شرح كتاب"الاعتصام بالكتاب والسنة"من صحيح البخاري(1)لفضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس الأول من مجالس شرح «كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة» من صحيح الإمام البخاري رحمه الله، يلقيه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. وقد سبقه مجلسان في شرح الترجمة. ويأتي الدرس في وقت تشتد فيه حاجة الأمة إلى التمسك بكتاب ربها وسنة نبيها صلى الله عليه وسلم، فهما سفينة النجاة في أمواج الفتن والأهواء والشهوات. ومن لم يعرف حكم الله في المسألة فقد يعبد الله على جهل، وقد يضل وهو يحسب أنه على هدى.
يبدأ الشيخ ببيان معاني المصطلحات التي يقوم عليها التصنيف: الكتاب والباب والفصل ومعنى الاعتصام. ثم يشرع في دراسة إسناد الحديث الأول من الكتاب، ويترجم لرجاله من أئمة الحديث: الحميدي وسفيان بن عيينة ومسعر بن كدام وسفيان الثوري وقيس بن مسلم وطارق بن شهاب. ويتخلل ذلك فوائد تربوية ومنهجية في الموازنة بين طلب العلم والعبادة، وفي التحذير من الانشغال بالطعن في الخلق ومن الاغترار بجمع الإجازات دون فقه ولا عمل.
أهداف التعلم: فهم معنى الاعتصام بالكتاب والسنة وأهميته، والتعرف على منهج الإمام البخاري ودقته في ترتيب صحيحه، ومعرفة سير أئمة الإسناد ومنازلهم، وإدراك المنهج الصحيح في طلب العلم الذي يجمع بين الإخلاص والعمل والتعبد وسلامة المنهج.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: معاني المصطلحات ومعنى الاعتصام
الكتاب في اللغة معناه الجمع والضم، ومنه قول المؤلفين: «جمع وترتيب فلان». وهو في اصطلاح أهل العلم ما اشتمل على أبواب وفصول ومسائل من العلم. والباب هو المدخل إلى الشيء، ويضم في الغالب فصولًا ومسائل. أما الفصل فهو الحاجز بين الشيئين، ويضم مسائل من العلم في الغالب.
والاعتصام افتعال من العصمة، أي التمسك والاستمساك. ومراد البخاري أنه جمع في هذا الكتاب آيات من القرآن الكريم، وأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وآثارًا عن الصحابة والتابعين، تدل كلها على وجوب الاستمساك بالوحيين في أحوال الفتن وفي الحياة كلها. ونبّه الشيخ على أن العصمة في القرآن والسنة لا تعني أنهما مخلوقان، فالقرآن كلام الله غير مخلوق.
ويشتمل كتاب الاعتصام على مائة حديث وحديث واحد، وقدّر الشيخ أن يكون شرحها في نحو عشرة دروس، تزيد أو تنقص بحسب ما يفتح الله.
قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103].
وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: 103-104].
المحور الثاني: دقة الإمام البخاري ورواية الحميدي
افتتح البخاري صحيحه بالرواية عن الحميدي، وهو أبو بكر عبد الله بن الزبير بن عيسى القرشي الأسدي المكي. وافتتح كذلك كتاب الاعتصام بحديث من روايته. ومن أسباب ذلك أن الحميدي إمام كبير، وأنه قرشي، وقريش خير القبائل وأفضلها على الإطلاق. ويرى الشيخ أن هذا من دقائق صنعة البخاري التي تحيّر العقول، فمن درس صحيحه واستوعبه أدرك عظمة هذا الإمام.
والحميدي صاحب «المسند» المطبوع في مجلدين، توفي سنة تسع عشرة ومائتين. روى له البخاري وأبو داود والنسائي والترمذي، وأخذ عنه الإمام أحمد. وقال فيه الإمام أحمد: «الحميدي عندنا إمام». وقال أبو حاتم الرازي: «أثبت الناس في ابن عيينة الحميدي، وهو رئيس أصحاب ابن عيينة، وهو ثقة إمام». وأبو حاتم معروف بالتشدد في الجرح، فإذا وثّق رجلًا فعضّ على توثيقه بالنواجذ.
ورواية الحميدي في أول الصحيح هي حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه على المنبر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» [رواه البخاري].
المحور الثالث: تراجم أئمة الإسناد
سفيان بن عيينة أبو محمد الهلالي المكي، توفي سنة ثمان وتسعين ومائة عن إحدى وتسعين سنة، وروى له الجماعة. قال الشافعي: «لولا مالك وابن عيينة لذهب علم الحجاز». وقال علي بن المديني: «ما في أصحاب الزهري أحد أتقن من سفيان بن عيينة». واستطرد الشيخ إلى أن أهل الحديث تطول أعمارهم في الغالب، ونقل قول القائل: «أهل الحديث طويلة أعمارهم، ووجوههم بدعاء النبي مُنضَّرة». ومثّل لذلك بالعلامة الألباني رحمه الله الذي عاش نحو ستة وثمانين عامًا.
مسعر بن كدام أبو سلمة الهلالي الكوفي، توفي سنة خمس وخمسين ومائة. قال يحيى بن سعيد القطان: «ما رأيت أحدًا أثبت من مسعر». وكان شعبة يلقبه «المصحف» لشدة إتقانه. ويُنسب إلى ابن المبارك فيه قوله:
مَنْ كَانَ مُلْتَمِسًا جَلِيسًا صَالِحًا *** فَلْيَأْتِ حَلْقَةَ مِسْعَرِ بْنِ كِدَامِ
فِيهَا السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ وَأَهْلُهَا *** أَهْلُ الْعَفَافِ وَعِلْيَةُ الْأَقْوَامِ
وفي الإسناد: «عن مسعر وغيره». وقد بيّن الحافظ ابن حجر أن المراد بـ«غيره» هو سفيان الثوري، كما جاء مصرّحًا به في رواية الإمام أحمد. والثوري هو سفيان بن سعيد بن مسروق، شيخ الإسلام وسيد العلماء العاملين في زمانه، ولد سنة سبع وتسعين وتوفي سنة إحدى وستين ومائة. لقّبه شعبة وابن عيينة وابن معين وغيرهم بـ«أمير المؤمنين في الحديث». وقال ابن المبارك: «كتبت عن ألف ومائة شيخ، ما كتبت عن أفضل من سفيان».
ومن سنة الله أنه إذا مات عالم وُلد عالم، إلا أن العلم يقل بموت العلماء. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» [متفق عليه].
قيس بن مسلم أبو عمرو الجدلي الكوفي، ثقة، وثّقه الإمام أحمد وغيره، وتوفي سنة عشرين ومائة. وقال أبو داود: «كان مرجئًا». ونبّه الشيخ إلى مسألة العالم الرباني إذا تلبس ببدعة، وهو يريد تنزيه الله أو نصرة دينه، وما موقف العلماء من رواياته، ووعد ببسط ذلك في موضع آخر. أما طارق بن شهاب الأحمسي البجلي الكوفي فله رؤية للنبي صلى الله عليه وسلم، وتوفي سنة ثلاث وثمانين. وكان كثير الجهاد والغزو، ومع ذلك عُدّ من العلماء، فلم يشغله الجهاد عن العلم.
المحور الرابع: الموازنة بين طلب العلم والعبادة
لا رهبانية في الإسلام. فطالب العلم يأخذ بحظه من الدنيا: يعمل ويتاجر ويتزوج، ويقوم الليل وينام، ويصوم ويفطر. والدليل حديث الثلاثة الذين تقالّوا عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» [متفق عليه].
وأورد الشيخ كلام الإمام الذهبي في «سير أعلام النبلاء» عند ترجمة مسعر بن كدام، في المفاضلة بين طلب العلم ونوافل العبادات. وخلاصته أن من كان مخلصًا في طلب العلم، جيد الذهن، مجتهدًا فيه، فالعلم في حقه أولى، بشرط أن يكون له حظ من الصلاة والتعبد. أما من جدّ في الطلب ولا حظ له من القربات فهو «كسلان مهين»، وليس صادقًا في حسن نيته. ومن كان طلبه للحديث لهوًا وهوى نفسيًّا، فالعبادة في حقه أفضل.
وذكر الشيخ أن هذا تقسيم في الجملة، ولكل حالة حكمها. ومن أمثلة ذلك أن العلامة الألباني رحمه الله كان في آخر عمره يجعل أغلب ليله للعلم والتأليف، لأنه رأى أن نفع صلاته يقتصر عليه، وأن نفع علمه يعم الأمة. ونبّه على أن صلاة الفجر فريضة، فلا يجوز أن يكون السهر في طلب العلم سببًا في تضييعها مع الجماعة.
المحور الخامس: التحذير من الانحرافات في طلب العلم، ومدخل الحديث الأول
حذّر الشيخ من فئة شغلت بعض الشباب بالغيبة والنميمة والطعن في الخلق، ويسهرون الليل في ذلك ثم ينامون عن صلاة الفجر. ونسبهم إلى منهج «الجرح بلا تعديل»، وبيّن أن أهم ما يحرص عليه طالب العلم سلامة المنهج، وأن ينشغل بإصلاح نفسه وذنوبه. وبيّن كذلك أن الجهاد العلمي من أعظم الجهاد في هذا الزمان، لأن الأمة تُغزى في فكرها ومنهجها، وأشار إلى كلام لابن تيمية في ذلك في «منهاج السنة النبوية».
وحذّر أيضًا من الاغترار بجمع الإجازات والأسانيد العالية دون فقه ولا عمل. فالإجازة باب من أبواب العلم، لكنها ليست العلم كله، وثمرة العلم العمل. واستشهد بكلام الذهبي رحمه الله وهو يصف أهل زمانه في مجالس السماع: منهم من ينعس، ومنهم من يتحدث، ومنهم من يكتب، والعلم عنهم بمعزل. وعقّب الشيخ: فكيف لو رأى زماننا؟
ثم بدأ الشيخ في متن الحديث: قال رجل من اليهود لعمر رضي الله عنه، وقد جاء عند مسدد والطبري والطبراني أنه كعب الأحبار. وفي رواية في الصحيح أنه جاء في جماعة من اليهود. قال الرجل: يا أمير المؤمنين، لو أن علينا نزلت هذه الآية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3] لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا. وأشار الشيخ إلى أن مناسبة الحديث للاعتصام ظاهرة، فكمال الدين يقتضي التمسك بما جاء في الكتاب والسنة وحده. وذكر أيضًا فضل عمر رضي الله عنه، فهو أفضل الخلق بعد الأنبياء وأبي بكر، ومن أبغضه اتُّهم في دينه.
النقاط الرئيسية
- الاعتصام هو الاستمساك بالكتاب والسنة، وهما سفينة النجاة في زمن الفتن والأهواء.
- الكتاب في اللغة الجمع والضم، والباب المدخل إلى الشيء، والفصل الحاجز بين الشيئين.
- افتتح البخاري صحيحه وكتاب الاعتصام بالرواية عن الحميدي، لإمامته ولكونه قرشيًّا، وهذا من دقة صنعته.
- رجال إسناد الحديث الأول أئمة كبار: الحميدي، وسفيان بن عيينة، ومسعر بن كدام، وسفيان الثوري، وقيس بن مسلم، وطارق بن شهاب.
- العلم يُقبض بموت العلماء، فإذا ذهبوا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا فضلوا وأضلوا.
- طلب العلم لمن أخلص وكان أهلًا له أفضل من نوافل العبادة، بشرط ألا يخلو من حظ من التعبد.
- لا قيمة لكثرة الإجازات دون فقه وعمل، وسلامة المنهج والبعد عن الطعن في الخلق من أهم ما يحرص عليه الطالب.
الفوائد والعبر
- اعرف حكم الله قبل أن تعمل: اجعل الكتاب والسنة مرجعك في كل أمر، حتى لا تكون ممن يحسبون أنهم يحسنون صنعًا وهم على ضلال.
- اجمع بين العلم والعبادة: اجعل لنفسك وِردًا ثابتًا ولو قليلًا، كركعتين مع الوتر واستغفار يومي، مع مداومتك على الطلب. ولا تفرّط في صلاة الفجر مع الجماعة بحجة السهر في العلم.
- اختر جليسك الصالح: اقتدِ بحلقات أمثال مسعر بن كدام التي جمعت السكينة والوقار والعفاف، وابتعد عن مجالس الغيبة والطعن في الناس.
- اطلب ثمرة العلم لا مظاهره: احرص على الفهم والفقه والعمل أكثر من حرصك على جمع الإجازات والألقاب.
- اقتدِ بالسلف في التوازن: اجعل لك قدوة في السلف، كطارق بن شهاب الذي جمع بين الجهاد والعلم، والعلماء الذين جمعوا بين العلم والعمل وأخذ الحظ المباح من الدنيا. واستحضر الإخلاص في كل ذلك، فإنما الأعمال بالنيات.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات