شرح كتاب " علل الترمذي " للحافظ ابن رجب الحنبلي ( 30) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو الدرس الثلاثون من شرح كتاب «شرح علل الترمذي» للحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ويبدأ فيه الشيخ القسم السادس من الكتاب. فبعد أن فرغ ابن رجب من ذكر أصحاب كبار الأئمة والعلماء المكثرين، انتقل إلى طائفة من الثقات لا يُذكر أكثرهم في كتب الجرح غالبًا، مع أن حديثهم ضعيف في بعض الأحوال دون بعض.
وتظهر خطورة هذا الباب في أن الراوي قد يكون ثقة لم يُطعن فيه، ثم يُضعَّف حديثه في وقت دون وقت، أو في مكان دون مكان، أو عن شيخ دون شيخ. ومن لم يعرف هذه التفاصيل قد يصحّح حديثًا ضعيفًا لمجرد أن رجال إسناده ثقات، وربما خطّأ الأئمة الحفاظ وهو المخطئ.
ويهدف الدرس إلى ما يلي:
- فهم معنى الاختلاط وأثره في رواية الثقات.
- معرفة من سمع من عطاء بن السائب قبل اختلاطه ومن سمع منه بعده.
- معرفة الضوابط التي ذكرها الأئمة للتمييز بين صحيح حديثه وضعيفه.
- التعرّف على حال حصين بن عبد الرحمن السلمي ومنهج الشيخين في الانتقاء من حديثه.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: افتتاح المجلس والتعريف بالقسم السادس من الكتاب
افتتح الشيخ المجلس بخطبة الحاجة. فيها الحمد لله والاستعانة به، والتذكير بتقوى الله، والتحذير من محدثات الأمور. قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71].
وفي الخطبة قوله ﷺ: «فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ».
ثم بيّن الشيخ أن القسم السادس يتناول ثقات ضُعِّف حديثهم من جهات مخصوصة، وأنه ثلاثة أنواع:
- بحسب الزمان: من ضُعِّف حديثه في بعض الأوقات دون بعض.
- بحسب المكان: من صحّ حديثه في بلد كاليمن وضعف في بلد آخر كالبصرة.
- بحسب الشيوخ: من كان ثقة في شيخ كالليث ضعيفًا في غيره.
وبدأ ابن رجب بالنوع الأول، وأكثر أصحابه هم الثقات الذين خلّطوا في آخر أمرهم.
المحور الثاني: حقيقة الاختلاط ودرجاته
الاختلاط تغيّر يصيب العقل، يشبه بدايات الجنون، فتضطرب معلومات الراوي ويدخل كلامه بعضه في بعض. ويقع غالبًا عند الكِبَر. وقد يُمتَّع بعض العلماء بعقولهم وحواسهم إلى التسعين وما بعدها، كالشيخ ابن باز رحمه الله، بينما يتغيّر آخرون بعد الثمانين أو بسبب مصيبة نزلت بهم.
والمختلطون متفاوتون في تخليطهم. فمنهم من خلّط تخليطًا فاحشًا حتى غلب ذلك على عقله، ومنهم من خلّط تخليطًا يسيرًا. ونبّه الشيخ إلى أن الاختلاط قد يكون من الأسباب الطارئة، وأن الراوي قد يكون على العكس: ضعيفًا في أول أمره، ثم يصير يحدّث من كتابه لا من حفظه فيتحسّن حديثه.
ومن الكتب المفردة في هذا الباب كتاب «الكواكب النيرات في معرفة من اختلط من الرواة الثقات» لابن الكيّال، وقد ذكر فيه من سمع من كل مختلط قبل تغيّره ومن سمع منه بعده.
المحور الثالث: عطاء بن السائب وطبقات الرواة عنه
عطاء بن السائب الثقفي الكوفي، أبو زيد، توفي سنة ست وثلاثين ومئة، وهو من أعيان المختلطين. وقد ذكر الترمذي في جامعه، في «باب كراهية التزعفر والخلوق للرجال»، أنه كان في آخر أمره قد ساء حفظه. وقال يحيى بن سعيد القطان: من سمع منه قديمًا فسماعه صحيح، وسماع شعبة وسفيان صحيح، إلا حديثين عن عطاء عن زاذان قال شعبة إنه سمعهما منه بأخرة. ويقسم الرواة عنه ثلاث طبقات:
- من سمع منه قبل الاختلاط: شعبة، والسفيانان (الثوري وابن عيينة)، وحماد بن زيد، وهشام الدستوائي.
- من سمع منه قبل الاختلاط وبعده: أبو عوانة الوضّاح اليشكري، وحماد بن سلمة. ويُتوقّف في حديثهما عنه حتى يتبيّن متى سمعاه.
- من سمع منه بعد الاختلاط: جرير بن عبد الحميد الضبي، وخالد بن عبد الله الطحان، وإسماعيل بن علية، وعلي بن عاصم، ومحمد بن فضيل بن غزوان، ووهيب بن خالد، وعبد الوارث بن سعيد التنوري، وهشيم بن بشير الواسطي.
أما سفيان بن عيينة فقد سمع منه أولًا، ثم لما قدم عطاء عليهم مرة أخرى رآه يخلّط فيما كان سمعه منه قديمًا، فتركه واعتزله. فميّز صحيح حديثه من سقيمه. وقال الإمام أحمد: سماع ابن عيينة وسماع الثوري متقاربان.
ومن الأمثلة العملية أن الشيخ توقّف في تصحيح حديث «ماشطة بنت فرعون» وإن أخرجه ابن حبان في صحيحه، لأنه من طريق حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب. ويُعرف ما رواه حماد أو أبو عوانة قبل الاختلاط بطريقين: أن يوافقهما من سمع منه قديمًا، أو أن يأتي الحديث عن الصحابي أو التابعي نفسه من طريق أخرى.
ونقل ابن رجب عن ابن معين أن جميع ما روي عن عطاء كان في الاختلاط إلا رواية شعبة وسفيان. وعلّق الشيخ بأن في هذا الكلام نظرًا، لأن حماد بن زيد وابن عيينة والدستوائي وغيرهم سمعوا منه قبل الاختلاط أيضًا.
المحور الرابع: ضوابط الأئمة للتمييز في حديث عطاء
ذكر ابن رجب أقوالًا للأئمة في الحدّ الفاصل بين صحيح حديث عطاء وضعيفه:
- ضابط المكان: من سمع منه بالكوفة فسماعه صحيح، ومن سمع منه بالبصرة فسماعه ضعيف. نقله أبو داود عن أحمد.
- ضابط القدوم: دخل عطاء البصرة مرتين. فمن سمع منه في القدمة الأولى كالحمّادين والدستوائي فسماعه صحيح، ومن سمع منه في الثانية كوهيب وابن علية وعبد الوارث فسماعه ضعيف.
- ضابط الإفراد والجمع: إذا حدّث عن رجل واحد بعينه فحديثه جيد، وإذا جمع جماعة في حديث واحد فحديثه ضعيف. ودليله قول شعبة لابن علية: «ما حدّثك عطاء بن السائب عن رجاله: زاذان وميسرة وأبي البختري فلا تكتبه، وما حدّثك عن رجل بعينه فاكتبه».
- ضابط الشيوخ: إذا حدّث عن أبيه فحديثه صحيح، وإذا حدّث عن ميسرة وزاذان بعد التغيّر فهو مضطرب.
ومما يوضّح ضابط الجمع ما رواه أبو بكر بن أبي الأسود عن عبد الوارث قال: كان عطاء إذا سُئل عن الشيء قال: «كلا أصحابنا»، ثم يذكر أبا البختري وزاذان وميسرة. قال: فخفت أن يجيء بهذا على التوهّم، فلم أحمل عنه شيئًا.
المحور الخامس: حصين بن عبد الرحمن السلمي ومنهج الشيخين في حديثه
حصين بن عبد الرحمن السلمي الكوفي، أبو الهذيل، توفي سنة ست وثلاثين ومئة. وهو أحد الثقات الأعيان المحتجّ بهم في الصحيحين. قال ابن معين: اختلط بأخرة، وقال أبو حاتم الرازي: ساء حفظه في آخر عمره.
وقال يزيد بن الهيثم عن ابن معين: ما روى هشيم وسفيان عن حصين صحيح، ثم إنه اختلط. وقال: أصحّهم سماعًا منه سفيان الثوري وهشيم. ولم يلتفت إلى رواية جرير عنه لأنه سمع منه بعد الاختلاط. وقال أحمد: هشيم لا يكاد يسقط عليه شيء من حديث حصين.
وتظهر دقة الإمامين البخاري ومسلم في انتقائهما من حديث حصين. فقد أخرجا له من رواية شعبة، والثوري، وخالد الطحان الواسطي، وعبثر بن القاسم، وهشيم، وأبي عوانة، ومحمد بن فضيل. وانفرد البخاري بالإخراج له من رواية زائدة بن قدامة، وحصين بن نمير، وسليمان بن كثير، وعبد العزيز بن مسلم، وعبد العزيز بن عبد الصمد العمي، وأبي بكر بن عياش، وأبي كدينة يحيى بن المهلب. وانفرد مسلم بالإخراج له من رواية أبي الأحوص سلام بن سليم، وزياد البكائي، وعبد الله بن إدريس، وعباد بن العوام.
وأنكر علي بن المديني وغيره أن يكون حصين قد اختلط، وقالوا إنما ساء حفظه كما قال أبو حاتم. وعلى هذا القول يكون حديثه صحيحًا من رواية من سمع منه قبل تغيّره.
وختم الشيخ بالتنبيه على تفاوت العلماء في العلم، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76]، وأن الكمال المطلق لله وحده في علمه وأقواله وأفعاله سبحانه.
النقاط الرئيسية
- القسم السادس من شرح العلل يتناول ثقات ضُعِّف حديثهم بحسب الزمان أو المكان أو الشيوخ.
- الاختلاط تغيّر في العقل يصيب الراوي غالبًا عند الكِبَر، والمختلطون متفاوتون بين تخليط فاحش وتخليط يسير.
- من سمع من عطاء بن السائب قبل الاختلاط: شعبة والسفيانان وحماد بن زيد والدستوائي.
- أبو عوانة وحماد بن سلمة سمعا من عطاء قبل الاختلاط وبعده، فيُتوقّف في حديثهما عنه حتى يتبيّن.
- من ضوابط التمييز في حديث عطاء: الكوفة والبصرة، والقدمة الأولى والثانية، والإفراد والجمع بين الشيوخ.
- أصحّ الناس سماعًا من حصين بن عبد الرحمن هشيم والثوري، وقد انتقى الشيخان من حديثه ما رواه عنه الثقات قبل تغيّره.
- من لم يعرف علم العلل قد يصحّح الضعيف لمجرد ثقة رجاله، ويخطّئ الأئمة وهو المخطئ.
الفوائد والعبر
- التثبت قبل الحكم على الحديث: ينبغي لطالب العلم ألا يكتفي بالنظر في تراجم الرجال، بل يبحث في أحوال الرواية ومتى سمع الراوي من شيخه وأين.
- التأدب مع الأئمة: لا يتعجّل طالب العلم في تخطئة الحفاظ كابن حجر وغيره، فقد يكون الخطأ منه هو لجهله بهذه الدقائق.
- الإفادة من الكتب المتخصصة: يحسن بطالب العلم الرجوع إلى كتب المختلطين، مثل «الكواكب النيرات» لابن الكيّال، عند دراسة الأسانيد.
- الاقتداء بمنهج الشيخين: في دقة انتقاء البخاري ومسلم لحديث الرواة درس عملي في منهج النقد الحديثي.
- سؤال الله العافية: يُشرع للمسلم أن يسأل الله حسن الخاتمة وأن يمتّعه بعقله وسمعه وبصره، وأن يتواضع في علمه، فإن ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات