شرح كتاب " اقتضاء الصراط المستقيم" (4) لفضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو الدرس الرابع من شرح كتاب «اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم» لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ويقدّمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يتناول الدرس بابًا مهمًّا من أبواب الكتاب، وهو إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بأن من أمته من سيتّبع سَنن من كان قبلها من الأمم، وبافتراق الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، وأن الناجية منها واحدة، هي التي تكون على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
وتظهر أهمية هذا الموضوع في أنه يكشف للمسلم أسباب التفرق والاختلاف، ويبيّن له خطر الأهواء والبدع والتحزب الذي يشقّ صفّ المسلمين، ويحذّره من الأئمة المضلّين الذين خافهم النبي صلى الله عليه وسلم على أمته أكثر من غيرهم. ويشرح الشيخ أسانيد هذه الأحاديث ودرجتها، ويستخرج منها ما يحتاج إليه المسلم في واقعه.
ويهدف الدرس إلى أن يعرف المشاهد صفات الفرقة الناجية، وأن يفهم الحكمة من أدعية النبي صلى الله عليه وسلم لأمته وما أُجيب منها وما مُنع، وأن يحرص على الثبات على منهج السلف الصالح مهما اشتدّت الفتن وكثرت الطرق.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: اتّباع سَنن الأمم السابقة والخوض كما خاضوا
يقرّر شيخ الإسلام أن كثيرًا من صور التشبه بأهل الكتاب في أعيادهم وغيرها يكون الداعي إليها في الغالب النساء. ثم ينتقل إلى معنى «الخوض كالذي خاضوا»، ويستدل بحديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما. ويبيّن الشارح أن في إسناد هذا الحديث عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي، وهو ضعيف من جهة الحفظ، لكنه كان آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر.
ويوضّح الشيخ أن ابن تيمية اختار حديث ابن عمرو بعينه لأن فيه ذكر المشابهة صريحًا، فهو يصف تقليد بعض هذه الأمة للأمم السابقة وصفًا دقيقًا، حتى في أقبح الأفعال.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أُمَّتِي مَا أَتَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ، حَتَّى إِنْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ أَتَى أُمَّهُ عَلَانِيَةً لَكَانَ فِي أُمَّتِي مَنْ يَصْنَعُ ذَلِكَ، وَإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَفَرَّقَتْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلَّا مِلَّةً وَاحِدَةً». قَالُوا: وَمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي». (رواه الترمذي)
المحور الثاني: حديث الافتراق وصفة الفرقة الناجية
يذكر الشيخ أن حديث الافتراق مشهور عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد رُوي من حديث أبي هريرة وسعد بن أبي وقاص ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن عوف وغيرهم رضي الله عنهم. ويرى أن حديث أبي هريرة حسن صحيح. ثم يردّ على من أنكر الحديث وزعم أن الصحيح فيه «كلها في الجنة إلا واحدة»، ويصف هذا القول بأنه جرأة على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويبيّن أن الفرق الاثنتين والسبعين هي التي خاضت كما خاض من كان قبلها، وأن الفرقة الواحدة هي الناجية المنصورة، أي الجماعة التي تلزم ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. ويذكر أن الاختلاف المذكور في هذه الأحاديث قد يكون في الدين وحده، وقد يكون في الدين والدنيا معًا، وقد يتطوّر إلى سفك الدماء وخروج الخوارج.
وفي حديث معاوية رضي الله عنه: «إِنَّ أَهْلَ الْكِتَابَيْنِ افْتَرَقُوا فِي دِينِهِمْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَإِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً -يَعْنِي الْأَهْوَاءَ- كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ، وَإِنَّهُ سَيَخْرُجُ فِي أُمَّتِي أَقْوَامٌ تَتَجَارَى بِهِمْ تِلْكَ الْأَهْوَاءُ كَمَا يَتَجَارَى الْكَلَبُ بِصَاحِبِهِ، لَا يَبْقَى مِنْهُ عِرْقٌ وَلَا مَفْصِلٌ إِلَّا دَخَلَهُ». (رواه أحمد وأبو داود)
المحور الثالث: ذمّ التفرق والتحزب ووجوب لزوم الصراط الواحد
يستدل شيخ الإسلام بالآيات التي تنهى عن التفرق والاختلاف. ويشرح الشيخ أن بين التفرق والاختلاف تلازمًا، فكل واحد منهما سبب للآخر: الناس اختلفوا لأنهم تفرقوا، وتفرقوا لأنهم اختلفوا. ويقرّر أن الصراط المستقيم طريق واحد، هو ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وسلف الأمة.
ويحذّر الشيخ من الأحزاب التي فرّقت صفّ المسلمين، فقد كان حزب الله واحدًا ثم صار الناس أحزابًا وشيعًا. ويفرّق بين الجماعات الدعوية المستقيمة على منهج السلف، والجماعات التي تخالف منهج أهل السنة فتصير من الفرق والشيع. ويحذّر كذلك من التنازل عن شيء من دين الله طلبًا لمكاسب الدنيا.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: 105]
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 159]
وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: 153]
المحور الرابع: دعوات النبي صلى الله عليه وسلم لأمته وحفظ الله لها
يشرح الشيخ حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في مرور النبي صلى الله عليه وسلم بمسجد بني معاوية. ويستفيد منه جواز نسبة المسجد إلى قبيلة أو عائلة، كما يقال: مسجد بني فلان. ويبيّن معنى «السَّنة» في الحديث، وهي الجدب والقحط. والمقصود أن الأمة كلها لا تهلك بالقحط ولا بالغرق كما هلك فرعون وجنده، وإن أصاب ذلك بعض أفرادها أو بعض بلدانها.
ويذكر أن ما مُنعه النبي صلى الله عليه وسلم هو ألّا يجعل الله بأس الأمة بينها. ومن هنا وقع الاقتتال والفتن بين المسلمين. ويؤكد أن استئصال أهل الإسلام كلهم أمر مستحيل بوعد الله، فقد تُبتلى طائفة في مكان وتعتزّ طائفة أخرى في مكان آخر. ويضرب مثلًا بأصحاب الأخدود، فقد ثبتوا على إيمانهم حتى هلكوا جميعًا، وكان ثباتهم انتصارًا للعقيدة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سَأَلْتُ رَبِّي ثَلَاثًا، فَأَعْطَانِي ثِنْتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً: سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالسَّنَةِ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالْغَرَقِ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَمَنَعَنِيهَا». (رواه مسلم)
وقال صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَتِ السَّنَةُ بِأَنْ لَا تُمْطَرُوا، وَلَكِنِ السَّنَةُ أَنْ تُمْطَرُوا وَتُمْطَرُوا، وَلَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ شَيْئًا». (رواه مسلم)
المحور الخامس: الخوف على الأمة من الأئمة المضلّين
يشرح الشيخ حديث ثوبان رضي الله عنه، ويقف عند الزيادة التي رواها الحافظ البرقاني: «وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين». ويبيّن أن ضلال من يعدّه الناس عالمًا يُضلّ به خلق كثير. ويرى أن هذا الخطر أشد على الأمة من الدجال، لأن الدجال مكشوف الأمر: مكتوب بين عينيه «كافر» وهو أعور، والمؤمن مأمور بالفرار منه. أما الإمام المضلّ فيلبس الحق بالباطل، وقد يُخرج الناس من منهج السلف باسم السلفية، ويُضلّهم عن دينهم باسم الدين.
ويستشهد الشيخ بحديث حذيفة رضي الله عنه في وصف الدعاة على أبواب جهنم، وبقوله تعالى في فرعون وملئه إنهم أئمة يدعون إلى النار. ويذكّر بأن الإمام قد يكون إمام هدى، وقد يكون إمام ضلالة. ويحثّ أهل العلم على قول الحق وصيانة العلم، ويذكّرهم بأن الشيب نذير بقرب الأجل.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِيَ الْأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا... وَإِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الْأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ، وَإِذَا وُضِعَ السَّيْفُ فِي أُمَّتِي لَمْ يُرْفَعْ عَنْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».
وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص: 41]
وفي وصف الدعاة على أبواب جهنم: «هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا». (متفق عليه)
النقاط الرئيسية
- أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من أمته من سيتّبع سَنن الأمم السابقة حذو النعل بالنعل، وهذا تحذير من التشبه بهم.
- حديث افتراق الأمة على ثلاث وسبعين فرقة حديث مشهور ثابت، ومن أنكره فقد ردّ ما صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم.
- الفرقة الناجية هي الجماعة، وضابطها أن تكون على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
- التفرق والاختلاف متلازمان، والصراط المستقيم طريق واحد لا يتعدد.
- حفظ الله الأمة من الهلاك العام بالقحط والغرق، ولكن جعل بأسها بينها، فلا يُستأصل أهل الإسلام جميعًا.
- أخوف ما خافه النبي صلى الله عليه وسلم على أمته الأئمة المضلّون الذين يلبسون الحق بالباطل.
- الثبات على العقيدة انتصار لها حتى إن هلك أصحابها، كما كان حال أصحاب الأخدود.
الفوائد والعبر
- أن يحرص المسلم على لزوم منهج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ويجعله ميزانًا يزن به الأقوال والجماعات والدعوات.
- أن يحذر من التشبه بغير المسلمين في أعيادهم وشعائرهم، وأن ينتبه لمداخل ذلك إلى بيته وأسرته.
- أن يتثبّت ممن يأخذ عنه دينه، فلا يغترّ بالمظاهر والألقاب، لأن الإمام المضلّ أخطر على الدين من الفتن الظاهرة.
- أن يسعى إلى جمع الكلمة على الحق، ويبتعد عن التحزب والتعصب الذي يفرّق صفّ المسلمين.
- أن يثق بوعد الله في حفظ هذه الأمة، فيثبت على دينه في أوقات الفتن، ويستعدّ للقاء الله بقول الحق والعمل به.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات