شرح كتاب" الاعتصام بالكتاب والسنة "من صحيح البخاري(5)لفضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري
المقدمة
هذا هو المجلس الخامس من شرح «كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة» من صحيح الإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. عُقد المجلس بعد صلاة العشاء ليلة الجمعة الثاني والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ١٤٤٠هـ، الموافق للثلاثين من نوفمبر سنة ٢٠١٨م. ويُكمل فيه الشيخ شرح باب «ما يُكره من كثرة السؤال وتكلّف ما لا يعنيه»، وهو باب عظيم الأثر في تربية المسلم على الأدب مع الوحي، وعلى ترك الخوض فيما لا يفيد.
يشرح الشيخ أثر أنس رضي الله عنه: «كنا عند عمر فقال: نُهينا عن التكلّف»، ثم حديث أنس الطويل في خطبة النبي ﷺ على المنبر وذكره للساعة وأهوالها. ويتوقف خلال ذلك عند فوائد كثيرة في علم الرجال والصناعة الحديثية، منها تمييز الرواة الذين تتشابه أسماؤهم، وصيغ التحمّل والأداء، وتحويل الإسناد، والفرق بين الإسناد العالي والنازل. ويدافع كذلك عن الصحيحين في وجه من يطعن فيهما.
والمرجو أن يخرج المشاهد من هذا المجلس بفهم واضح لمنهج السلف في ترك التكلف، وبمعرفة طرف من دقة الإمام البخاري في تبويبه وأسانيده، وبتذكّر أشراط الساعة والفتن التي تسبقها، فيحرص على الثبات على الدين والتأدب مع النبي ﷺ ومع أهل العلم.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: النهي عن التكلّف وفقه أثر عمر رضي الله عنه
روى البخاري عن سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن ثابت البناني عن أنس رضي الله عنه قال: «كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ فَقَالَ: نُهِينَا عَنِ التَّكَلُّفِ». وجاء في بعض الروايات سبب هذا القول، وهو أن عمر رضي الله عنه قرأ قول الله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: ٣١] فقال: «هذه الفاكهة قد عرفناها، فما الأبّ؟» ثم رجع إلى نفسه وقال إن هذا هو التكلف. والأبّ هو ما ترعاه البهائم من الكلأ والحشيش إذا يبس، فالفاكهة للإنسان والأبّ للحيوان.
وبيّن الشيخ أن التكلف المنهي عنه نوعان: الأول أن يسأل الإنسان عما لا يعنيه، والثاني أن يتكلّف معرفة ما لا يحتاج إليه ولا يُدرك حقيقته. ومن هذا الباب أيضاً أن يتدخل المرء فيما لا يعنيه، وهذا هو معنى تبويب البخاري: «باب ما يُكره من كثرة السؤال ومن تكلّف ما لا يعنيه».
ونبّه الشيخ على مسألة في أصول الحديث يدل عليها إيراد البخاري لهذا الأثر في الباب، وهي أن قول الصحابي «أُمرنا» أو «نُهينا» له حكم الرفع إلى النبي ﷺ، لأن الآمر والناهي هو رسول الله ﷺ. ومن عاش على الكتاب والسنة دون تكلف عاش حياة طيبة كريمة.
المحور الثاني: فوائد في علم الرجال وصيغ التحمّل
ذكر الشيخ قاعدة في تمييز الرواة الذين تتشابه أسماؤهم: سليمان بن حرب يروي عن الحمّادين، أي حماد بن زيد وحماد بن سلمة. فإذا قال «حدثنا حماد» ولم ينسبه فالمراد حماد بن زيد، وإذا أراد ابن سلمة نسبه. ومثل ذلك «سفيان» في روايات كبار شيوخ البخاري، فإنه يُعرف بالنظر في التلميذ والشيخ. فإذا روى سفيان عن الزهري فهو ابن عيينة، لأن الثوري لم يلقَ الزهري ولم يرحل إليه.
ثم ترجم الشيخ لعدد من رجال الإسناد، منهم: سليمان بن حرب قاضي مكة (ت ٢٢٤هـ)، وحماد بن زيد إمام أهل البصرة (ت ١٧٩هـ)، وثابت البناني الذي كان من أخص تلاميذ أنس، وأنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ (ت ٩٣هـ)، وأمير المؤمنين عمر الفاروق الذي يفرّ منه الشيطان، وقد مات شهيداً سنة ٢٣هـ.
وأشار الشيخ إلى أن أبا اليمان الحكم بن نافع لا يكاد يقول في روايته عن شيخه شعيب بن أبي حمزة إلا «أخبرنا»، لأنه أخذ أحاديثه عنه مناولةً ولم يسمعها منه، فلم يستجز أن يقول «حدثنا»، وليس ذلك تدليساً. والمناولة إحدى طرق التحمل الثمانية، ومنها السماع من الشيخ، والقراءة عليه، والإجازة، والمكاتبة، والمناولة.
المحور الثالث: تحويل الإسناد والإسناد العالي والنازل، والدفاع عن الصحيحين
شرح الشيخ معنى حرف «ح» في الأسانيد، وهو رمز لتحويل الإسناد من طريق إلى طريق آخر. وقد ساق البخاري في هذا الموضع إسنادين: الأول عالٍ، وهو أبو اليمان عن شعيب عن الزهري، فليس بين البخاري والزهري فيه إلا راويان. والثاني نازل، وهو محمود بن غيلان عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري، وبينهما فيه ثلاثة رواة. ومع ذلك ساق البخاري لفظ الحديث على الإسناد النازل، وهذا من دقة صناعته الحديثية.
وقرر الشيخ أن البخاري هو الأصل في هذه الصناعة، وأن مسلماً والترمذي تلميذان له استفادا منه. فمسلم استفاد منه في الصناعة الحديثية وأكثر من تحويل الأسانيد، والترمذي استفاد منه في العلل والرجال. وقد انتقى البخاري أحاديث صحيحه من ستمائة ألف حديث، وهي بلا تكرار دون ثلاثة آلاف حديث. ومن هنا ردّ الشيخ على من يطعن في الصحيحين، وبيّن أن صنيعهم مخالف لإجماع الأمة وسلفها.
وعند ترجمة عبد الرزاق الصنعاني (ت ٢١١هـ) ذكر الشيخ أن التشيّع المنسوب إليه كان يسيراً، وهو تقديم علي رضي الله عنه وشيء من الميل عن معاوية رضي الله عنه، ولم يكن فيه طعن في الصحابة. ونبّه على ترك المبالغة في تجريح العلماء، فالعالم ليس معصوماً، وقد يقع في خطأ وهو لا يدري، أو يقصد به تنزيه الله تعالى، فيعفو الله عنه بواسع رحمته. ثم أثنى على أهل اليمن عند ترجمة معمر بن راشد، واستشهد بقول النبي ﷺ: «اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا أَهْلَ الْيَمَنِ إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ»، قالوا: قَبِلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ.
المحور الرابع: خطبة النبي ﷺ وذكر الساعة وأهوالها
في حديث أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ خرج حين زاغت الشمس فصلى الظهر، ثم قام على المنبر فذكر الساعة وذكر أن بين يديها أموراً عظاماً، ثم قال: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ شَيْءٍ فَلْيَسْأَلْ عَنْهُ، فَوَاللَّهِ لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَخْبَرْتُكُمْ بِهِ مَا دُمْتُ فِي مَقَامِي هَذَا». وشرح الشيخ معنى زوال الشمس، وهو ميلها عن كبد السماء، وبه يدخل وقت الظهر. واستطرد إلى طلوع الشمس من مغربها، وهو من علامات الساعة الكبرى، وذكر قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]. وأخذ منه أن الملك كله لله يؤتيه من يشاء، وأن السفيه لا يُطال معه الجدال، بل يُقطع بالحجة القاطعة.
وعدّد الشيخ من الفتن التي بين يدي الساعة ما يُصدّقه الواقع اليوم. منها أن يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا. ومنها ظهور من يستحل دماء المسلمين بالفتاوى الباطلة، وهوان الدين في نفوس كثير من الناس، وفساد الأذواق والمظاهر. ومنها أن الفرات يحسر عن جبل من ذهب يقتتل عليه الناس، كما في الحديث: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَحْسِرَ الْفُرَاتُ عَنْ جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ يَقْتَتِلُ النَّاسُ عَلَيْهِ». ومنها كثرة القتل، كما في الحديث: «لَا يَدْرِي الْقَاتِلُ فِيمَ قَتَلَ، وَلَا الْمَقْتُولُ فِيمَ قُتِلَ».
المحور الخامس: أدب عمر رضي الله عنه مع النبي ﷺ، وعرض الجنة والنار
لما أكثر النبي ﷺ من قوله «سلوني»، أكثر الناس البكاء. فقام عبد الله بن حذافة السهمي رضي الله عنه، وكان فيه دعابة، وكان يُعيَّر في نسبه، فقال: «مَنْ أَبِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟» قال: «أَبُوكَ حُذَافَةُ». فلما رأى عمر رضي الله عنه الغضب في وجه النبي ﷺ برك على ركبتيه تأدباً وقال: «رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ رَسُولًا»، فسكت رسول الله ﷺ.
ثم قال النبي ﷺ: «أَوْلَى، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ عُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ آنِفًا فِي عُرْضِ هَذَا الْحَائِطِ، فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ». وأخذ الشيخ من موقف عمر أدب الطالب مع شيخه، وأن عليه أن يعرف متى يكون شيخه راضياً ومتى يكون حزيناً أو غاضباً، فيتلطف معه ويخفف عنه.
ثم ذكر أن الجنة خير ما يناله الإنسان، وأن النار شر ما يراه، وتلا قول الله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦]، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠]. وذكر الحديث القدسي: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»، وقول الله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]. وذكر من نعيم الجنة الخيمة التي يبلغ طولها ستين ميلاً.
النقاط الرئيسية
- التكلف المنهي عنه هو السؤال عما لا يعني، وتكلف معرفة ما لا يُحتاج إليه، والتدخل فيما لا يخص الإنسان.
- قول الصحابي «نُهينا» أو «أُمرنا» له حكم الرفع إلى النبي ﷺ.
- من قواعد تمييز الرواة: إذا قال سليمان بن حرب «حدثنا حماد» فالمراد حماد بن زيد، وإذا روى سفيان عن الزهري فهو ابن عيينة.
- أبو اليمان يقول في روايته عن شعيب «أخبرنا» لأنه أخذ عنه مناولة، والمناولة من طرق التحمل.
- حرف «ح» يدل على تحويل الإسناد، والبخاري هو الأصل في الصناعة الحديثية، ومسلم والترمذي استفادا منه.
- الطعن في الصحيحين مخالف لإجماع الأمة، والعالم غير معصوم فلا يُبالغ في تجريحه.
- ذكر النبي ﷺ الساعة وما بين يديها من الفتن، وعرضت عليه الجنة والنار، وأدب عمر رضي الله عنه في قوله «رضينا بالله رباً» سكّن غضبه ﷺ.
الفوائد والعبر
- أن يقتصر المسلم في سؤاله وبحثه على ما ينفعه في دينه ودنياه، ويترك ما لا يعنيه.
- أن يتأدب طالب العلم مع شيخه، فيراعي حاله في الرضا والغضب والحزن، اقتداءً بعمر رضي الله عنه مع النبي ﷺ.
- أن يثق المسلم بالصحيحين ويعظّم جهود أئمة الحديث، ويرد شبهات الطاعنين في السنة.
- أن ينصف العلماء، فلا يبالغ في تجريحهم، ويعذرهم في أخطائهم، ويسأل الله لهم العفو.
- أن يستعد للآخرة كلما رأى أشراط الساعة وفتنها، ويحذر من بيع الدين بعرض الدنيا، ومن سفك الدماء، ويسأل الله الثبات وحسن الخاتمة.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات