أصول الأحكام» للإمام أبي محمد علي بن حزم الأندلسي رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يبدأ الشيخ في هذا المجلس شرح فصلٍ عقده ابن حزم لبيان أسباب الاختلاف بين أئمة هذه الأمة، ويجيب فيه عن سؤال يتكرر كثيرًا: لماذا ترك بعض الأئمة الكبار، كالإمام مالك وغيره، العمل بأحاديث صحيحة ثابتة عن رسول الله ﷺ؟

ولهذا الموضوع أهمية كبيرة، فهو يعلّم طالب العلم الإنصاف مع العلماء، ويحفظ لهم مكانتهم مع تقديم السنة على قول كل أحد. ويحيل الشيخ في هذا الباب إلى أعظم ما كُتب فيه، وهو رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله «رفع الملام عن الأئمة الأعلام».

وأهداف هذا الدرس أن يعرف المشاهد الأعذار التي قد تمنع العالم من العمل بالحديث، وأن يدرك أن العلم بالسنة كان متفرقًا بين الصحابة رضي الله عنهم ولم يجتمع كله عند واحد منهم، وأن يعرف أثر التفرغ لطلب العلم في تحصيله وحفظه.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: النسيان، وهو أول أسباب ترك الحديث

يقرر ابن حزم أن مالكًا وغيره من الأئمة بشر، ينسون كما ينسى الناس. فقد يحفظ العالم الحديث، ثم لا يحضره ذكره وقت الفتوى، فيفتي بخلافه. وقد يقع هذا مع آيات القرآن نفسها، فيُسأل العالم وينسى الآية التي تنص على المسألة، فكيف بالحديث؟ ويثني الشيخ على إنصاف ابن حزم في هذا الموضع، ويتمنى لو سلك هذا المسلك في سائر تعامله مع الأئمة.

ومن أمثلة ذلك ما رُوي من نهي عمر رضي الله عنه على المنبر عن الزيادة في المهور، فذكّرته امرأة بقول الله تعالى:

﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: 20]

فرجع عن قوله، مع ما في إسناد هذه القصة من كلام. ومنها أنه أمر برجم امرأة ولدت لستة أشهر، فذكّره علي رضي الله عنه بقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: 15] مع قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: 233]، فرجع عن رجمها.

ومنها ما في صحيح البخاري من همّه بعقوبة عيينة بن حصن، فذكّره الحر بن قيس بقوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]، فوقف عندها. ومنها إنكاره موت رسول الله ﷺ حتى قُرئ عليه: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30]، فسقط إلى الأرض وقال: كأني والله لم أكن قرأتها.

المحور الثاني: التأويل، وهو السبب الثاني

قد يكون العالم ذاكرًا للحديث غير ناسٍ له، لكنه يتأوله، فيظن أنه مخصوص أو منسوخ، أو يحمله على معنى آخر. ويبين ابن حزم أن هذا لا يجوز قبوله إلا إذا قام عليه نص أو إجماع. أما مجرد الرأي فلا يحل لأحد أن يقلد صاحبه فيه، ولا أن يقبل منه ما خالف سنة رسول الله ﷺ.

ويؤكد الشيخ أن العالم المتأول يجتهد في فهم النص، لا في معارضته. ومع ذلك يبقى الحكم للنص، ولا يُترك لاجتهاد مجتهد مهما علت منزلته.

المحور الثالث: لم يكن الصحابة كلهم حاضرين عند النبي ﷺ في كل وقت

من الأسباب الكبرى للاختلاف أن الصحابة لم يكونوا جميعًا ملازمين للنبي ﷺ في كل وقت، فقد كانت لهم معايش يشتغلون بها، وكانوا في شدة من العيش. فالمهاجرون كانوا في التجارة بالأسواق، والأنصار في القيام على نخيلهم وأموالهم. فكان النبي ﷺ يُسأل فيجيب، فيسمع الحاضر ويغيب عن ذلك الغائب.

ويشهد لذلك قول أبي هريرة رضي الله عنه:

«إِنَّ إِخْوَانَنَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ، وَإِنَّ إِخْوَانَنَا مِنَ الْأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الْعَمَلُ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَكُنْتُ امْرَأً مِسْكِينًا أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي» (متفق عليه)

وأقر عمر رضي الله عنه بذلك في قصة استئذان أبي موسى فقال: «أَلْهَانِي الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ». ويقف الشيخ هنا عند أثر التفرغ في تحصيل العلم، فأبو هريرة صار أحفظ الصحابة لأنه لازم النبي ﷺ مع شدة الفقر والجوع. وكذلك ابن عمر وابن عباس وعائشة وجابر وأنس رضي الله عنهم، فقد كثر حديثهم لملازمتهم وتفرغهم. ثم يحث الشيخ طلاب العلم على أن يخصصوا لطلبه وقتًا ثابتًا كل يوم ولو كان ساعة، ويداوموا عليه ما دام فيهم نفس، وينبه إلى فضل الإنفاق على طلبة العلم وتفريغهم.

ومن ذلك حديث حذيفة رضي الله عنه في الفتن: قام فيهم النبي ﷺ مقامًا طويلًا، فحفظه من حفظه ونسيه من نسيه.

المحور الرابع: تفرق الصحابة في الأمصار بعد وفاة النبي ﷺ

بعد وفاة النبي ﷺ تفرق كثير من الصحابة في الجهاد: في قتال مسيلمة وأهل الردة، وفي الشام والعراق. وكان أبو بكر رضي الله عنه إذا نزلت به قضية لا يعلم فيها عن النبي ﷺ شيئًا سأل من حضره من الصحابة، فإن وجد عندهم سنة رجع إليها، وإلا اجتهد، وليس عليه غير ذلك، لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]. ويضرب الشيخ مثلًا بابن عباس، فقد كان صغيرًا عند وفاة النبي ﷺ، لكنه صار أكثر علمًا بالحديث من خالد بن الوليد رضي الله عنه، لأن ابن عباس تفرغ للطلب وانشغل خالد بالجهاد.

ثم اتسعت الفتوح في خلافة عمر رضي الله عنه وزاد تفرق الصحابة في البلاد. فكان الواحد منهم يُستفتى في بلده، فإن كان عنده نص أفتى به، وإلا اجتهد بعموم آية أو حديث، وربما كان النص في المسألة عند صحابي آخر في بلد آخر. فالمصيب له أجران، والمجتهد له أجر لأنه بذل ما في وسعه. أما نحن، فبعد أن جُمعت السنة، فالواجب علينا أن نأخذ بحديث رسول الله ﷺ.

ومن الأمثلة أن الإمام مالكًا سُئل عن تخليل أصابع الرجلين في الوضوء، فقال: ليس ذلك على الناس. فحدثه ابن وهب بالحديث بإسناد مصري، فصار مالك يفتي به بعد ذلك. ومنها حديث أبي ذر رضي الله عنه: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي»، وهو حديث عظيم من أصول الدين، رواه أبو إدريس الخولاني وكان أكثر ما يدور عند أهل الشام.

المحور الخامس: أمثلة لسنن غابت عن بعض كبار الصحابة

ذكر ابن حزم أمثلة كثيرة لسنن كانت عند بعض الصحابة وخفيت على غيرهم، منها:

  • حكم التيمم للجنب كان عند عمار وغيره، وخفي على عمر وابن مسعود رضي الله عنهم، فكانا يقولان: لا يتيمم الجنب ولو لم يجد الماء شهرين.
  • حكم المسح على الخفين كان عند علي وحذيفة وغيرهما، وخفي على عائشة وابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم.
  • توريث بنت الابن السدس مع البنت كان عند ابن مسعود، وخفي على غيره.
  • حكم الاستئذان ثلاثًا كان عند أبي موسى وأبي سعيد وأُبي، وخفي على عمر رضي الله عنهم.
  • الرخصة للحائض أن تنفر قبل طواف الوداع كانت عند ابن عباس وأم سليم، وخفيت على عمر وزيد بن ثابت.
  • تحريم المتعة والحمر الأهلية كان عند علي، وخفي على ابن عباس رضي الله عنهم.
  • حكم الصرف كان عند عمر وأبي سعيد، وخفي على طلحة وابن عباس.
  • الأمر بإخراج المشركين من جزيرة العرب، وأنه «لَا يَجْتَمِعُ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَانِ»، خفي عن عمر رضي الله عنه سنين حتى بلغه.

وينبه الشيخ إلى الأدب مع الصحابة، فالأولى أن يقال عن أحدهم: «لم يبلغه» أو «لم يعلمه»، لا أن يوصف بالجهل.

النقاط الرئيسية

  • عقد ابن حزم فصلًا لبيان أسباب اختلاف الأئمة، وأعظم ما كُتب في هذا الباب رسالة ابن تيمية «رفع الملام عن الأئمة الأعلام».
  • أول أعذار العالم في ترك الحديث النسيان، فالأئمة بشر، وقد ينسى العالم الآية فضلًا عن الحديث.
  • العذر الثاني التأويل بظن التخصيص أو النسخ، ولا يُقبل إلا ببرهان من نص أو إجماع.
  • لم يكن الصحابة كلهم حاضرين عند النبي ﷺ في كل وقت، لانشغالهم بأعمالهم ومعايشهم.
  • من لازم النبي ﷺ وتفرغ للعلم، كأبي هريرة وابن عمر وابن عباس، كثر حفظه وروايته.
  • تفرق الصحابة في الأمصار بعد وفاة النبي ﷺ جعل السنن متفرقة في البلاد، فنشأ عن ذلك الاختلاف.
  • المجتهد الذي لم يبلغه النص معذور ومأجور، أما من بلغته السنة فلا يحل له أن يقدم عليها قول أحد.

الفوائد والعبر

  • أن تحسن الظن بالعلماء وتلتمس لهم العذر إذا خالفوا حديثًا، مع تقديم السنة على قول كل أحد.
  • أن ترجع إلى الحق متى ظهر لك، كما كان عمر رضي الله عنه وقّافًا عند كتاب الله.
  • أن تخصص لطلب العلم وقتًا ثابتًا كل يوم ولو كان ساعة، فالمداومة والتفرغ من أعظم أسباب التحصيل.
  • أن تعرف فضل الإنفاق على طلبة العلم وتفريغهم، فهو من أعظم أبواب الخير.
  • أن تتأدب في الحديث عن الصحابة، فتقول «لم يبلغه» بدل أن تنسب إليه الجهل.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات