شرح كتاب " اقتضاء الصراط المستقيم" (33) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس الثالث والثلاثون من شرح كتاب «اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم» لشيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري حفظه الله. يكمل الشيخ في هذا الدرس كلام المصنف عن الأدعية المبتدعة وعن الدعاء عند القبور والأماكن التي لم يشرع الله تخصيصها بالدعاء. ويرد على شبهة شائعة يتمسك بها أهل البدع، وهي أن الدعاء عند قبر أو في مكان مبتدع قد يُستجاب، فيظن صاحبه أن المكان هو سبب الإجابة.
يبين الشيخ منهج أهل السنة في باب الأسباب، وهو منهج وسط بين المغضوب عليهم والضالين والمتفلسفة. ويشرح الفرق بين الكرامة الحقيقية والأحوال الشيطانية، ويذكر أمثلة كثيرة من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم وكرامات الصحابة رضي الله عنهم. ثم يختم بأدب الدعاء عند الحجرة النبوية الشريفة، وبالفرق بين الدعاء الذي يقع عند القبر اتفاقًا وبين قصد القبر للدعاء عنده.
والغاية من هذا الدرس أن يعرف المسلم كيف يميّز بين السبب الشرعي الصحيح والسبب المتوهَّم، وأن يتعلق قلبه بالله وحده في دعائه، وأن يقف عند حدود الشرع في العبادة فلا يزيد فيها ولا يبتدع.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: شبهة استجابة الدعاء المبتدع والرد عليها
يبدأ الدرس بجواب شيخ الإسلام عن اعتراض مقدَّر، وهو أن تخلُّف الإجابة قد يكون لفوات شرط أو لوجود مانع. ومن فوات الشرط عدمُ حضور القلب وتركُ أكل الحلال، ومن الموانع أكلُ الحرام والدعاءُ بإثم أو قطيعة رحم. والقول الراجح الذي اختاره المصنف أن الإجابة إذا وقعت مع الدعاء المبتدع فإنها تقع لسبب آخر قدّره الله، لا لأجل المكان أو الزمان المبتدع.
والله سبحانه يقضي حاجات الخلق في كل وقت ويفرّج كرباتهم بأسباب لا يحصيها إلا هو. وقد قال المصنف إنه لم ير المطلوب يحصل مع الدعاء المبتدع إلا نادرًا، وأهل الأضرحة والقباب يدعون كثيرًا ولا يُستجاب لهم في الغالب. فنسبة الإجابة إلى الأسباب التي يعلمها الله أولى من نسبتها إلى أمر لم يثبت أنه سبب. ثم إن الاقتران لو كان دليلًا على أن المكان علة للإجابة، لكان تخلّف الإجابة في أكثر الأحوال دليلًا على أنه ليس بعلة.
وقد قال الله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: 29].
المحور الثاني: مذاهب الناس في الأسباب ومنهج أهل الحق
ذكر المصنف أن الناس في الأسباب ثلاث فرق:
- المغضوب عليهم: يطعنون في عامة الأسباب المشروعة وغير المشروعة، ويقولون إن الدعاء المشروع قد يؤثر وقد لا يؤثر. ويتصل بهذا كلامهم في دلالة الآيات على صدق الأنبياء عليهم السلام.
- الضالون: يتوهمون أن كل ما يتخيلونه سببٌ، ويتبعون أوهامهم في ذلك.
- المتكايسون من المتفلسفة: يدّعون الكياسة والعقل، ويحيلون الحوادث على أمور فلكية وقوى نفسانية وأسباب طبيعية، ولا ينظرون إلى ما وراءها من قدرة الله.
أما المهتدون من أهل الحق فلا ينكرون ما خلقه الله في الأجسام والأرواح من قوى وطبائع، لأن ذلك كله من خلق الله. لكنهم يؤمنون أيضًا بقدرة الله التي فوق ذلك كله، ويؤمنون بأن الله يخص ما شاء من خلقه بفضل. فالحجر الأسود والكعبة وعرفة وبعض الأزمنة والأمكنة مخصوصة بفضل اختصها الله به، كما خص نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بأن جعله سيد الخلق. وأحال الشيخ في هذا إلى كلام ابن القيم في مقدمة «زاد المعاد» عن الخلق والاصطفاء والاختيار.
قال الله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: 68]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» [متفق عليه]. وقال صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ بِأَحَبِّ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ إِلَيْكَ: بِأَبِي جَهْلٍ أَوْ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ» [رواه الترمذي].
المحور الثالث: المعجزات والكرامات والفرق بينها وبين الأحوال الشيطانية
يخرق الله العادة لأنبيائه ليُظهر صدقهم ويكرمهم. ويخرقها كذلك لأوليائه ليؤيد بهم الدين، أو ليعجّل لهم بعض ثوابهم في الدنيا، أو ليجلب لهم نعمة أو يدفع عنهم نقمة. والغاية من الكرامة نصرة الدين وإعزاز أهل الإيمان، وليست سببًا للتعالي على الناس أو التفاخر عليهم. ومن زعم أن الولي قد يخرج عن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم فهو زنديق.
وضابط ذلك أنك إذا رأيت رجلًا يمشي على الماء أو يطير في الهواء، فاعرض أقواله وأفعاله على الكتاب والسنة. ومن أمثلة الكرامات الصحيحة عبور الصحابة النهر بخيولهم كأنهم يمشون على الأرض، وكان ذلك نصرة للدين. أما من يستعين بالجن ليُظهر ما يسميه كرامة فذلك سحر وتلبيس شيطاني، وإن انخدع به الناس. وفي هذا الباب كتاب ابن تيمية «الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان».
ومن معجزات النبي صلى الله عليه وسلم الحسية أنه وضع يده الشريفة في ماء قليل فنبع الماء من بين أصابعه، فشرب منه الجيش الكثير. وبارك في الطعام القليل حتى أكل منه العشرات بعد العشرات. والعلم بأن هذه البركة كانت بسببه صلى الله عليه وسلم علمٌ ضروري يقيني، كما يُعلم يقينًا أن ضربة السيف الشديدة هي سبب موت المضروب. ودعا صلى الله عليه وسلم لأنس بن مالك رضي الله عنه فقال: «اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ، وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتَهُ» [رواه البخاري]. فطال عمره، ودفن من صلبه أكثر من مئة، وكان نخله يحمل في السنة مرتين على خلاف عادة أهل بلده.
المحور الرابع: الدعاء المشروع سبب عظيم والأدعية المحرمة أوهام
ومن كرامات الصحابة إجابة دعاء العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه حين قال: «يَا عَلِيمُ يَا حَلِيمُ يَا عَلِيُّ يَا عَظِيمُ، اسْقِنَا». فنزل المطر في يوم شديد الحر، ولم يجاوز عسكرهم. ثم عبروا النهر على دوابهم فلم تبتل أسافل أقدامها. ومن الأمثلة كذلك سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه الذي كان مجاب الدعوة. وأخبار إجابة الدعاء المشروع التي يعرفها الناس بالتجربة لا يحصيها إلا الله، كفقير دعا ربه فرزقه، وجبان دعا ربه فرزقه الشجاعة.
أما اعتقاد أن الأدعية المحرمة تؤثر فأكثر ما يوجد عند الجهال الذين لا يميزون بين الدليل وغيره، وعند أهل الكبائر الذين أظلمت قلوبهم بالمعاصي. وقرر المصنف قاعدة مهمة: كل ما يُظن أنه سبب لحصول المطلوب وهو محرم في الشريعة، فلا بد فيه من أحد أمرين. إما أنه ليس سببًا صحيحًا أصلًا، كدعاء من لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عن داعيه شيئًا. وإما أن ضرره أكثر من نفعه. فأما السبب الصحيح الذي منفعته أكثر من مضرته فلا ينهى عنه الشرع بحال.
ومن الضوابط كذلك أن كل عبادة وُجد سببها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولم يكن هناك مانع منها، ومع ذلك لم يفعلوها، فهي من البدع المنهي عنها. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاءٍ مَّعِينٍ﴾ [الملك: 30].
المحور الخامس: أدب الدعاء عند الحجرة النبوية والفرق بين الاتفاق والقصد
نقل المصنف ما ذكره الإمام أحمد وأصحاب مالك في كتب المناسك. فالزائر يسلّم على النبي صلى الله عليه وسلم ثم على صاحبيه رضي الله عنهما، وإذا أراد أن يدعو استقبل القبلة وجعل الحجرة الشريفة عن يساره، لئلا يستدبرها أدبًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبذلك يزول المحظور بلا خلاف. وأصل كلام الأئمة هنا كراهةُ الصلاة إلى القبر، وقد ثبت النهي عن ذلك.
ونبّه الشيخ على تفريق دقيق أشكل على بعض أهل العلم. فالدعاء الذي يقع عند القبر اتفاقًا، كدعاء زائر المقابر بالمأثور، أمرٌ مشروع. أما قصد القبر وتحرّي الدعاء عنده لاعتقاد أن له فضيلة فهو بدعة. ومن الدعاء المأثور عند زيارة القبور: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ» [رواه مسلم].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا تُصَلُّوا إِلَى الْقُبُورِ وَلَا تَجْلِسُوا عَلَيْهَا» [رواه مسلم]، وقال: «أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ» [رواه مسلم].
النقاط الرئيسية
- الإجابة التي تقع مع الدعاء المبتدع ترجع إلى أسباب أخرى قدّرها الله، لا إلى المكان أو الزمان المبتدع.
- منهج أهل السنة في الأسباب وسط: يثبتون ما خلقه الله من قوى وطبائع، ويؤمنون بقدرة الله التي فوقها، ولا يتبعون الأوهام.
- الكرامة الحقيقية غايتها نصرة الدين، ويُعرف صاحبها بعرض حاله على الكتاب والسنة، ومن خرج عن الشريعة فليس بولي.
- معجزات النبي صلى الله عليه وسلم في تكثير الماء والطعام، وبركة دعائه لأنس رضي الله عنه، يُعلم بها يقينًا أن هذه الآثار كانت بسببه.
- كل سبب محرم يُظن نفعه فهو إما ليس سببًا صحيحًا أصلًا، وإما أن ضرره أكثر من نفعه.
- كل عبادة وُجد سببها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا مانع منها ولم يفعلها فهي بدعة.
- عند الحجرة النبوية يستقبل الداعي القبلة ويجعل الحجرة عن يساره. والدعاء عند القبر اتفاقًا مشروع، وقصد القبر للدعاء بدعة.
الفوائد والعبر
- أن تتمسك بالدعاء المشروع وتتعلق بالله وحده، وأن تأخذ بشروط الإجابة كحضور القلب وأكل الحلال، وتجتنب موانعها.
- ألا تغترّ بخوارق يُظهرها من يخالف الشرع، وأن تزن كل حال بميزان الكتاب والسنة بفهم السلف.
- أن تحذر من نسبة الحوادث إلى غير الله، كالنجوم والأضرحة والأوهام، فالأمر كله بيد الله.
- أن تتأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم عند زيارة مسجده، فتستقبل القبلة عند الدعاء ولا تتخذ قبره قبلة.
- أن تتعلم التفريق الدقيق بين المتشابهات في أبواب العقيدة، كالفرق بين الدعاء عند القبر اتفاقًا وقصده للدعاء، فهذا من الفقه في الدين.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات