شرح كتاب" الاعتصام بالكتاب والسنة "من صحيح البخاري(18، والأخير)للشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

4,557 مشاهدة
12 مشاركة
منذ 6 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الثامن عشر والأخير من شرح «كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة» من صحيح الإمام البخاري رحمه الله، ويقدّمه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. عُقد المجلس بعد صلاة العشاء من يوم الجمعة الرابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة 1440هـ، الموافق للأول من مارس سنة 2019م. ويتناول الشيخ فيه بابين مهمين هما: «باب قول النبي ﷺ: لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء»، و«باب كراهية الاختلاف».

وتنبع أهمية هذا الموضوع من حاجة المسلم إلى معرفة مصدر التلقي الصحيح لدينه. فالله تعالى أكمل لهذه الأمة دينها وحفظ كتابها، وكتب أهل الكتاب قد دخلها التحريف والتبديل. فمن عرف ذلك استغنى بالوحي المعصوم عن غيره، واطمأن إلى أن ما عنده هو الحق الخالص.

ويهدف هذا الدرس إلى بيان علّة النهي عن سؤال أهل الكتاب، وبيان المنهج الشرعي في التعامل مع أخبارهم، وإبراز دقة الإمام البخاري في انتقاء الأسانيد، والذبّ عن الصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما. كما يبيّن أنواع الاختلاف، ويميّز ما يسوغ منها مما هو مذموم مردود.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: علّة النهي عن سؤال أهل الكتاب عن شيء من الدين

بوّب الإمام البخاري بجزء من الحديث: «لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء». ومعناه ألّا نسأل اليهود والنصارى عن شيء من أمر ديننا. ويذكر الشيخ لذلك علّتين:

  • ما عندهم يحتمل الحق والباطل. فإن كان حقًّا فقد نردّه فنكون قد رددنا الحق، وإن كان باطلًا فلا يجوز أن نسأل عن الباطل ونتلقاه.
  • الحق كله عندنا، وقد ضلّ القوم الطريق. فكيف يُسأل عن الهداية من ضلّ عنها ومن غضب الله عليه؟

ويقرأ المسلم في كل صلاة سؤال الله الهداية إلى صراط المنعَم عليهم، ويستعيذ من طريق المغضوب عليهم وهم اليهود، ومن طريق الضالين وهم النصارى. ثم إن عندنا من العلم، وهو كلام الله وكلام رسوله ﷺ، ما ليس عندهم، وهو علم يورث اليقين ويوصل إلى جنة الخلد.

قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 19]

وقال سبحانه: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85]

وقال سبحانه: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ۝ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 6-7]

المحور الثاني: أثر معاوية في كعب الأحبار، والذبّ عن معاوية رضي الله عنه

روى البخاري من طريق الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أنه سمع معاوية رضي الله عنه يحدّث رهطًا من قريش بالمدينة، وذكر كعب الأحبار فقال: «إِنْ كَانَ مِنْ أَصْدَقِ هَؤُلَاءِ الْمُحَدِّثِينَ الَّذِينَ يُحَدِّثُونَ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَإِنْ كُنَّا مَعَ ذَلِكَ لَنَبْلُو عَلَيْهِ الْكَذِبَ». والكذب في لغة أهل الحجاز يأتي بمعنى الخطأ، لأنه إخبار بخلاف الواقع. فالمراد أن كعبًا مع صدقه وأمانته كان يقع منه الخطأ كثيرًا، لأنه ينقل عن كتب دخلها التحريف.

وبيّن الشيخ منزلة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، فهو صحابي جليل وأمير المؤمنين، وكان من كتّاب الوحي لرسول الله ﷺ، وما كان الله ليأتمن على كتابة الوحي من يُتّهم في دينه. وكان الطعن في معاوية علامة على الرفض عند السلف. وأما ما وقع بينه وبين علي رضي الله عنهما فالواجب الكفّ عنه، فكلاهما من أهل الجنة. ويُستأنس هنا بقول ابن عباس رضي الله عنهما في نصرة معاوية، لأنه كان وليّ دم عثمان رضي الله عنه، استدلالًا بقوله تعالى: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ ۖ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا﴾ [الإسراء: 33].

وتطرّق الشيخ إلى قصة إسلام عبد الله بن سلام رضي الله عنه، وفيها كشف لطبيعة اليهود في البهتان. فقد قالوا فيه أول الأمر: خيرنا وابن خيرنا، وعالمنا وابن عالمنا، وسيدنا وابن سيدنا. فلما أعلن إسلامه قالوا فورًا: شرّنا وابن شرّنا. فقال: «هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله». وحذّر الشيخ من التشبه بهذا الخلق المذموم في الحكم على الناس بحسب الموافقة والمخالفة.

ثم نبّه إلى عظيم حفظ الله لكتابه. فقد كثر حفّاظ القرآن ومُتقنوه، رجالًا ونساءً، حتى يوجد في المسجد الواحد عدد كبير منهم، وفيهم من يحمل الإجازات والأسانيد في القراءات العشر. وهذا بخلاف كتب أهل الكتاب التي حُرّفت.

قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]

المحور الثالث: «لا تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذّبوهم» ودقة الإمام البخاري

روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسّرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ:

«لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ، وَقُولُوا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا﴾» الآية.

وقسّم الشيخ ما يأتي عن أهل الكتاب إلى ثلاثة أحوال:

  • ما وافق شرعنا: هو حق بقي في كتبهم، ولسنا بحاجة إليه لأن شرعنا قد أتى به. ومثاله رجم الزاني المحصن، وقد رجم النبي ﷺ يهوديًّا ويهودية زنيا.
  • ما خالف شرعنا: هو باطل مردود، لأن شرعنا ناسخ للشرائع كلها.
  • ما لم يأتِ في شرعنا ما يوافقه أو يخالفه: نتوقف فيه، فلا نصدّقه خشية أن نصدّق باطلًا، ولا نكذّبه خشية أن نردّ حقًّا.

ونبّه الشيخ على لطيفة إسنادية تدل على دقة الإمام البخاري. فهذا الحديث يرويه علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير، وفي رواية علي بن المبارك عن يحيى تفصيل عند أهل الحديث: ما رواه عنه البصريون صحيح، وما رواه عنه الكوفيون فيه ضعف. والراوي عنه هنا عثمان بن عمر، وهو بصري، فالحديث من صحيح حديثه. وهذا يبيّن أن البخاري ينتقي من حديث الرواة أصحّه، ويردّ على من يطعن في صحيحه بجهل.

قال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 136]

المحور الرابع: أثر ابن عباس «كيف تسألون أهل الكتاب وكتابكم أحدث؟»

روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:

«كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ وَكِتَابُكُمُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحْدَثُ، تَقْرَءُونَهُ مَحْضًا لَمْ يُشَبْ، وَقَدْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ بَدَّلُوا كِتَابَ اللَّهِ وَغَيَّرُوهُ، وَكَتَبُوا بِأَيْدِيهِمُ الْكِتَابَ وَقَالُوا: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا، أَلَا يَنْهَاكُمْ مَا جَاءَكُمْ مِنَ الْعِلْمِ عَنْ مَسْأَلَتِهِمْ؟ لَا وَاللَّهِ، مَا رَأَيْنَا مِنْهُمْ رَجُلًا يَسْأَلُكُمْ عَنِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ».

ومعنى «أحدث» أنه آخر الكتب نزولًا، فهو الناسخ لما قبله والمهيمن عليه. ومعنى «محضًا لم يُشَب» أنه خالص لا يخالطه باطل ولا يلتبس فيه الحق بغيره. ويُنكر ابن عباس على من يذهب إلى أهل الباطل ليسألهم وهم لا يسألون أهل الحق.

وأشار الشيخ إلى مظاهر التحريف في كتبهم. فالأناجيل المتعددة يختلف بعضها عن بعض حتى في بداياتها وخواتيمها، ولا إسناد متصلًا لهم إلى أنبيائهم، بل بينهم وبين المسيح عليه السلام انقطاع يُقدَّر بقرون. أما المسلمون فيروون القرآن الكريم بالسند المتصل إلى رسول الله ﷺ عن جبريل عليه السلام عن رب العالمين.

وبيّن أن علماء المسلمين ليسوا مشرّعين من دون الله، فليس عندنا صكوك غفران ولا كرسي اعتراف ولا وسطاء بين العبد وربه. وإنما المطلوب من المذنب أن يتوب إلى الله وأن يستر على نفسه.

قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: 79]

المحور الخامس: باب كراهية الاختلاف وأنواع الاختلاف

ذكر الشيخ مناسبة هذا الباب لما قبله، وهي أن النهي عن سؤال أهل الكتاب يسدّ بابًا من أبواب الاختلاف والفرقة. فالأمة مأمورة بالسعي إلى الوفاق والوئام ووحدة الصف. ثم قسّم الاختلاف إلى ثلاثة أنواع:

  • اختلاف التنوع: ليس اختلافًا على الحقيقة، وإنما هو تنويع في العبادة تيسيرًا على الناس. ومن أمثلته أن النبي ﷺ قرأ في المغرب بالأعراف تارة وبالطور تارة وبالمرسلات تارة، وأنه صام في السفر وأفطر وأذن لأصحابه بالفطر، وتنوّع صيغ التشهد، وتعدد القراءات القرآنية. وهذا كله حق.
  • اختلاف الأفهام: وهو أن يفهم العلماء النص على أكثر من وجه، فيكون كلا الفهمين صوابًا، أو يكون أحدهما أصوب من الآخر.
  • اختلاف التضاد: وهو ما يصادم الكتاب والسنة، كتحليل ما حرّم الله، وهذا باطل مردود. ومن أمثلته استحلال جماع الحائض بحيلة، والقول بجواز تبرّج المرأة وكشف عورتها أمام الرجال. وصاحب هذا القول يحمل وزره ووزر من أضلّه.

ومثال اختلاف الأفهام قوله ﷺ يوم الأحزاب: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ». ففهم بعض الصحابة أن المقصود الإسراع فصلّوا في الطريق، وأخذ آخرون بظاهر اللفظ فلم يصلّوا إلا في بني قريظة، فلم يعنّف النبي ﷺ واحدًا من الفريقين.

قال تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۙ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل: 25]

وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب: 59]

النقاط الرئيسية

  • لا يجوز سؤال أهل الكتاب عن شيء من أمور الدين، لأن الحق كله عندنا في الكتاب والسنة، وقد ضلّوا الطريق.
  • معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما صحابي جليل وكاتب للوحي، والطعن فيه من سمات أهل البدع.
  • أخبار أهل الكتاب على ثلاثة أحوال: ما وافق شرعنا فهو حق ولا نحتاج إليه، وما خالفه فهو باطل، وما سكت عنه شرعنا نتوقف فيه فلا نصدّقه ولا نكذّبه.
  • القرآن الكريم محفوظ بحفظ الله، مرويّ بالأسانيد المتصلة، وكتب أهل الكتاب قد بُدّلت وحُرّفت.
  • الإمام البخاري دقيق في انتقاء الأسانيد، يختار من حديث الرواة أصحّه، والطعن في صحيحه جهل وضلال.
  • الاختلاف ثلاثة أنواع: اختلاف تنوع وهو حق كله، واختلاف أفهام يدور بين الصواب والأصوب، واختلاف تضاد وهو باطل مردود.
  • ليس في الإسلام وساطة بين العبد وربه ولا صكوك غفران، وإنما هي التوبة إلى الله والستر على النفس.

الفوائد والعبر

  • أن يعتزّ المسلم بدينه ويستغني بالوحي المعصوم عن مصادر التلقي المحرّفة، وأن يأخذ دينه من الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة.
  • أن يحفظ لسانه عن أصحاب رسول الله ﷺ، وأن يذكرهم بالجميل، ويكفّ عمّا شجر بينهم.
  • أن يجتنب البهتان والكيل بمكيالين في الحكم على الناس، فلا يمدح الشخص إذا وافقه ثم يذمّه إذا خالفه، كما فعلت اليهود مع عبد الله بن سلام رضي الله عنه.
  • أن يُقبل على حفظ القرآن الكريم وتعلّمه، فهو من أسباب حفظ الله لكتابه في صدور المؤمنين.
  • أن يتّسع صدره لاختلاف التنوع واختلاف الأفهام المعتبرة، وأن يحذر من الأقوال التي تصادم النصوص الصريحة مهما زُيّنت.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات