شرح كتاب " اقتضاء الصراط المستقيم" (9) لفضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري.

3,197 مشاهدة
323 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس التاسع من شرح كتاب «اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم» لشيخ الإسلام أبي العباس أحمد بن تيمية رحمه الله. يشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ويواصل الشيخ في هذا المجلس تقرير الأصل الذي بُني عليه الكتاب، وهو أن كل أمر أضافه الشرع إلى الجاهلية في سياق الذم والنهي فهو مذموم منهي عنه. ويدل ذلك على وجوب مخالفة أمور الجاهلية كلها وتجنبها.

ويتناول المجلس جملة من الأحاديث النبوية التي استدل بها شيخ الإسلام، ومنها حديث «عُبِّيَّة الجاهلية» والفخر بالآباء، وحديث «الميتة الجاهلية» و«القِتلة الجاهلية» تحت الراية العُمِّيَّة، وحديث أبي ذر رضي الله عنه حين عيَّر رجلًا بأمه. ويُنزل الشيخ هذه النصوص على واقع الفتن المعاصرة، فيحذّر من سفك الدماء المعصومة، ومن الخروج على الجماعة، ومن القتال تحت رايات الجاهلية والعصبية.

ومن أهداف هذا الدرس أن يفهم المشاهد قاعدة «الإضافة إلى الجاهلية تقتضي الذم»، وأن يعرف حرمة دماء المسلمين وخطورة الفتن، وأن يتمسك بمنهج السلف الذي يجمع بين النصيحة الصادقة لولاة الأمر وترك التهييج والإثارة. وفيه كذلك تزكية للنفوس من الكبر والفخر بالأنساب، وحثّ على الإحسان إلى من جعلهم الله تحت أيدينا.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: الإضافة إلى الجاهلية تقتضي الذم والنهي

قرر شيخ الإسلام ابن تيمية أن الأحاديث دلت على أن إضافة الأمر إلى الجاهلية تقتضي ذمه والنهي عنه، فيلزم من ذلك النهي عن أمور الجاهلية مطلقًا. وهذا هو المطلوب الذي يقوم عليه الكتاب كله، أي إثبات وجوب مخالفة أهل الجاهلية فيما اختصوا به من الأخلاق والعادات والأحوال.

وبيّن الشيخ أن النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: «عُبِّيَّة الجاهلية»، ثم «ميتة جاهلية» و«قِتلة جاهلية»، ثم قال لأبي ذر: «فيك جاهلية»، كان يذم هذه الأمور بنسبتها إلى الجاهلية. وقد استقر عند الصحابة رضي الله عنهم أن ما أُضيف إلى الجاهلية فهو مذموم منهي عنه.

المحور الثاني: ذم الفخر بالأحساب والتعالي على الخلق

شرح الشيخ معنى «العُبِّيَّة» بأنها الكبر والفخر والترفع. وبيّن أن الإسلام أبطل التفاضل بالأنساب والآباء، وجعل الناس صنفين: مؤمن تقي وفاجر شقي. وكلهم بنو آدم، وآدم خُلق من تراب. وشرح «الجُعَل»، وهو الخنفساء السوداء التي تدفع بأنفها النتن، وبيّن أن المفتخر بآبائه مهدد بأن يكون أهون على الله منها.

وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في قوله:

«إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالْآبَاءِ، مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ، أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ، لَيَدَعَنَّ رِجَالٌ فَخْرَهُمْ بِأَقْوَامٍ، إِنَّمَا هُمْ فَحْمٌ مِنْ فَحْمِ جَهَنَّمَ، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الْجِعْلَانِ الَّتِي تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتِنَ» (رواه أبو داود والترمذي)

ثم ذكر الشيخ حديث أبي ذر رضي الله عنه حين عيّر رجلًا بأمه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:

«يَا أَبَا ذَرٍّ، أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ» (متفق عليه)

ونبّه الشيخ إلى أن السواد والبياض قدَرٌ من الله، لا يد للعبد فيه ولا يستطيع تغييره، فلا يجوز أن يُعيَّر به أحد. ثم أنزل الحديث على أحوال أصحاب الأعمال والمصانع اليوم، فحذّرهم من التكبر على العمال، وذكّرهم بأن الذي أعطاهم المال قادر على أن يسلبه منهم. وأورد قصة أحد ملوك بني أيوب في العفة وتذكّر تقلّب الزمان، وبيّن أن الدول السابقة كلها قد زالت ولم يبق إلا العمل الصالح.

المحور الثالث: الميتة الجاهلية والقتال تحت الراية العُمِّيَّة

شرح الشيخ حديث مسلم الذي ذكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم الأقسام الثلاثة التي يُعقد لها باب قتال أهل القبلة، وهم البغاة والعداة وأهل العصبية:

«مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ، وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَمَاتَ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً، وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عُمِّيَّةٍ، يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ، أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ، أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً، فَقُتِلَ، فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ، وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي، يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا، وَلَا يَتَحَاشَى مِنْ مُؤْمِنِهَا، وَلَا يَفِي لِذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ، فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ» (رواه مسلم)

وهذه الأقسام الثلاثة هي:

  • الخارجون عن طاعة السلطان المفارقون للجماعة، وكان أهل الجاهلية من العرب لا يطيعون أميرًا عامًّا.
  • المقاتلون عصبيةً لقوم أو بلد أو طائفة. وسُمّيت الراية «عُمِّيَّة» لأن أمرها أعمى لا يُعرف وجهه، فلا يدري المقاتل لماذا قاتل، ولا يدري المقتول لماذا قُتل.
  • الخوارج على الأمة، وهم إما عداة غرضهم المال، كقطاع الطريق، أو طلاب رئاسة، وإما خارجون عن السنة يستحلون دماء أهل القبلة كالحرورية الذين قاتلهم علي رضي الله عنه.

واستشهد الشيخ بحديث:

«وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى النَّاسِ يَوْمٌ لَا يَدْرِي الْقَاتِلُ فِيمَ قَتَلَ، وَلَا الْمَقْتُولُ فِيمَ قُتِلَ»، فَقِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ؟ قَالَ: «الْهَرْجُ، الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ» (رواه مسلم)

المحور الرابع: حرمة دماء المسلمين وخطورة الفتن المعاصرة

أنزل الشيخ هذه الأحاديث على الفتن التي وقعت في بلاد المسلمين، كأحداث الجزائر وما جرى في مصر. وبيّن أنها من القتال الجاهلي، لأن المسلم فيها يقتل المسلم تحت رايات عُمِّيَّة. وأنكر توزيع لقب «الشهادة» على كل قتيل من كل طائفة، وبيّن أن الشهيد هو من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، وفق الضوابط والشروط الشرعية. واستدل على عِظَم الدم الحرام بقوله صلى الله عليه وسلم:

«لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ، مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا» (رواه البخاري)
«لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ» (رواه الترمذي والنسائي)
«إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ» (متفق عليه)

وانتقد الشيخ الاحتكام إلى الديمقراطية وما جرّته على الأمة من مرارات وإراقة للدماء. وبيّن أن الجميع مسؤولون أمام الله، الأتباع والمتبوعون، وأن المتبوعين سيتبرؤون من أتباعهم يوم القيامة، كما قال تعالى:

﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة: 166]

المحور الخامس: منهج السلف بين الإفراط والتفريط في التعامل مع ولاة الأمر

أكد الشيخ أن الواجب الرجوع إلى منهج السلف الصالح، فالصحابة أمَنة للأمة، والتمسك بمنهجهم سبيل النجاة. وحذّر من طرفين مذمومين: طرف يتملق الحكام ويوهمهم أن كل ما يفعلونه حق وصواب، وطرف يكفّرهم ويهيّج عليهم فتُسفك الدماء.

والوسط هو النصيحة الصادقة لوجه الله، وتذكيرهم بالله والأخذ بأيديهم إلى ما فيه صلاح البلاد والعباد، مع السمع والطاعة في غير معصية. واستشهد بقول الإمام الغزالي رحمه الله: «فساد الرعية بفساد الملوك، وفساد الملوك بفساد العلماء، وفساد العلماء بحب المال والجاه». وأكد أن جيوش المسلمين خط أحمر لا يجوز السعي في كسرها ولا تكفيرها، وأن على الدعاة أن يكونوا سببًا للأمن والأمان في بلادهم.

النقاط الرئيسية

  • كل أمر أضافه الشرع إلى الجاهلية في سياق الذم فهو مذموم منهي عنه، وهذا أصل في وجوب مخالفة أهل الجاهلية.
  • الإسلام أبطل الفخر بالأحساب والأنساب، والتفاضل عند الله بالتقوى وحدها.
  • الخروج عن الطاعة ومفارقة الجماعة من أحوال الجاهلية، ومن مات على ذلك مات ميتة جاهلية.
  • القتال تحت الراية العُمِّيَّة عصبيةً لقوم أو طائفة أو حزب قِتلة جاهلية لا شهادة فيها.
  • دماء المسلمين معصومة، واستحلالها في غاية الخطورة، وزوال الدنيا أهون على الله من قتل مسلم.
  • التعيير باللون أو الأصل من خصال الجاهلية، والواجب الإحسان إلى الخدم والعمال وعدم تكليفهم ما لا يطيقون.
  • منهج السلف وسط بين التملق للحكام والتهييج عليهم، وقوامه النصيحة الصادقة والسمع والطاعة في المعروف.

الفوائد والعبر

  • الحذر من الانخراط في أي قتال أو فتنة لا تتضح رايتها ولا شرعيتها، وأن يتأكد المسلم أين يضع قدمه قبل أن يلقى الله بدم حرام.
  • تطهير القلب من الكبر والفخر بالنسب أو المال أو اللون، وتذكّر أن الجميع من آدم، وآدم من تراب.
  • الإحسان إلى العمال والخدم ومن جعلهم الله تحت يدك: تطعمهم مما تأكل، وتعينهم إذا كلفتهم، وتذكر أن النعمة قد تزول.
  • الالتزام بمنهج السلف في معاملة ولاة الأمر، بالنصيحة الصادقة وترك التملق والتهييج، والاحتكام إلى الشرع لا إلى الأهواء والأنظمة الجاهلية.
  • الاعتبار بتقلب الزمان وزوال الدول والممالك، والاستعداد للموت بالثبات على الحق في سبيل الله.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات