شرح كتاب " الإحكام لأصول الأحكام" للإمام ابن حزم (44) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

2,788 مشاهدة
310 مشاركة
منذ 6 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الرابع والأربعون من شرح كتاب «الإحكام في أصول الأحكام» للإمام أبي محمد علي بن حزم الأندلسي رحمه الله، يشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. أُقيم المجلس بعد صلاة العشاء ليلة الأحد، الثلاثين من شهر المحرم سنة ألف وأربعمائة وإحدى وأربعين، الموافق للتاسع والعشرين من سبتمبر سنة ألفين وتسع عشرة. افتتح الشيخ المجلس بخطبة الحاجة، ثم أكمل الكلام في باب الأمر، وفي مسألة من أدق مسائل الأصول وأكثرها أثرًا في الفروع الفقهية، وهي: إذا اجتمع الأمر والنهي في فعل واحد، فهل تصح العبادة أم تبطل؟

يدور الدرس حول مسألة «الصلاة في الأرض المغصوبة» وما يشبهها: الوضوء من آنية الذهب والفضة، والصلاة في الثوب المغصوب، والتعلّم من مصحف مغصوب، والخضاب بحِنّاء مغصوبة. عرض الشيخ مذهب ابن حزم في بطلان الصلاة في المكان المغصوب، ثم ذكر تعليق العلامة أحمد شاكر رحمه الله، ثم بيّن القول الذي يراه راجحًا، وهو مبني على قاعدة «انفكاك الجهة».

والغاية من الدرس أن يفهم طالب العلم الفرق بين النهي عن الشيء لذاته، والنهي عنه لوصف لازم له، والنهي عنه لأمر خارج عنه، وأن يميّز بين النهي الخاص والنهي العام. بذلك يعرف سبب اختلاف العلماء في كثير من المسائل، فلا يستغرب هذا الخلاف ولا يضطرب حين يقرأ كتب الفقه والفروع.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: مذهب ابن حزم في الصلاة في الأرض المغصوبة وجوابه عن اعتراضات المخالفين

يرى الإمام ابن حزم أن الصلاة في المكان المغصوب باطلة. وحجته أن الإقامة في المكان جزء من الصلاة نفسها، فهي من أفعالها التي لا تنفك عنها، ولا يصح أن يأمر الله عز وجل الإنسان الواحد بالشيء الواحد وينهاه عنه في حال واحدة، فالله سبحانه منزّه عن ذلك.

ثم ذكر ما اعترض به عليه بعض من خالفه: من طلّق أو أعتق وهو في مكان مغصوب، ومن خضب لحيته بحناء مغصوبة، ومن تعلّم القرآن في مصحف مغصوب. وأجاب ابن حزم بأن الطلاق والعتق لا علاقة لهما بالإقامة في المكان، فيصحان في أي أرض كانت. أما الخاضب فالواجب عليه أن يزيل الحناء، وهو بعد الخضاب غير مستعمل للمغصوب في الصلاة. وتعلّم القرآن لا يتوقف على المصحف، فقد يُتعلّم بالتلقين، ومن حفظه فحفظه باقٍ بعد أن يردّ المصحف إلى صاحبه.

ويستثني ابن حزم المضطر الذي حُبس في مكان مغصوب، فصلاته فيه تامة لأنه لم يختر الإقامة فيه، ويصلي على حسب حاله ولو بالإيماء. أما من صلى فيه مختارًا فصلاته عنده باطلة.

المحور الثاني: قاعدة انفكاك الجهة والقول الراجح فيها

بيّن الشيخ أن الراجح عنده صحة الصلاة في الأرض المغصوبة مع إثم الغصب، وعلّل ذلك بأن جهة الأمر منفكة عن جهة النهي. فالله عز وجل أمر بالصلاة، ونهى عن الغصب، والصلاة شيء والغصب شيء آخر. والأمر بالصلاة عام لجميع المكلفين، والنهي عن الغصب يتعلق بالمال المغصوب وحق صاحبه. فإذا أتى المصلي بالصلاة بشروطها وأركانها وواجباتها فقد أدّى ما أُمر به، ويبقى عليه إثم الغصب.

وقسّم الشيخ المنهي عنه ثلاثة أقسام. الأول: ما نُهي عنه لذاته، مثل الشرك والزنا، فهذا لا يُؤجر فاعله بحال، ولا يتصور فيه انفكاك الجهة، فمن سجد لصنم لا يكون متقربًا إلى الله أبدًا. الثاني: ما نُهي عنه لوصف لازم له لا ينفك عنه، مثل الإسكار في الخمر، وهذا يقتضي البطلان. الثالث: ما نُهي عنه لأمر خارج عنه، وهنا يقع التفصيل والخلاف بحسب انفكاك الجهة وعدمه.

ومن أمثلة الشيخ على ذلك: من صلى وأفطر في رمضان، ومن صام ولم يُخرج زكاة الفطر. فالصلاة والصيام في هاتين الحالتين صحيحان، وعلى صاحبهما إثم ما ترك، لأن كل عبادة مستقلة بجهتها. ومن لا يقول بانفكاك الجهة يربط بعض العبادات ببعض، فيحكم بالبطلان.

واستدل الشيخ على ذلك بقول الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]، وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]. ومثّل بمسجد بُني على أرض مغصوبة ونحن لا نعلم، ثم علمنا بعد أن صلينا فيه جمعات كثيرة، فالإثم على من غصب ومن رضي بالغصب، لا على المصلين الذين لم يغصبوا ولم يرضوا.

المحور الثالث: تعليق العلامة أحمد شاكر والتفريق بين النهي الخاص والنهي العام

نقل الشيخ تعليق العلامة أحمد شاكر رحمه الله على كلام ابن حزم، فقد رأى فيه مغالاة. واختار التفريق بين نوعين من النهي. النوع الأول نهي خاص عن الصلاة نفسها في مكان معيّن، مثل النهي عن الصلاة في معاطن الإبل، فالنهي هنا متوجه إلى الصلاة ذاتها في ذلك المكان، فيقتضي البطلان. والنوع الثاني نهي عام عن الفعل في الصلاة وفي غيرها، مثل النهي عن الغصب، فالصلاة معه صحيحة ويأثم فاعله.

وجاء في الحديث: «صَلُّوا فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، وَلَا تُصَلُّوا فِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ» (رواه الترمذي وغيره)، وهذا نهي خاص بالصلاة في ذلك المكان، فالجهة فيه غير منفكة.

ومثله الوضوء من آنية الذهب والفضة. فالنبي صلى الله عليه وسلم لم ينهَ عن الوضوء منها بعينه، وإنما نهى عن استعمالها نهيًا عامًّا، فقال: «لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا، فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ» (متفق عليه). فمن توضأ منها فقد ارتكب حرامًا ووضوؤه صحيح. ولو جاء نهي خاص عن الوضوء فيها لكان الوضوء باطلًا. ويلحق بذلك ذبح الحيوان المغصوب بسكين مغصوبة، فالنهي فيه ليس عن الذبح نفسه.

المحور الرابع: تطبيقات فقهية على انفكاك الجهة وعدمه

ذكر الشيخ مسألة من صلى في ثوب أصابته نجاسة وهو لا يعلم، ثم علم بها أثناء الصلاة. واستدل بحديث النبي صلى الله عليه وسلم لما خلع نعليه في الصلاة فخلع الصحابة نعالهم، فلما انصرف سألهم عن ذلك وقال: «إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا» (رواه أبو داود). فقد أتم النبي صلى الله عليه وسلم صلاته ولم يستأنفها، ولو كانت صلاته قد بطلت لابتدأها من جديد.

وفرّق الشيخ بين ما يستر العورة وما لا يسترها. فمن وقعت نجاسة على عمامته أو قلنسوته أو طاقيته فخلعها لم تبطل صلاته، لأن ذلك ليس من شروط صحة الصلاة، بل من تمام الزينة والجمال فيها، فالجهة منفكة. أما إذا كانت النجاسة على ما يستر العورة، فالجهة غير منفكة، لأن الواجب ستر العورة بثياب طاهرة.

ومثّل كذلك بستر العورة: من صلى في لباس قصير أو ضيق فانكشف شيء من عورته. فإن انكشفت العورة نفسها بطلت الصلاة لعدم انفكاك الجهة. وإن لم تنكشف العورة فالصلاة صحيحة، ويأثم إن كان في لباسه ما يُنهى عنه.

المحور الخامس: سبب اختلاف العلماء في الفروع وأدب طالب العلم معهم

نبّه الشيخ على أن كثيرًا من الخلاف في كتب الفقه يرجع إلى هذه القاعدة. فمن رأى أن الجهة منفكة قال بصحة العبادة مع الإثم، ومن رأى أنها غير منفكة قال ببطلانها. وقد يختلف قول العالم الواحد بحسب ما يترجح له في كل مسألة.

وذكر أن العلماء متفقون على أصل التقسيم، وإنما يختلفون في تطبيقه على المسائل. لذلك يحتاج طالب العلم إلى نظر دقيق وتفقّه في كلام أهل العلم مع احترامهم، فهم «ساداتنا وكبارنا وأفقه منا». فإذا فتح الله عليه بالفهم صار قادرًا على أن يميّز ما انفكت فيه الجهة مما لم تنفك، فيعرف الراجح في المسألة بدليله.

النقاط الرئيسية

  • يرى ابن حزم بطلان الصلاة في المكان المغصوب لمن صلى فيه مختارًا، لأن الإقامة في المكان عنده جزء من الصلاة، ويرى صحتها من المضطر المحبوس.
  • الراجح عند الشيخ صحة الصلاة في الأرض المغصوبة مع إثم الغصب، لأن جهة الأمر منفكة عن جهة النهي.
  • المنهي عنه لذاته كالشرك والزنا لا يُتصور فيه أجر ولا انفكاك جهة، والمنهي عنه لوصف لازم له كإسكار الخمر يقتضي البطلان.
  • النهي الخاص عن العبادة في مكان معيّن، كالصلاة في معاطن الإبل، يقتضي البطلان، والنهي العام كالغصب يقتضي الإثم دون البطلان.
  • الوضوء من آنية الذهب والفضة صحيح مع الإثم، لأن النهي ورد عن استعمالها عمومًا لا عن الوضوء فيها خاصة.
  • دل حديث خلع النعلين على أن من علم بالنجاسة أثناء الصلاة فأزالها أتم صلاته ولم يستأنفها.
  • كثير من الخلاف الفقهي في صحة العبادات وبطلانها يرجع إلى الاختلاف في انفكاك الجهة.

الفوائد والعبر

  • فهم القواعد الأصولية يكشف أسباب الخلاف بين العلماء، فيقرأ طالب العلم كتب الفروع وهو يعرف مأخذ كل قول.
  • صحة العبادة لا تعني أن صاحبها سلم من الإثم، فعلى المسلم أن يحرص على أداء الطاعة وعلى اجتناب المعصية معًا.
  • لا يُؤاخذ المسلم بما لم يعلمه ولم يرضَ به، فالله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، والإثم على الغاصب ومن رضي بفعله.
  • ينبغي للمصلي أن يتحرى طهارة ثوبه وبدنه ومكانه، وأن يعرف ما يُبطل الصلاة وما لا يبطلها حتى لا يقع في وسوسة أو تفريط.
  • من أدب طالب العلم أن يحترم الأئمة ويتأدب معهم، وأن ينظر في أقوالهم نظرًا دقيقًا، ويرجّح بالدليل.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات