شرح كتاب " اقتضاء الصراط المستقيم" (35) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

4,555 مشاهدة
63 مشاركة
منذ 6 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الخامس والثلاثون من شرح كتاب «اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم» لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يتناول المجلس مسائل في باب التوحيد ومخالفة المشركين وأهل الكتاب. فيبدأ بالتنبيه على حكم تهنئة النصارى بما يسمونه «عيد القيامة»، ثم يكمل كلام شيخ الإسلام في نقد الحكاية المنسوبة إلى العُتبي عند قبر النبي ﷺ، وفي بيان أن إجابة الدعاء لا تدل على أن الوسيلة مشروعة.

ويأخذ الموضوع أهميته من صلته المباشرة بعقيدة المسلم، فهو يفرق بين المشروع والممنوع في التوسل وزيارة القبور والسلام على النبي ﷺ. ويبين كذلك منهج السلف في طلب الدليل: الحجة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وإجماع الصحابة، لا في الحكايات والمنامات وأقوال المتأخرين.

ومن أهداف هذا الدرس أن يعرف المشاهد خطر مشاركة الكفار في شعائرهم الدينية، وأن يفهم الضوابط الشرعية للتوسل، وأن يفرق بين حكم الفعل وحكم الفاعل الجاهل أو المتأول. ويتعلم أيضاً كيف يكون السلام على النبي ﷺ والدعاء عند زيارة القبور على الوجه المشروع.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: حكم تهنئة النصارى بعيد القيامة

يبدأ الشيخ المجلس بالتنبيه على أمر خطير، وهو تهنئة النصارى بما يسمونه «عيد القيامة». ومعنى هذا العيد عندهم أن المسيح عليه السلام صُلب ومات ثم قام. وهذا يناقض صريح القرآن الذي نفى قتله وصلبه، فالمهنئ يقر في الظاهر معتقداً كفرياً. ولذلك قرر الشيخ أن التهنئة بأعياد الكفار الدينية محرمة تحريماً شديداً، وأن من هنأ وهو عالم بمعنى هذا العيد راضٍ به فقد وقع في أمر عظيم.

وفرّق الشيخ تفريقاً مهماً بين الحكم على الفعل والحكم على المعيّن. فالفعل قد يكون كفراً، لكن الشخص المعيّن لا يُكفَّر إلا إذا توفرت فيه الشروط وانتفت عنه الموانع. وأنكر الشيخ على من كذب عليه ونسب إليه تكفير كل من يهنئ النصارى، وبيّن أن الحزبية المذمومة هي التي تحمل أصحابها على الكذب والافتراء وتفرّق صف المسلمين.

وأكد الشيخ أن على العلماء والدعاة أن يبينوا للمسلمين معنى هذه الأعياد، لا أن يتسابقوا إلى تهنئة أصحابها. فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذا الباب من أوجب الواجبات، خصوصاً مع كثرة الطعن في النبي ﷺ والتشكيك في دين المسلمين.

وقد افتتح الشيخ المجلس بخطبة الحاجة، وفيها قوله ﷺ: «وَإِنَّ شَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ».

المحور الثاني: نقد الحكاية العُتبية والاستدلال بآية سورة النساء

ينقل شيخ الإسلام الحكاية المشهورة عن العُتبي، وفيها أن أعرابياً جاء إلى قبر النبي ﷺ فتلا قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 64]، ثم أنشد:

يَا خَيْرَ مَنْ دُفِنَتْ بِالْقَاعِ أَعْظُمُهُ ... فَطَابَ مِنْ طِيبِهِنَّ الْقَاعُ وَالْأَكَمُ

وبيّن شيخ الإسلام أن أحداً من الأئمة المتبوعين لم يذكر هذا، ولم يُؤثر عن أحد منهم أنه استحب أن يُسأل النبي ﷺ بعد موته الاستغفار. وإنما ذكر الحكاية بعض الفقهاء المتأخرين، وإسنادها لا يثبت، فلا يجوز أن يُبنى عليها حكم شرعي، وبخاصة في أمر لو كان مشروعاً لكان الصحابة والتابعون أعلم به وأسبق إليه.

وأشار الشارح إلى أن من أسباب انتشار هذه الحكايات عند بعض المتأخرين مجاملةَ بعض الحكام المتصوفة ومداراتهم. ونبّه إلى أن من يستدل بقول فلان وحكاية فلان في مقابل «قال الله، قال رسوله ﷺ» قد عكس منهج الاستدلال الشرعي.

المحور الثالث: حصول المطلوب لا يدل على مشروعية السبب

قرر شيخ الإسلام أن قضاء الله حاجة من دعا بطريقة مبتدعة لا يعني أن طريقته مشروعة. فقد يكون العطاء فتنة أو استدراجاً، وقد يُجاب الإنسان لاضطراره أو لصدق لجوئه مع خطئه في الوسيلة. وكم من إنسان دعا على غيره ظلماً، أو طلب شيئاً محرماً، فأُعطي ما طلب، وكان ذلك وبالاً عليه.

واستدل على ذلك بأن النبي ﷺ كان يُسأل فيعطي، وفي بعض المسألة إثم على السائل، كما قال ﷺ: «إِنَّ أَحَدَهُمْ لَيَسْأَلُنِي الْمَسْأَلَةَ فَأُعْطِيهَا إِيَّاهُ فَيَخْرُجُ بِهَا مُتَأَبِّطُهَا، وَمَا هِيَ لَهُمْ إِلَّا نَارٌ»، فقال عمر: يا رسول الله، فلِمَ تعطيهم؟ قال: «إِنَّهُمْ يَأْبَوْنَ إِلَّا أَنْ يَسْأَلُونِي، وَيَأْبَى اللَّهُ لِي الْبُخْلَ».

وذكر في المعنى نفسه حديث أم سلمة رضي الله عنها: «إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَلَا يَأْخُذْهَا». فالعطاء في الظاهر لا يعني أن المعطى له مستحق في الباطن.

المحور الرابع: عذر الجاهل والمتأول والتفريق بين الفعل والفاعل

بيّن شيخ الإسلام أن العبادة المبتدعة قد يفعلها رجل صالح وهو جاهل أو متأول أو مقلد، فيُغفر له خطؤه ويُثاب على حسن قصده وما فعله من الخير المشروع. ولكن هذا لا يجعل الفعل مشروعاً، فالواجب بيان الحق للناس، والله يحاسب العباد على نياتهم.

ومن أمثلة ذلك أن بعض الصحابة شربوا الخمر متأولين قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: 93]، ومنهم قدامة بن مظعون رضي الله عنه، فبيّن لهم الصحابة خطأ هذا الفهم.

ومن الأمثلة أيضاً الرجل الذي أخطأ لسانه من شدة الفرح، وقد جاء ذلك في حديث فرح الله بتوبة عبده: «ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ». فالكلمة في ذاتها كلمة كفر، لكن قائلها لم يقصدها فلم يؤاخذ بها. ونبّه الشيخ إلى أن الإنكار على المخطئ يكون بالرفق والبيان، وأن المسلم مكلف بتبليغ الحق، أما هداية الناس فبيد الله.

المحور الخامس: التوسل المشروع والسلام على النبي ﷺ وزيارة القبور

ذكر شيخ الإسلام أن الإمام مالكاً رحمه الله كان من أعلم الناس بهذا الباب، لأنه أقام بالمدينة ورأى عمل التابعين ومن بعدهم. وكان ينهى عن الوقوف عند القبر للدعاء، ويذكر أن السلف لم يفعلوه. واستدل على ذلك بفعل عمر رضي الله عنه عام الرمادة حين استسقى بالعباس رضي الله عنه وقال: «اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا» (رواه البخاري).

ومعنى هذا التوسل أنهم كانوا يتوسلون بدعاء النبي ﷺ وشفاعته في حياته، ثم توسلوا بعده بدعاء العباس الرجل الصالح، لا بذاته. ولو كان التوسل بالنبي ﷺ بعد موته جائزاً لما عدلوا عنه إلى العباس، فتركُهم له إجماع منهم على المنع. وكذلك استسقى معاوية رضي الله عنه بيزيد بن الأسود الجُرَشي فقال له: «يا يزيد، ارفع يديك». ولذلك استحب الفقهاء الاستسقاء بأهل الخير والصلاح الأحياء.

ثم بيّن أن السلام على النبي ﷺ مشروع، قال ﷺ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ» (رواه أبو داود). وقال ﷺ: «إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ فِي الْأَرْضِ يُبَلِّغُونِي مِنْ أُمَّتِي السَّلَامَ» (رواه النسائي). وقال ﷺ: «فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ»، فقالوا: وكيف تُعرض صلاتنا عليك وقد أَرِمْتَ؟ فقال: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ».

والمشروع عند زيارة القبور هو الدعاء للميت والسلام عليه، كما علّمنا النبي ﷺ أن نقول: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ». ومن جنسه الدعاء للميت في صلاة الجنازة. فالزيارة الشرعية إحسان إلى الميت بالدعاء له، وليست طلباً منه ولا دعاءً عند قبره.

النقاط الرئيسية

  • تهنئة النصارى بعيد القيامة محرمة، لأن معناه عندهم أن المسيح مات ثم قام، والتكفير المعيّن لا يكون إلا بتوفر الشروط وانتفاء الموانع.
  • الحزبية المذمومة تحمل أصحابها على الكذب والافتراء، وتفرّق صف المسلمين.
  • الحكاية العُتبية لا تثبت، ولم يذكرها أحد من الأئمة، فلا يصح الاستدلال بها على مشروعية طلب الاستغفار من النبي ﷺ بعد موته.
  • قد يقضي الله حاجة من سلك سبيلاً غير مشروع، ويكون ذلك فتنة أو استدراجاً، فحصول المطلوب ليس دليلاً على صحة الوسيلة.
  • الجاهل أو المتأول قد يُعذر ويُثاب على قصده الحسن، ومع ذلك يبقى الفعل المبتدع منهياً عنه ويجب بيانه.
  • عدول الصحابة عن التوسل بالنبي ﷺ بعد موته إلى التوسل بدعاء العباس إجماع منهم على أن التوسل المشروع يكون بدعاء الحي الصالح.
  • المشروع في حق النبي ﷺ الصلاة والسلام عليه، وهي تبلغه حيثما كان المسلم، والمشروع عند القبور السلام على أهلها والدعاء لهم.

الفوائد والعبر

  • أن يحذر المسلم من مشاركة الكفار في أعيادهم الدينية أو تهنئتهم بها، وأن يعتز بعقيدته وهويته الإسلامية.
  • أن يجعل مرجعه في الدين الكتابَ والسنة وفهم الصحابة، لا الحكايات والمنامات وأقوال المتأخرين التي لا دليل عليها.
  • ألا يغتر بحصول المطلوب بعد دعاء مبتدع أو وسيلة ممنوعة، فالعبرة بموافقة الشرع لا بالنتيجة.
  • أن يعدل في الحكم على الناس، فيفرق بين الفعل والفاعل، وينكر على المخطئ برفق وبيان دون تسرع في التكفير أو التبديع.
  • أن يكثر من الصلاة والسلام على النبي ﷺ، وبخاصة يوم الجمعة، وأن يلتزم بالأدعية المأثورة عند زيارة القبور.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات