شرح كتاب" الاعتصام بالكتاب والسنة "من صحيح البخاري(9)لفضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري
المقدمة
هذا الدرس من سلسلة شرح «كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة» من صحيح الإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. أُلقي الدرس بعد صلاة العشاء ليلة الجمعة، العشرين من شهر ربيع الآخر سنة 1440هـ، الموافق للثامن والعشرين من ديسمبر سنة 2018م. ويشرح فيه الشيخ بابين: الأول «باب تعليم النبي ﷺ أمته من الرجال والنساء مما علّمه الله، ليس برأيٍ ولا تمثيل»، والثاني «باب قول النبي ﷺ: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، وهم أهل العلم».
موضوع الدرس مهم جدًا، فهو يبيّن أن العلم الشرعي حقٌّ للرجال والنساء معًا. ويبيّن كذلك أن ما يُعلَّم للناس يجب أن يكون وحيًا من الكتاب والسنة، لا آراءً تخالف النصوص ولا أقيسةً فاسدة. ويتحدث الشيخ عن مكانة المرأة المتعلمة في بناء الأجيال، وعن معنى الابتلاء بالخير والشر، وعن صفات الطائفة المنصورة وأهل العلم الربانيين.
ويهدف الدرس إلى أن يفهم المشاهد منهج النبي ﷺ في تعليم أمته، وأن يعرف الفرق بين الرأي المحمود والرأي المذموم، وأن يقف على أحكام الصبر والاحتساب عند المصائب، وأن يعرف صفات أهل العلم وأهل الحديث الذين هم الطائفة الظاهرة على الحق.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: تعليم العلم الشرعي للرجال والنساء
يقرر الشيخ أن الإمام البخاري بوّب بهذا الباب ليبيّن أن النبي ﷺ كان يعلّم الرجال والنساء جميعًا، لأن طلب العلم فريضة على كل مسلم، والنساء شقائق الرجال. فما يجب على الرجل من التوحيد والصلاة يجب على المرأة كذلك. ويذكر الشيخ بأسف أن في بعض البلاد الإسلامية من يعتقد أن الصلاة غير واجبة على النساء، وأن هذا الجهل نتيجة لترك تعليمهن.
ويستدل الشيخ بفعل النبي ﷺ في خطبة العيد، فقد خطب الرجال، ثم ظن أنه لم يُسمع النساء، فذهب إليهن فوعظهن وذكّرهن. ثم يذكر أمثلة من العالمات في تاريخ الإسلام، وأعلمهن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، ومن تلميذاتها معاذة العدوية وعمرة بنت عبد الرحمن، ومنهن أيضًا أم الدرداء الصغرى وحفصة بنت سيرين وغيرهن. ومن المتأخرات فاطمة بنت الحافظ البرزالي، وقد كتبت صحيح البخاري في ثلاثة عشر مجلدًا.
ويبيّن الشيخ أن المقصود بالعلم إذا أُطلق في الكتاب والسنة هو العلم الشرعي، أي علم الكتاب والسنة. ويستشهد بكلام الإمام الشافعي في كتاب «الرسالة»: العالم من علم الكتاب والسنة وإن كان قليل المعرفة بعلوم الدنيا، والجاهل من جهلهما وإن كان من أعلم الناس بعلوم الدنيا. ثم يسأل الشيخ: كيف تصلي المرأة وتتطهر وتصوم وهي لم تتعلم أحكام ذلك؟
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: 6]
وقال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: 132]
وقال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: 228]
وقال ﷺ: «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» [رواه ابن ماجه]
وقال ﷺ: «إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ» [رواه أبو داود والترمذي]
المحور الثاني: التعليم بالوحي لا بالرأي المذموم والقياس الفاسد
يشرح الشيخ قول البخاري: «مما علّمه الله، ليس برأيٍ ولا تمثيل». فالوحي نوعان: وحي متلوّ وهو القرآن الكريم، ووحي غير متلوّ وهو السنة النبوية. والنبي ﷺ لم يكن يعلّم أمته إلا مما أوحاه الله إليه.
ثم يفرّق الشيخ بين نوعين من الرأي. الأول رأي محمود، وهو ما وافق الكتاب والسنة واستُنبط منهما. والثاني رأي مذموم، وهو ما صادم كلام الله وكلام رسوله ﷺ. ومن أمثلة الرأي المذموم قول بعض الجهلة إن الزنا مع استعمال العازل ليس زنا، وهذا رأي خبيث فيه إباحة للفواحش. ومن أمثلته أيضًا القول بجواز جماع الحائض مع العازل، وهو مخالف للنص الصريح. فالله يعلم ما سيحدث من وسائل، ولو كان ذلك مباحًا لبيّنه، فهو سبحانه لا ينسى.
ويبيّن الشيخ أن معلّم الناس يجب أن يعلّمهم مما علّمه الله: قال الله، قال رسوله ﷺ، قال الصحابة. ولا يجوز أن ينصب الخلاف بين قول الرسول ﷺ وبين الرأي. ويستشهد الشيخ بقول الإمام الشافعي رحمه الله:
كُلُّ الْعُلُومِ سِوَى الْقُرْآنِ مَشْغَلَةٌ ... إِلَّا الْحَدِيثَ وَإِلَّا الْفِقْهَ فِي الدِّينِ
الْعِلْمُ مَا كَانَ فِيهِ قَالَ حَدَّثَنَا ... وَمَا سِوَى ذَاكَ وَسْوَاسُ الشَّيَاطِينِ
قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: 222]
وقال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14]
وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: 64]
المحور الثالث: إسناد حديث الباب وفوائد من تراجم الرواة
يتناول الشيخ رجال إسناد الحديث. أولهم مُسدَّد، وقد أثنى عليه الإمام أحمد، واسمه يدل على التسديد للخير، كما في حديث: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا». ومعنى التسديد أن يقصد العبد الخير ويقيم الدين في نفسه حتى يقارب الكمال. وبعده أبو عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري، وينبّه الشيخ إلى أنه غير الحافظ أبي عوانة صاحب «المستخرج»، فذاك متأخر عن البخاري. ثم عبد الرحمن بن عبد الله الأصبهاني، ثم أبو صالح ذكوان السمّان، ثم الصحابي الجليل أبو سعيد الخدري سعد بن مالك رضي الله عنه.
ويقف الشيخ عند ترجمة أبي صالح ذكوان، فقد كان يبيع السمن والزيت، ومع ذلك كان من كبار التابعين وأئمتهم في العلم. ويستفيد الشيخ من ذلك أن المهنة لا تعيب العالم، وأن أكثر السلف كانت لهم مهن يعملون بها. فالمهم هو العلم والاستقامة على دين الله، لا الشهادات والألقاب.
المحور الرابع: تعليم النساء وأثر المرأة في صناعة الأجيال
يشرح الشيخ نص حديث أبي سعيد رضي الله عنه: «جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَهَبَ الرِّجَالُ بِحَدِيثِكَ، فَاجْعَلْ لَنَا مِنْ نَفْسِكَ يَوْمًا نَأْتِيكَ فِيهِ تُعَلِّمُنَا مِمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ، فَقَالَ: اجْتَمِعْنَ فِي يَوْمِ كَذَا وَكَذَا فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا، فَاجْتَمَعْنَ، فَأَتَاهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَعَلَّمَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ» [رواه البخاري].
ويحذّر الشيخ من طرفين في مسألة تعليم النساء في زماننا. فمن الناس من يفرّط فيدعو إلى الاختلاط والتبرج، ومنهم من يتشدد فيمنع المرأة من التعلّم مطلقًا. والحق هو الوسطية التي جاء بها النبي ﷺ. فالمرأة تخرج للتعلّم بحجابها وحيائها، غير متطيبة ولا متبرجة، وتقصد بخروجها التعلّم لا الفتنة ولا مجرد الترويح عن النفس. ويتقي المعلّم الله في أعراض المسلمات.
ثم يبيّن الشيخ أن المرأة إذا تعلمت دينها وعملت به ونشرته في أبنائها، أخرجت أجيالًا صالحة تخشى الله وتعرف عقيدة التوحيد. ويضرب الأمثلة بأمهات الأئمة: أم الإمام أحمد، وأم الإمام الشافعي، وأم علي بن المديني، ولبابة بنت الحارث أم عبد الله بن عباس، وهند بنت عتبة أم معاوية، وصفية بنت عبد المطلب أم الزبير بن العوام رضي الله عنهم.
المحور الخامس: الصبر على فقد الأولاد، والابتلاء بالخير والشر، والطائفة المنصورة
ويشرح الشيخ تتمة الحديث: «مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقَدِّمُ بَيْنَ يَدَيْهَا مِنْ وَلَدِهَا ثَلَاثَةً إِلَّا كَانَ لَهَا حِجَابًا مِنَ النَّارِ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اثْنَيْنِ؟ قَالَ: فَأَعَادَتْهَا مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: وَاثْنَيْنِ وَاثْنَيْنِ وَاثْنَيْنِ». ويذكر أن عاطفة المرأة أقوى من عاطفة الرجل، فجزعها على أولادها أشد. فإذا صبرت واحتسبت كانوا لها حجابًا من النار، بشرط أن تموت على التوحيد والصلاة. وهذا أمر غيبي ثابت بالوحي، لا مدخل فيه للرأي ولا للقياس. ويبيّن الشيخ أن البكاء ودمع العين وحزن القلب لا تنافي الصبر، فقد بكى النبي ﷺ عند موت ابنه إبراهيم. وإنما المذموم هو الاعتراض على قدر الله.
ويقرر الشيخ أن كل الناس مبتلون: أهل المال بالمال، وأهل الجاه بالجاه، وأهل الأولاد بالأولاد، وأهل العقم بالعقم. فالنعمة اختبار وفقدها اختبار. ومن أمثلة الطغيان بالنعمة قارون في المال، وفرعون في المنصب والجاه، وأبو جهل في الحسب والعشيرة. وقد جمع الله لنبيه ﷺ الحالين: فقد أعطى أعرابيًا غنمًا بين جبلين، وكان في أوقات أخرى يربط الحجر على بطنه من شدة الجوع. وكانت تمرّ الأهلّة في بيوته ﷺ ولا يوقد فيها نار، وطعامهم الأسودان التمر والماء.
ثم ينتقل الشيخ إلى الباب التالي: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، وهم أهل العلم». ويذكر صفات العلماء الربانيين، ومنها أنهم يبلّغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدًا إلا الله، وأن الله قرن شهادتهم بشهادته وشهادة الملائكة على أعظم مشهود به وهو التوحيد. وينقل قول علي بن المديني: «هم أصحاب الحديث». ويوضح الشيخ أن المقصود بهم من اعتقد عقيدة أهل الحديث وسلف الأمة، وليس كل من اشتغل بعلم الحديث، فقد اشتغل به بعض أهل البدع.
قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 155-157]
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10]
وقال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: 35]
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: 7]
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب: 39]
وقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: 18]
وقال ﷺ: «إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى» [متفق عليه]
وقال ﷺ: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ» [رواه مسلم من حديث ثوبان رضي الله عنه]
النقاط الرئيسية
- العلم الشرعي حق للرجال والنساء معًا، والنساء شقائق الرجال في التكاليف الشرعية.
- العلم عند الإطلاق في نصوص الشرع هو علم الكتاب والسنة، والعالم حقًا من عرفهما.
- كان النبي ﷺ يعلّم أمته بالوحي المتلوّ وغير المتلوّ، لا بالرأي المذموم ولا بالقياس الفاسد.
- الرأي المحمود ما وافق النصوص واستُنبط منها، والمذموم ما صادمها، كالفتاوى التي تبيح الفواحش.
- تعليم النساء يكون وسطًا بين الإفراط والتفريط، مع الحجاب والحياء وترك الطيب والتبرج.
- من مات لها ثلاثة أو اثنان من الأولاد فصبرت واحتسبت كانوا لها حجابًا من النار.
- الطائفة المنصورة هم أهل العلم وأصحاب الحديث الذين يعتقدون عقيدة السلف.
الفوائد والعبر
- اهتم بتعليم أهل بيتك أحكام الدين، خاصة الصلاة والطهارة والصيام، فأنت مسؤول عنهم أمام الله.
- اجعل مرجعك في أمور دينك قول الله وقول رسوله ﷺ وفهم الصحابة، واحذر الفتاوى التي تصادم النصوص.
- استحضر أن كل حال تمر بها ابتلاء، فاشكر عند النعمة واصبر عند المصيبة، فالشاكر والصابر كلاهما على خير.
- لا تحتقر صاحب مهنة أو حرفة، فقد كان من أئمة السلف من يبيع السمن والزيت، والمعتبر هو العلم والتقوى.
- على المرأة المسلمة أن تطلب العلم لتنفع نفسها وأسرتها وأمتها، فهي المدرسة التي يتربى فيها الرجال.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات