شرح كتاب"الاعتصام بالكتاب والسنة"من صحيح البخاري(4)لفضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري

3,398 مشاهدة
487 مشاركة
منذ 7 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الرابع من شرح «كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة» من صحيح الإمام البخاري رحمه الله، يلقيه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. وقد عُقد المجلس ليلة الجمعة الخامس عشر من ربيع الأول سنة 1440هـ، الموافق للثالث والعشرين من نوفمبر 2018م. ويتناول فيه الشيخ «باب ما يُكره من كثرة السؤال وتكلّف ما لا يعنيه»، وفيه بيان أدب طالب العلم في سؤاله، وحدود السؤال المشروع والسؤال المذموم.

والموضوع مهم لأن كثيرًا من الناس اليوم يسألون عما لا ينفعهم في دين ولا دنيا، أو يُشدّدون على أنفسهم بكثرة الافتراضات حتى يضيّقوا ما وسّعه الله. فالمجلس يرسم منهجًا متوازنًا: نسأل عما ينفعنا ويقرّبنا إلى الله، ونترك التكلف والتنطع، وعلى المفتي أن ييسّر على الناس في حدود الشرع.

ويهدف المجلس إلى أن يعرف المشاهد ضوابط السؤال الشرعي، ويتعلم شيئًا من صنعة الإسناد ورجاله، ويستفيد من سيرة الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في العزة بالدين. كما يتعرف على قاعدة التيسير في حدود الشرع، ويُدرك أهمية تحفيظ الأبناء القرآن الكريم.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: ذم كثرة السؤال وتكلّف ما لا يعني

بيّن الشيخ أن السؤال عن أمور الدين وعما يقرّب العبد من ربه أمرٌ محمود، وما زال الناس يسألون عن دينهم. أما المذموم فهو كثرة السؤال فيما لا يعني، والتكلف فيما لا ينفع. وكان ذلك أشدّ في زمن النبي ﷺ، لأن الوحي كان ينزل، فكان يُخشى أن يُحرَّم شيء بسبب سؤال سائل.

وضرب الشيخ أمثلة لأسئلة لا فائدة منها، كالسؤال عن الشجرة التي أُخذت منها عصا موسى، أو عن عدد أصحاب الكهف وأسمائهم. فمعرفة ذلك لا تُدخل الجنة، والجهل به لا يُدخل النار. وذكر أن رجلًا سأل الإمام الشعبي عن اسم امرأة إبليس، فقال: «ذاك عُرسٌ لم أشهده»، يعني: سَلْ عما يخصّك وينفعك بين يدي الله.

وأشار الشيخ إلى أن البخاري رحمه الله ألمح في ترجمة الباب إلى حديث «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ». وفي أسانيده ضعف، والصحيح فيه الإرسال، لكنه يتقوى بمجموع طرقه فيرتقي إلى درجة الحسن، وقد أورده النووي في أربعينه. ثم استدل البخاري بالآية الكريمة. وكان السلف لا يجيبون عن المسائل الافتراضية التي لم تقع، ويقولون: إذا وقعت أحدثنا لها جوابًا.

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: 101].

وقال النبي ﷺ: «إِنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ، فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ» [متفق عليه].

المحور الثاني: أدب العالم مع السائلين بين المسترشد والمتعنّت

ذكر الشيخ أن الصحابة رضي الله عنهم بعد نزول الآية صاروا يهابون سؤال النبي ﷺ. وكانوا يفرحون إذا جاء رجل عاقل من أهل البادية فسأل سؤالًا حسنًا، كما فعل ضِمام بن ثعلبة رضي الله عنه.

ونقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن من جاء مستفتيًا يريد أن يتعلم دينه وجب تعليمه وكُره كتمان العلم عنه، وأن من جاء متعنتًا يريد تعجيز العالم أو إظهار خطئه فإنه يُؤدَّب. واستثنى الشيخ ما يكون من باب الاختبار المشروع للتثبت من حفظ الراوي وضبطه، كما في قصة يحيى بن معين مع الفضل بن دُكين.

قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: 187].

وقال ﷺ: «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ».

المحور الثالث: رجال الإسناد ومنزلة حملة القرآن

شرح الشيخ رجال إسناد الحديث: عبد الله بن يزيد المقرئ المكي، ثم سعيد بن أبي أيوب، ثم عُقيل بن خالد الأيلي، ثم الإمام ابن شهاب الزهري، ثم عامر بن سعد، عن أبيه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه. ونبّه إلى لطائف هذا الإسناد، ففيه اثنان من المصريين وثلاثة من المدنيين، وفيه ثلاثة من بني زهرة أخوال النبي ﷺ، وأن الله رفع بعض الموالي بالعلم حتى صاروا أئمة كبارًا. وفي الإسناد الثاني شرح حال إسحاق بن منصور الكوسج وعفان بن مسلم الصفار.

ووقف الشيخ عند عبد الله بن يزيد المقرئ، الذي قال فيه ابن المبارك: «كان ذهبًا خالصًا»، وكان يفتخر بأنه أقرأ القرآن أكثر من سبعين سنة. ثم تحدث عن مكانة معلمي القرآن، فهم من أشرف خلق الله وإن نظر إليهم بعض الناس نظرة دون. وذكر أثر القرآن في نفوس الأطفال، فمن حفظه صغيرًا ثم انحرف رجع إلى الصلاة والتقوى في الغالب.

وانتقد الشيخ من يجعلون حفظ أبنائهم للقرآن نشاطًا صيفيًا فقط، ويقدّمون عليه دروس اللغات والرياضيات والعلوم. وذكّر بمنهج السلف في التعليم، إذ كان الطفل يختم القرآن قبل الثانية عشرة ثم يشتغل بالحديث والتفسير. ودعا إلى ساعة أو ساعتين يوميًا للقرآن وطلب العلم مع المداومة، وقال إن ذلك وحده كفيل بأن يغيّر وجه الأمة.

قال الله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: 77].

وقال ﷺ: «أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ» [متفق عليه].

المحور الرابع: سعد بن أبي وقاص والعزة بالدين

عرّف الشيخ بسعد بن مالك بن أُهيب الزهري، المعروف بسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه. فهو أول من رمى بسهم في سبيل الله، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وآخرهم موتًا. وكان أهلًا للخلافة، لكنه اعتزل الفتنة تمامًا. وقد جمع له النبي ﷺ أبويه يوم أحد، كما قال علي رضي الله عنه.

وذكر قصته مع أمه حين أقسمت ألّا تأكل ولا تشرب حتى يترك دينه. فقال لها: «لو كانت لكِ مئة نفس فخرجت نفسًا نفسًا ما تركت ديني»، فلما رأت ثباته أكلت وشربت. وفي ذلك نزل قول الله تعالى في برّ الوالدين مع عدم طاعتهما في معصية الله. وأخذ الشيخ من القصة أن الدين يجب أن يكون عزيزًا في القلوب، وأن من اعتز بدينه أعزه الله.

وبيّن أثر الدعاء في هداية الأهل، واستشهد بإسلام أم أبي هريرة رضي الله عنه بدعاء النبي ﷺ لها. ونصح الزوج والزوجة إذا ابتُلي أحدهما بالآخر أن يكثر من الدعاء، فالقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلّبها كيف يشاء. ونبّه كذلك إلى خطأ الآباء والأمهات الذين يحاربون أبناءهم على استقامتهم.

قال الله تعالى: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15].

وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: 8].

وقال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ۝ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2-3].

المحور الخامس: التيسير في حدود الشرع ورحمة المفتي بالخلق

حذّر الشيخ من السائل الذي يضيّق على المفتي بكثرة الافتراضات بعد أن يجد له مخرجًا شرعيًا، حتى يصل إلى التحريم أو إلى الوسوسة. وقرّر أن العالم الرباني يسلك سبيل التيسير على الناس ما وجد إليه سبيلًا في الشرع، وأن الأصل في الأشياء الحل.

ومن أمثلته: المريض الذي يتيقن أنه إن خرج لصلاة الفجر في البرد الشديد هلك أو اشتد مرضه، فهو معذور. ومن عجز عن القيام أو الركوع صلّى جالسًا أو على كرسي، ولا حرج عليه. وكفارة الظهار يُنتقل فيها إلى إطعام ستين مسكينًا عند العجز الحقيقي عن الصيام، والعبد هو المسؤول أمام الله عن حقيقة استطاعته.

ونبّه إلى أن التيسير لا يعني التسيّب ولا مخالفة السنة، فلا يجوز تشريع ما لم يأذن به الله. وذكّر الأئمة بمراعاة الضعفاء في الصلاة، مستشهدًا بإنكار النبي ﷺ على معاذ رضي الله عنه تطويله على الناس.

قال الله تعالى: ﴿مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ﴾ [النساء: 147].

وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185].

وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16].

وقال تعالى: ﴿فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: 4].

وقال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: 21].

وقال ﷺ: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» [رواه البخاري].

النقاط الرئيسية

  • السؤال عن أمور الدين وما ينفع العبد محمود، والمذموم هو كثرة السؤال فيما لا يعني والتكلف فيه.
  • كان الصحابة يتورعون عن السؤال في زمن نزول الوحي خشية أن يُحرَّم شيء بسبب سؤالهم.
  • من جاء يتعلم يُعلَّم ويحرم كتمان العلم عنه، ومن جاء متعنتًا يريد تعجيز العالم يُؤدَّب.
  • حديث «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» حسن بمجموع طرقه، وقد ألمح إليه البخاري في ترجمة الباب.
  • معلمو القرآن من أشرف الناس، وتحفيظ الأبناء القرآن في الصغر له أثر باقٍ في نفوسهم.
  • سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قدوة في العزة بالدين وبرّ الوالدين دون طاعتهما في معصية الله.
  • التيسير على الناس مطلوب في حدود الشرع، وهو غير التسيّب والتشريع بغير إذن الله.

الفوائد والعبر

  • اجعل سؤالك فيما ينفعك في دينك ويرفع درجتك عند الله، واترك الأسئلة الافتراضية وفضول المعرفة التي لا يترتب عليها عمل.
  • خصص لأبنائك ساعة أو ساعتين يوميًا لحفظ القرآن طوال العام لا في الصيف فقط، وخصص لنفسك وقتًا ثابتًا لطلب العلم وداوم عليه.
  • اعتزّ بدينك واثبت عليه أمام الضغوط، حتى ممن تحب، مع البر والإحسان إليهم بالمعروف.
  • الجأ إلى الدعاء في هداية أهلك وإصلاح زوجك وولدك، فالقلوب بيد الله يقلّبها كيف يشاء.
  • لا تشدد على نفسك فيما وسّعه الله، وخذ بالرخص الشرعية عند العجز الحقيقي، ولا تضيّق على المفتي بتتبع الافتراضات حتى توقع نفسك في الحرج أو الوسوسة.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات