شرح كتاب" الاعتصام بالكتاب والسنة "من صحيح البخاري(12)لفضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري
المقدمة
هذا هو المجلس الثاني عشر من شرح «كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة» من صحيح الإمام البخاري رحمه الله تعالى، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يبدأ الشيخ في هذا المجلس شرح باب جامع، وهو: «باب ما ذكر النبي ﷺ وحضّ على اتفاق أهل العلم، وما أجمع عليه الحرمان مكة والمدينة، وما كان بهما من مشاهد النبي ﷺ والمهاجرين والأنصار، ومصلّى النبي ﷺ والمنبر والقبر». ويبيّن الشيخ أن هذا الباب واسع، وأن البخاري ساق تحته عددًا كبيرًا من الأحاديث، لأن الإجماع حجة شرعية، ولأن الحرمين كانا موطن الوحي ومشاهد التنزيل.
ويقف الشيخ عند رجال الإسناد واحدًا واحدًا، فيترجم لعبد الله بن مسلمة القعنبي، ثم للإمام مالك إمام دار الهجرة، ثم لإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، ثم لأنس بن مالك رضي الله عنه. ويستخرج من سيرهم دروسًا في التربية والأسرة والزواج والدعوة، ومن أبرزها قصة أم سليم وأبي طلحة رضي الله عنهما، ثم يشرح دعاء النبي ﷺ لأهل المدينة بالبركة في صاعهم ومدّهم.
ومما يتعلّمه المشاهد من هذا المجلس: منزلة الإجماع وفضل الحرمين، وما كان عليه السلف من تعظيم حديث رسول الله ﷺ، وكيف يكون اختيار الزوج والزوجة على أساس الدين. ويتعلّم كذلك أن البيوت تحتاج إلى إحياء السنّة فيها، وأن الدعوة تقوم على ربط الناس بالآخرة لا بالدنيا، وأن من خلق المسلم الوفاء لمن أحسن إليه.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: الحثّ على اتفاق أهل العلم ومكانة الحرمين
يبيّن الشيخ أن النبي ﷺ أمر بأن يتفق أهل العلم وحثّ على ذلك، لأن الإجماع حجة شرعية معتبرة. وكثير من الأحاديث في هذا الباب تدلّ على أنه كان في الحرمين الشريفين، مكة والمدينة، ما يدعو إلى الاتفاق، فقد كانا موضع نزول الوحي، وفيهما أقام النبي ﷺ وصحبه من المهاجرين والأنصار.
ويوضّح أن المقصود بـ«المشاهد» أمران: الأول ما شوهد من أحوال النبي ﷺ وأفعاله وعُلم منها، والثاني غزواته مع المهاجرين والأنصار. ويدخل في الباب أيضًا مصلّاه ﷺ والأماكن التي صلّى فيها، وصفة صلاته، ومنبره وقبره. ولهذا جاء الباب واسعًا جامعًا، وجعله البخاري مدارًا لأحاديث كثيرة.
المحور الثاني: رجال الإسناد وتعظيم السلف لحديث رسول الله ﷺ
أول رجال الإسناد عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي الحارثي، أبو عبد الرحمن البصري، المتوفى سنة إحدى وعشرين ومئتين. وهو من أثبت الناس في الإمام مالك، وكان الإمامان يحيى بن معين وعلي بن المديني يقدّمانه في الموطأ، مع أن الإمام الشافعي أجلّ قدرًا عند الجميع.
ثم الإمام مالك بن أنس، إمام دار الهجرة، المتوفى سنة تسع وسبعين ومئة. كان مجلسه مجلس نور وبركة ووقار، لا لغو فيه ولا لعب، وكانت هيبته من تعظيمه لحديث رسول الله ﷺ، لا من سلطان ولا منصب. وكان إذا أراد أن يحدّث توضّأ وتطيّب وجلس بخشوع. ومن مذهبه أن القراءة على الشيخ والسماع منه سواء، بل ربما قدّم القراءة على الشيخ، وهو ما ذهب إليه البخاري أيضًا.
ويذكر الشيخ ما قيل في هيبة الإمام مالك:
يَدَعُ الجَوَابَ فَلَا يُرَاجَعُ هَيْبَةً *** وَالسَّائِلُونَ نَوَاكِسُ الأَذْقَانِ
أَدَبُ الوَقَارِ وَعِزُّ سُلْطَانِ التُّقَى *** فَهُوَ المَهِيبُ وَلَيْسَ ذَا سُلْطَانِ
المحور الثالث: أم سليم وأبو طلحة، نموذج في الزواج وتربية الأسرة
عند ترجمة إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري النجاري المدني، المتوفى سنة اثنتين وثلاثين ومئة، يقف الشيخ عند قصة جدّته أم سليم رضي الله عنها. فقد خطبها أبو طلحة وكان من أكثر الأنصار مالًا وأشجعهم وأشرفهم نسبًا، لكنه كان يومئذ مشركًا، فقالت له: إن مثلك لا يُردّ، ولكنك كافر وأنا مسلمة ولا تحلّ لي، فإن تُسلم فذلك مهري. فأسلم، وكان إسلامه مهرها. ويقرّر الشيخ أن الدين هو أساس الاختيار، وينبّه إلى أن كثيرًا من الأولياء يُقدّمون اليوم المال والجاه على الدين، فيكون الشقاق ثم الطلاق.
ويذكر الشيخ أن البخاري بوّب على عرض الرجل ابنته على الرجل الصالح، واستدلّ بعرض عمر رضي الله عنه ابنته حفصة، وبوّب كذلك على عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح. ثم يروي قصة ابنهما أبي عمير الذي كان النبي ﷺ يمازحه، ثم مرض ومات، فصبرت أم سليم وتزيّنت لزوجها وهيّأت له عشاءه. ثم ضربت له مثل العارية التي يستردّها أهلها، فغضب أبو طلحة أول الأمر، ثم ذهب إلى النبي ﷺ فدعا لهما بالبركة. فوُلد لهما عبد الله، وحنّكه النبي ﷺ، ورُزق عبد الله عشرة من الولد كلهم يحفظون القرآن.
قال رسول الله ﷺ ممازحًا الصغير: «يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟»، وقال لأبي طلحة وأم سليم: «بَارَكَ اللَّهُ لَكُمَا فِي غَابِرِ لَيْلَتِكُمَا». وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].
المحور الرابع: أنس بن مالك رضي الله عنه وبركة الدعوة النبوية
يروي إسحاق عن عمّه لأمّه أنس بن مالك رضي الله عنه، خادم رسول الله ﷺ. جاءت به أمه أم سليم إلى النبي ﷺ وقالت: خادمك أنس، ادعُ الله له، فدعا له بكثرة المال والولد والبركة. فكان من أكثر أهل المدينة مالًا، ودفن من صُلبه أكثر من مئة من أولاده، وعاش أكثر من مئة سنة. وتوفّي سنة ثلاث وتسعين، وهو آخر الصحابة موتًا بالبصرة، ولم يبقَ بعده من الصحابة إلا أبو الطفيل عامر بن واثلة رضي الله عنه.
ومن دعائه ﷺ لأنس: «اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ، وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتَهُ».
ومتن حديث الباب أن رسول الله ﷺ قال: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي مِكْيَالِهِمْ، وَبَارِكْ لَهُمْ فِي صَاعِهِمْ وَمُدِّهِمْ»، يعني أهل المدينة. فكما دعا إبراهيم عليه السلام لمكة، دعا نبينا ﷺ للمدينة. ويختم الشيخ هذا المحور بالدعاء أن يحفظ الله الحرمين الشريفين والمسجد الأقصى من كيد المنافقين والكفرة والمرتدّين.
المحور الخامس: ربط الناس بالآخرة، والوفاء للأنصار
يقرّر الشيخ أن منهج النبي ﷺ في الدعوة كان تعليق القلوب بالله والدار الآخرة، لا تعليقها بالمناصب والمكاسب. ويستشهد بأن مسيلمة الكذاب طلب أن يكون له الأمر من بعده، فقال له النبي ﷺ: لو سألتني هذه القطعة، يعني قطعة جريد كانت بيده، ما أعطيتكها.
ثم يذكر قصة قسمة غنائم حنين، حين أعطى النبي ﷺ المؤلّفة قلوبهم ووجد بعض الأنصار في أنفسهم. فجمعهم ﷺ وقال: «يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بِي؟ وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ فَأَلَّفَكُمُ اللَّهُ بِي؟ وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ بِي؟» فكانوا يقولون كلما قال شيئًا: «اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ».
ويبيّن الشيخ أن في هذه القصة درسًا في الوفاء ورعاية العهد، فقد بقي النبي ﷺ مع الأنصار وقال لهم: «المحيا محياكم والممات مماتكم»، ولم يرجع إلى مكة موطن آبائه وسادة قومه. ومنها أيضًا أدب الاعتراف بالفضل لأهله، كما صنع الأنصار رضي الله عنهم.
النقاط الرئيسية
- الإجماع حجة شرعية، وقد حثّ النبي ﷺ على اتفاق أهل العلم، وللحرمين منزلة خاصة لأنهما موطن الوحي ومشاهد النبوة.
- عبد الله بن مسلمة القعنبي من أثبت الرواة عن مالك، ومجلس الإمام مالك كان مثالًا للوقار وتعظيم السنة.
- أم سليم رضي الله عنها جعلت إسلام أبي طلحة مهرها، وهذا أصل في تقديم الدين في اختيار الزوج.
- صبر أم سليم وحكمتها عند موت ولدها أثمرا ببركة دعوة النبي ﷺ ذريةً صالحة تحفظ القرآن.
- عاش أنس بن مالك رضي الله عنه ببركة الدعاء النبوي عمرًا طويلًا، ورُزق مالًا وولدًا كثيرًا، وهو آخر الصحابة موتًا بالبصرة.
- دعا النبي ﷺ لأهل المدينة بالبركة في صاعهم ومدّهم ومكيالهم.
- دعوة الأنبياء تربط الناس بالآخرة لا بالدنيا، والوفاء لأهل الإحسان من أخلاق النبوة.
الفوائد والعبر
- اجعل الدين هو المعيار الأول في اختيار الزوج أو الزوجة، ولا تغترّ بالمال والجاه وحدهما.
- أحيِ السنة في بيتك ومجالس أهلك وأقاربك بآية أو حديث أو فائدة، فبذكر الله تطمئنّ القلوب: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28].
- عظّم حديث رسول الله ﷺ وتأدّب في مجالس العلم، اقتداءً بالإمام مالك رحمه الله.
- خذ الإسلام كاملًا في العقيدة والعبادة والمعاملة والأخلاق، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: 208].
- كن وفيًّا لمن أحسن إليك، واعترف بفضله، واجعل همّك في الدعوة ربط الناس بالله والدار الآخرة.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات