شرح كتاب " اقتضاء الصراط المستقيم" (8) لفضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري.

4,097 مشاهدة
395 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الثامن من شرح كتاب «اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم» لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يواصل الشيخ فيه ذكر الأدلة من السنة النبوية على أن مخالفة اليهود والنصارى والمجوس أمرٌ قصده الشارع الحكيم. وتتنوع هذه الأدلة بين أبواب الهدي الظاهر والصلاة والصيام والطهارة ومعاملة الحائض.

والموضوع مهم لأنه يرسم للمسلم حدود هويته وتميّزه. فيعرف متى تجب المخالفة ومتى تجوز الموافقة، ويفرّق بين ما يكون في العبادات والشعائر وما يكون في أمور الدنيا ووسائلها النافعة. ويبيّن الشيخ أيضًا أن المخالفة قد تكون في أصل الحكم وقد تكون في وصفه، وأن الغلوّ في المخالفة حتى يُترك ما شرعه الله مذموم، كما أن التهاون فيها مذموم.

وأهداف هذا الدرس أن يفهم المشاهد قاعدة ترتيب الحكم على الوصف المناسب وأثرها في معرفة علة الحكم، وأن يعرف معنى «الكراهة» في كلام السلف، وأن يقف على أمثلة كثيرة من مخالفة النبي ﷺ لأهل الكتاب، وأن يدرك وسطية هذه الأمة بين تشديد اليهود وتفريط النصارى.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: مخالفة المجوس في الهدي الظاهر ومعنى الكراهة عند السلف

يبدأ الشيخ بحديث أبي هريرة رضي الله عنه عند مسلم: «جُزُّوا الشَّوَارِبَ، وَأَرْخُوا اللِّحَى، خَالِفُوا الْمَجُوسَ». ويقرر شيخ الإسلام أن النبي ﷺ ربط الأمر بوصفٍ مشتقٍّ مناسب، وهذا يدل على أن مخالفة المجوس أمر مقصود للشارع. ويوضح الشارح القاعدة الأصولية: «الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا»، ويضرب لها مثلًا بالسفر، فهو علة قصر الصلاة، وأما دفع المشقة فهو الحكمة منه.

ثم ينبّه إلى أن السلف كانوا يطلقون لفظ «الكراهة» ويريدون به التحريم، لا الكراهة الاصطلاحية التي يُثاب تاركها ولا يُعاقب فاعلها. وقد بيّن هذا ابن القيم في «إعلام الموقعين». ومن أمثلته قول الإمام أحمد في حلق القفا: «هو من فعل المجوس، ومن تشبه بقومٍ فهو منهم». واستثنى أحمد حلقه للحجامة لأنها حاجة.

وينبّه الشيخ إلى أن هذا الحكم كان مرتبطًا بزمانهم، لأن حلق القفا كان يومئذٍ من شعار المجوس. أما اليوم فلم يعد شعارًا لأحد، ولذلك لا يصح تنزيل كلام الإمام أحمد على واقعنا بإطلاق. ويفرّق كذلك بين إخبار النبي ﷺ بأن بعض الأمة سيقع في التشبه وبين حكم ذلك شرعًا، فالإخبار بوقوع الشيء لا يدل على إباحته.

قال رسول الله ﷺ: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» (رواه أبو داود).

المحور الثاني: مخالفة أهل الكتاب في الصلاة والصيام

من أدلة الباب حديث شداد بن أوس رضي الله عنه: «خَالِفُوا الْيَهُودَ؛ فَإِنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ فِي نِعَالِهِمْ وَلَا خِفَافِهِمْ» (رواه أبو داود). ويذكر الشيخ رسالة شيخه مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله في مشروعية الصلاة في النعال. ويبيّن أن الصلاة حافيًا سنة، وأن الصلاة في النعلين أو الخفين سنة كذلك. لكن تُراعى المساجد المفروشة، فلا يُصلّى فيها بالنعال حيث يتأذى الناس، وأما في الصحراء ونحوها فلا حرج.

وفي الصيام قال ﷺ: «فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ» (رواه مسلم). وقال: «لَا يَزَالُ الدِّينُ ظَاهِرًا مَا عَجَّلَ النَّاسُ الْفِطْرَ؛ لِأَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى يُؤَخِّرُونَ» (رواه أبو داود). ويستنبط شيخ الإسلام من هذا أنه إذا كانت مخالفتهم سببًا لظهور الدين، وكان ظهور الدين هو المقصود من إرسال الرسل، فإن مخالفتهم تكون من أعظم مقاصد البعثة.

ومن ذلك حديث: «لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ -أَوْ عَلَى الْفِطْرَةِ- مَا لَمْ يُؤَخِّرُوا الْمَغْرِبَ إِلَى أَنْ تَشْتَبِكَ النُّجُومُ». وجاءت العلة مفسَّرة في رواية أخرى: تأخير المغرب مضاهاةٌ لليهود، وتأخير الفجر إلى مِحاق النجوم مضاهاةٌ للنصارى. وكذلك نهى ﷺ عن الوصال، وعلّله بأنه من فعل النصارى، وقال: «صُومُوا كَمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ، وَأَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ، فَإِذَا كَانَ اللَّيْلُ فَأَفْطِرُوا».

قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187]، وقال ﷺ: «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً» (متفق عليه).

المحور الثالث: ضابط المخالفة بين أمور الدين وأمور الدنيا

يقرر الشيخ أن التفريق بين عبادة المسلمين وعبادة غيرهم أمر مقصود للشارع. فما كان من شعائر الدين والتعبّد لا يجوز التشبه بهم فيه بحال من الأحوال.

أما أمور الدنيا فلا يُقال فيها: لماذا تركبون السيارات وتستعملون الحاسوب والشبكة العنكبوتية وهي من صنعهم؟ فما كان فيه مصلحة للمسلمين من أمور الدنيا فلا حرج فيه، وما كان فيه مضرة عليهم ففيه الحرج كله.

ويضيف الشيخ أن الأصل مخالفتهم، إلا إذا وافق فعلُهم شيئًا من شرعنا. فإعفاء اللحية مثلًا واجب في شريعتنا، ولو أعفاها أحبار اليهود ورهبان النصارى لم يجز لنا أن نحلقها بحجة مخالفتهم.

المحور الرابع: المخالفة في أصل الحكم وفي وصفه، وقصة الحائض

يشرح الشيخ حديث أنس رضي الله عنه عند مسلم، وفيه أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها ولم يجامعوها في البيوت. فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: 222]. فقال رسول الله ﷺ: «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ». فقالت اليهود: «مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ أَنْ يَدَعَ مِنْ أَمْرِنَا شَيْئًا إِلَّا خَالَفَنَا فِيهِ».

ثم جاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر رضي الله عنهما يستأذنان في جماع الحائض مبالغةً في مخالفة اليهود. فتغيّر وجه النبي ﷺ لأنهما أرادا أن يجعلا المخالفة في الأصل، وهي إنما شُرعت في الوصف. ثم أرسل إليهما ﷺ فسقاهما من هدية لبن، فعرفا أنه لم يغضب عليهما.

ويقسّم الشيخ المخالفة إلى قسمين. الأول مخالفة في أصل الحكم، كحلق اللحية وكاتخاذ القبور مساجد وبناء القباب والأضرحة عليها. والثاني مخالفة في الوصف، كصبغ الشيب، وكمقاربة الحائض فيما دون الفرج. ويحذّر الشيخ تحذيرًا شديدًا من الحيل الباطلة في جماع الحائض، كوضع حائل ونحوه، ويبيّن أن ذلك من التحايل الشيطاني على شرع الله، وأنه أشد تحريمًا، لأن الأذى يقع على الطرفين في دينهما وبدنهما.

المحور الخامس: وسطية الأمة في باب الطهارة

يبيّن شيخ الإسلام أن اليهود كانت عليهم في باب الطهارة أغلال عظيمة وآصار، حتى كان أحدهم إذا أصابه البول قرضه بالمقراض. ثم ابتدع النصارى ترك ذلك كله بلا شرع من الله، فلا ينجّسون شيئًا، ولا يغتسلون من حيض ولا جنابة، ولا يستنجون من بول.

وهدى الله هذه الأمة إلى الوسط، فلا تشديد ولا قذارة: استنجاء من البول، واغتسال من الجنابة والحيض، ووضوء للصلوات الخمس. فالتنزّه عما لم يشرع الله التنزّه عنه مقاربة لليهود، وملابسة ما شرع الله اجتنابه مقاربة للنصارى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ.

ويختم المجلس بالبدء في حديث عمرو بن عبسة السلمي رضي الله عنه. فقد كان في الجاهلية يرى أن الناس على ضلالة وهم يعبدون الأوثان، فلما سمع برجل في مكة يخبر أخبارًا رحل إليه، فوجد رسول الله ﷺ مستخفيًا، قد اشتد عليه قومه.

النقاط الرئيسية

  • ترتيب الحكم على الوصف المشتق المناسب، كقوله ﷺ: «خالفوا المجوس»، يدل على أن ذلك الوصف هو علة الحكم أو جزء منها، وأن مخالفتهم مقصودة للشارع.
  • لفظ «الكراهة» في كلام السلف يُراد به غالبًا التحريم، لا الكراهة الاصطلاحية عند المتأخرين.
  • الحكم المبني على كون الفعل شعارًا للكفار يدور مع هذا الوصف، فإذا زال كونه شعارًا لهم تغيّر الحكم، كما في حلق القفا اليوم.
  • تعجيل الفطر وأكلة السحر والصلاة في النعال من السنن التي شُرعت لمخالفة أهل الكتاب، وظهور الدين مرتبط بمخالفتهم.
  • التشبه بالكفار محرم في العبادات والشعائر، وأما الانتفاع بما عندهم من أمور الدنيا النافعة فلا حرج فيه.
  • المخالفة تكون تارة في أصل الحكم وتارة في وصفه، والغلوّ في المخالفة حتى يُترك ما شرعه الله أمر مذموم.
  • هذه الأمة وسط في باب الطهارة وفي كل شيء، بين تشديد اليهود وأغلالهم وبين قذارة النصارى وتفريطهم.

الفوائد والعبر

  • الحرص على السحور ولو على تمرة أو شربة ماء، وعلى تعجيل الفطر عند تحقق الغروب، وفي ذلك امتثال للسنة وبركة وإعانة على صلاة الفجر في جماعة.
  • الاعتزاز بالهوية الإسلامية في الهدي الظاهر، كإعفاء اللحية والأخذ من الشارب، واجتناب كل ما كان شعارًا خاصًّا بالكفار.
  • التوسط في المعاملة الزوجية زمن الحيض، فللزوج أن يقارب زوجته ويؤاكلها ويقبّلها فيما دون الجماع، مع الحذر من الحيل الباطلة التي يتحايل بها بعض الناس على شرع الله.
  • الفهم الصحيح لكلام الأئمة بمعرفة مصطلحاتهم وأحوال زمانهم، حتى لا تُنزَّل أحكام مرتبطة بعللٍ قد زالت على واقع مختلف.
  • لزوم الوسطية في العبادة والطهارة، فلا تنطّع ووسوسة ولا تفريط وتهاون، وخير الهدي هدي محمد ﷺ.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات