شرح كتاب " علل الترمذي " للحافظ ابن رجب الحنبلي ( 34) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس الرابع والثلاثون من شرح كتاب «شرح علل الترمذي» للحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ويتناول المجلس جزءًا دقيقًا من علم العلل، وهو الرواة الذين يشتبه فيهم الضعيف بالثقة. يقع هذا الاشتباه بطريقين: إما خطأ من الراوي يظن به الضعيفَ ثقةً لتقارب الاسمين، وإما تدليس متعمَّد يسمّي فيه الراوي شيخه الضعيف أو يكنّيه بما يوهم أنه ثقة معروف.
وأهمية هذا الباب أن ظاهر الإسناد قد يبدو صحيحًا ورجاله ثقات، وفي داخله راوٍ ضعيف أو متروك أو كذاب. ولا يكشف ذلك إلا الأئمة النقاد الذين عرفوا الرواة وشيوخهم وتلاميذهم وطرق تحديثهم. ولذلك عُدّ علم العلل من أدق علوم الحديث وأشرفها.
ويهدف هذا المجلس إلى أن يعرف طالب العلم صورًا عملية لالتباس الأسماء على الثقات، وأن يميّز تدليس الشيوخ وتدليس التسوية، وأن يعرف أسانيد مشهورة سقط منها الضعيف عمدًا، وأن يتعلّم الاحتياط عند الحكم على الأسانيد.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: من روى عن ضعيف فسمّاه باسم ثقة خطأً
بدأ الحافظ ابن رجب بالثقات الذين اشتبه عليهم شيخ ضعيف بشيخ ثقة لتقارب الاسمين. وأول من ذكرهم أبو أسامة حماد بن أسامة الكوفي، فقد روى عن «عبد الرحمن بن يزيد» وظنه ابنَ جابر الدمشقي الثقة، وهو في الحقيقة عبد الرحمن بن يزيد بن تميم الضعيف. ورأى محمد بن عبد الله بن نمير أن أبا أسامة علم ذلك وتغافل عنه. أما أبو داود فقال: كل ما جاء عن أبي أسامة «حدثنا عبد الرحمن بن يزيد» فهو ابن تميم. ورجّح الشيخ أن أبا أسامة لم يتعمّد ذلك، وإنما التبس عليه الأمر، ولهذا قبل الأئمة حديثه وروى له الجماعة.
ومن أمثلة ما رواه أبو أسامة بهذا الطريق حديث: «الحُمَّى حَظُّ المُؤْمِنِ مِنَ النَّارِ»، وهو ضعيف بهذا الإسناد. ورواه بعض الشاميين عن ابن تميم صراحةً، فدلّ ذلك على أن أبا أسامة إنما أخذه عن ابن تميم. أما الثابت في الصحيحين فهو قوله ﷺ: «الحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَأَبْرِدُوهَا بِالمَاءِ».
والمثال الثاني حسين بن علي الجعفي، روى عن ابن جابر عن أبي الأشعث عن أوس بن أوس مرفوعًا: «أَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ». فأعلّه البخاري وأبو زرعة وأبو حاتم وأبو داود وابن حبان، وقالوا: إنما سمع من ابن تميم. وخالفهم العجلي والدارقطني فأثبتا سماعه من ابن جابر. وقال البخاري: أهل الكوفة يروون عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر أحاديث مناكير، وإنما أرادوا ابن تميم.
والمثال الثالث زهير بن معاوية، روى عن «واصل بن حيان» عن ابن بريدة أحاديث، منها حديث الكمأة وحديث الحبة السوداء. فقال أحمد وأبو داود وأبو حاتم: إنما هو صالح بن حيان، وفيه ضعف، فقلب زهير اسمه. وقال ابن معين: سمع منهما جميعًا. ونبّه ابن رجب على أن كثيرًا من المتأخرين يخلطون بين صالح بن حيان القرشي وصالح بن حَيّ الهمداني والد الحسن وعلي، وهذا الأخير ثقة كبير. ومن هذا الباب أيضًا أبو بلج الفزاري، روى عن «عمرو بن ميمون» عن ابن عباس أحاديث في فضل علي رضي الله عنه. وذكر الحافظ عبد الغني بن سعيد أنه أخطأ في الاسم، وأن الصواب ميمون أبو عبد الله مولى عبد الرحمن بن سمرة، وهو ضعيف. وكذلك جرير بن عبد الحميد، اختلطت عليه أحاديث عاصم الأحول بأحاديث أشعث بن سوار حتى ميّزها له بَهْز. ولذلك قال الإمام أحمد: لم يكن جرير ذكيًّا في الحديث. وذكر أيضًا روايات الشاميين عن زهير بن محمد، وقد قال البخاري في الشيخ الذي يروون عنه: كأن حديثه موضوع، وليس هو عندي زهير بن محمد.
المحور الثاني: تدليس الشيوخ، أي تسمية الضعيف بما يوهم أنه ثقة
هذا نوع من أنواع التدليس، وفيه يروي الراوي عن شيخ ضعيف، ثم يكنّيه أو ينسبه بما يجعل السامع يظنه ثقة مشهورًا. ومن أشهر أمثلته عطية العوفي، كان يأخذ التفسير عن الكلبي المتهم ويكنّيه «أبا سعيد»، فيقول: قال أبو سعيد، فيظن السامع أنه أبو سعيد الخدري. ورجّح ابن رجب أن التوقف يكون فيما يحكيه عطية عن أبي سعيد في التفسير خاصة، أما الأحاديث المرفوعة فيريد بها أبا سعيد الخدري، ويصرّح في بعضها بنسبته.
ومن أمثلته الوليد بن مسلم الدمشقي، كان كثير التدليس، وكان يقول عن عبد الرحمن بن يزيد بن تميم الضعيف: «حدثنا أبو عمرو»، فيظن السامع أنه الأوزاعي. لذلك لا يُحمل قوله «أبو عمرو» على الأوزاعي حتى يُتيقَّن منه. ومنها بقية بن الوليد، وهو من أكثر الناس تدليسًا، كان يروي عن سعيد بن عبد الجبار الزبيدي أو زرعة بن عمرو الزبيدي، وكلاهما ضعيف، فيقول: «حدثنا الزبيدي»، فيُظن أنه محمد بن الوليد الزبيدي صاحب الزهري. وقد وقع ذلك في حديث الكحل للصائم. فبقية يجمع بين تدليس التسوية وتدليس الشيوخ.
ومنها الحسين بن واقد المروزي، كان يروي عن «أيوب عن نافع عن ابن عمر»، وله شيخان اسم كل منهما أيوب: أيوب السختياني الإمام الثقة، وأيوب بن خوط وهو ضعيف جدًّا. فما كان منكرًا من رواياته بهذا الإسناد فهو من رواية ابن خوط، كما ذكر ابن حبان.
المحور الثالث: تدليس التسوية وأسانيد سقط منها الضعيف
من أخطر أنواع التدليس أن يُسقَط الضعيف من الإسناد كله. ومنه تدليس التسوية، وصورته أن يروي الراوي عن شيخ ثقة، وهذا الشيخ رواه عن ضعيف عن ثقة، فيُسقط الراوي الضعيفَ من الوسط، فيصير الإسناد كله ثقات في الظاهر. وممن فعل ذلك الوليد بن مسلم وسنيد بن داود وغيرهما. وذكر ابن رجب أن تتبّع الأحاديث التي وقع فيها ذلك واحدًا واحدًا يطول جدًّا، فاكتفى بذكر أسانيد اعتاد رواتها إسقاط الضعيف منها.
ومن هذه الأسانيد:
- عبد الرزاق عن ابن جريج عن صفوان بن سليم: سأل أبو مسعود أحمد بن الفرات عبدَ الرزاق عنها، فقال: هي من أحاديث إبراهيم بن أبي يحيى، وهو متروك، فتركها أبو مسعود ولم يسمعها.
- ابن جريج عن المطلب بن عبد الله بن حنطب: قال ابن المديني: لم يسمع منه، وإنما أخذها عن ابن أبي يحيى. وكل ما في كتب ابن جريج بلفظ «أُخبرت عن داود بن الحصين» أو «أُخبرت عن صالح مولى التوأمة» فهو من كتب إبراهيم بن أبي يحيى.
- عباد بن منصور الناجي عن عكرمة عن ابن عباس: قيل إنها كلها مأخوذة عن ابن أبي يحيى عن داود بن الحصين عن عكرمة، ومنها حديث اللعان، وحديث: «نِعْمَ العَبْدُ الحَجَّامُ»، وحديث: «اكْتَحِلُوا بِالإِثْمِدِ، فَإِنَّهُ يَجْلُو البَصَرَ وَيُنْبِتُ الشَّعْرَ». وقد صرّح عباد نفسه لما سُئل بأن ابن أبي يحيى حدّثه بها عن داود عن عكرمة.
المحور الرابع: إسقاط الكذابين والمتهمين من الأسانيد
ومن هذا الباب أحاديث الحسن بن ذكوان عن حبيب بن أبي ثابت عن عاصم بن ضمرة عن علي رضي الله عنه. فإنما رواها الحسن عن عمرو بن خالد الواسطي، وهو كذاب متهم بالوضع، ثم أسقطه من الإسناد. وقد قال الإمام أحمد إنها كلها بواطيل، وقال ابن المديني نحو ذلك. وقال ابن معين: بين الحسن وحبيب رجل غير ثقة.
ومن ذلك حديث ابن جريج عن حبيب في كشف الفخذ: «لَا تُبْرِزْ فَخِذَكَ، وَلَا تَنْظُرْ إِلَى فَخِذِ حَيٍّ وَلَا مَيِّتٍ». قال أبو حاتم: لم يسمعه ابن جريج من حبيب، وأرى أنه أخذه عن الحسن بن ذكوان عن عمرو بن خالد عن حبيب. وقال ابن المديني: أحاديث حبيب عن عاصم بن ضمرة لا تصح.
ومن ذلك أيضًا ما يرويه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي، قاضي إفريقية، عن عتبة بن حميد عن عبادة بن نسي عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ بن جبل رضي الله عنه. فهذه مأخوذة عن محمد بن سعيد المصلوب في الزندقة، المشهور بالكذب والوضع، وقد سقط اسمه بين عتبة وعبادة. ومنها حديث معاذ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ إِذَا تَوَضَّأَ مَسَحَ وَجْهَهُ بِطَرَفِ ثَوْبِهِ». ونبّه الشيخ على أن الإفريقي وإن كان ضعيفًا في حفظه فقد كان رجلًا جليلًا أمّارًا بالمعروف نهّاءً عن المنكر.
المحور الخامس: من سمع من ثقة مع ضعيف فأفسد عليه حديثه
ختم المجلس بصورة أخرى من صور دخول الخلل على الثقة، وهي أن يكتب مع ضعيف عند شيخ واحد، فيُملي عليه الضعيف ما لم يسمعه من الشيخ. ومن أمثلة ذلك عثمان بن صالح المصري، كان يكتب الحديث مع خالد بن نجيح، فكان خالد يُملي عليهم ما لم يسمعوه، فابتُلي عثمان بذلك.
وابتُلي بمثل ذلك أبو صالح كاتب الليث، في حديث زهرة بن معبد عن سعيد بن المسيب عن جابر، فهو ليس من حديث الليث، وإنما هو من حديث خالد بن نجيح. ويدخل في هذا الباب أيضًا حسين الجعفي على قول ابن معين في سماعه من الشيخين.
النقاط الرئيسية
- تقارب الأسماء قد يجعل الثقة يروي عن ضعيف ظانًّا أنه ثقة، كما وقع لأبي أسامة حين التبس عليه ابن تميم بابن جابر.
- رواية الكوفيين عن «عبد الرحمن بن يزيد بن جابر» تُحمل في الغالب على ابن تميم الضعيف، كما قال البخاري.
- رجّح الشيخ أن خطأ الثقة في اسم شيخه لا يُحمل على التعمّد ما دام يمكن حمله على الالتباس، ولذلك قبل الأئمة حديث أبي أسامة.
- تدليس الشيوخ هو أن يُكنّى الضعيف أو يُنسب بما يوهم أنه ثقة، كتكنية عطية العوفي للكلبي «أبا سعيد»، وقول الوليد بن مسلم «أبو عمرو» وهو يريد ابن تميم.
- تدليس التسوية من أخطر أنواع التدليس، لأنه يُسقط الضعيف من وسط الإسناد، فيبدو الإسناد كله ثقات.
- من الأسانيد التي سقط منها الضعيف: روايات ابن جريج عن صفوان بن سليم، وعباد بن منصور عن عكرمة، فمرجعها إلى إبراهيم بن أبي يحيى المتروك. ومنها روايات الحسن بن ذكوان عن حبيب، ومرجعها إلى عمرو بن خالد الكذاب.
- قد يكتب الثقة مع ضعيف عند شيخ واحد فيُملي عليه الضعيف ما لم يسمعه، كما وقع لعثمان بن صالح وأبي صالح كاتب الليث مع خالد بن نجيح.
الفوائد والعبر
- لا يكفي ظاهر الإسناد: لا يُحكم على الحديث بالصحة لمجرد أن رجاله ثقات في الظاهر، بل لا بد من النظر في العلل الخفية والرجوع إلى كلام الأئمة النقاد.
- دقة الأئمة وأمانتهم: فقد ميّزوا الرواة المتشابهين في الأسماء، وكشفوا التدليس، فحفظ الله بهم السنة النبوية من الدخيل.
- الإنصاف في الحكم على الرجال: يُحمل خطأ الثقة على الالتباس ما أمكن، ولا يُتّهم بالتعمّد بغير بيّنة، كما فعل الشيخ في الترجيح لأبي أسامة.
- ضبط الكتابة والسماع: على طالب العلم أن يتحرّى في ضبط ما يسمعه وما يكتبه، ولا يعتمد على إملاء غيره، حتى لا يدخل في حديثه ما ليس منه.
- إتقان أسماء الرواة وكناهم: فعلى الطالب أن يعتني بأسماء الرواة وكناهم وأنسابهم وطبقاتهم، وأن يتنبّه لقول المدلس «أبو عمرو» و«الزبيدي» و«أبو سعيد» ونحوها، حتى لا يغترّ بها.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات