شرح علل الترمذي " قواعد في علم الرجال "( 37) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري

2,078 مشاهدة
253 مشاركة
منذ 3 سنوات

المقدمة

يُعدّ علم العلل من أدقّ علوم الحديث وأشرفها، فبه يُميَّز الصحيح من السقيم، ويُعرف مواطن الخلل الخفيّ في الأسانيد والمتون مما لا يظهر لغير الأئمة النقّاد. وكتاب «شرح علل الترمذي» للحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله من أنفس ما صُنِّف في هذا الباب. وقد ختمه مؤلفه بجملة من القواعد الكلية في علم الرجال، قال عنها: «هي في هذا العلم كالقواعد الكليات يدخل تحتها كثير من الجزئيات».

وفي هذا المجلس السابع والثلاثين يواصل فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري شرح هذه القواعد. فيتناول مسألة الرواة المتفقين في الأسماء المختلفين في الأنساب، وما وقع فيه بعض الثقات من الالتباس بسبب ذلك. ثم يتناول تدليس التسوية، وأحاديث ابن جريج التي أخذها عن إبراهيم بن أبي يحيى. وبعد ذلك ينتقل إلى قواعد مهمة في حال الصالحين غير العلماء، والفقهاء المشتغلين بالرأي، والحفاظ المشتغلين بالأسانيد، وحكم تفرّد الحافظ بإسناد يخالف فيه الجماعة.

ويهدف هذا الدرس إلى تمكين طالب العلم من فهم أسباب الخطأ عند الرواة، ومعرفة القرائن التي يعتمدها الأئمة في قبول الروايات وردّها. كما يربّيه على المنهج الدقيق في التعامل مع اختلاف الأسانيد، وعلى الإنصاف في الحكم على الرجال.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: الالتباس بين الرواة المتفقين في الاسم المختلفين في النسب

بيّن الشيخ أن من أسباب الخطأ في الرواية أن يتفق راويان في الاسم واسم الأب وفي الطبقة، ولا يفترقان إلا في الجدّ والنسبة. ومثاله عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الثقة، وعبد الرحمن بن يزيد بن تميم الضعيف. فقد روى أبو أسامة حماد بن أسامة عن ابن تميم وظنّه ابن جابر، فكان يقول: حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر. قال أبو داود: «كلّ ما جاء عن أبي أسامة: حدثنا عبد الرحمن بن يزيد، فهو ابن تميم».

وأشار الشيخ إلى أن محمد بن عبد الله بن نمير كان يلمّح إلى أن أبا أسامة تعمّد ذلك، فكان يوهّنه. ورجّح الشيخ أنه لم يتعمّد، وإنما التبس عليه الأمر، إذ لو تعمّد ذلك لضُعِّف. ويدلّ على ذلك أن الأئمة قبلوا حديثه، وأخرج له الجماعة.

ومن أمثلة ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «الْحُمَّى حَظُّ الْمُؤْمِنِ مِنَ النَّارِ». ولفظه هذا ضعيف، وأصل الحديث في الصحيحين بلفظ: «الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَأَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ». وقد رواه أبو المغيرة من الشاميين عن ابن تميم بالإسناد نفسه، فتقوّى بذلك أن أبا أسامة إنما سمعه من ابن تميم.

ومثله رواية حسين بن علي الجعفي، وهو ثقة عابد، عن «ابن جابر» حديث أوس بن أوس مرفوعًا: «أَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ». فقالت طائفة: هو حديث منكر، وإنما يرويه عن ابن تميم الشامي الذي يروي أحاديث منكرة. وذكر الشيخ كذلك من أمثلة الالتباس:

  • تكنية الكلبي بـ«أبي سعيد» في روايات عطية، فيظنّ بعض الناس أنه أبو سعيد الخدري. وحمل ابن رجب ذلك على ما يرويه عطية في التفسير خاصة، أما الأحاديث المرفوعة فالمراد فيها أبو سعيد الخدري.
  • اشتباه أيوب السختياني بأيوب بن حوط في روايات حسين بن واقد. فما كان منها منكرًا عن أيوب عن نافع عن ابن عمر، فهو من رواية ابن حوط.

المحور الثاني: تدليس التسوية وأحاديث ابن جريج عن ابن أبي يحيى

قرّر ابن رجب أن من روى عن ضعيف فأسقطه من الإسناد بالكلية فهو نوع من التدليس. ومنه ما يُسمّى «التسوية»، وهي أن يروي الراوي عن شيخ ثقة، عن رجل ضعيف، عن ثقة، فيُسقط الضعيف من الوسط. وممن كان يفعل ذلك الوليد بن مسلم وسنيد بن داود.

ومن الأسانيد التي يغلب فيها إسقاط الضعيف رواية عبد الرزاق عن ابن جريج عن صفوان بن سليم. فقد رأى أبو مسعود أحمد بن الفرات عند عبد الرزاق أحاديث حسانًا بهذا الإسناد، فسأله عنها فقال: «أيّ شيء تصنع بها؟ هي من أحاديث إبراهيم بن أبي يحيى»، وهو مطروح. فتركها أبو مسعود ولم يسمعها.

ونقل ابن رجب عن ابن المديني ما يلي:

  • ابن جريج لم يسمع من المطلب بن عبد الله بن حنطب، وإنما أخذ حديثه عن ابن أبي يحيى.
  • كلّ ما في كتاب ابن جريج: «أُخبرت عن داود بن الحصين» و«أُخبرت عن صالح مولى التوأمة» فهو من كتب إبراهيم بن أبي يحيى.

ومن ذلك حديث علي رضي الله عنه في كشف الفخذ: «لَا تُبْرِزْ فَخِذَكَ، وَلَا تَنْظُرْ إِلَى فَخِذِ حَيٍّ وَلَا مَيِّتٍ». قال أبو حاتم: لم يسمعه ابن جريج من حبيب بن أبي ثابت.

المحور الثالث: قاعدة في الصالحين غير العلماء والفقهاء المشتغلين بالرأي

ذكر ابن رجب أن الصالحين غير العلماء يغلب على حديثهم الوهم والغلط. قال يحيى بن سعيد: «ما رأيت الصالحين أكذب منهم في الحديث»، والمراد كثرة الخطأ لا تعمّد الكذب. وعلّل الشيخ ذلك بانشغالهم بالعبادة عن مراجعة الحديث ومذاكرته وتدريسه، والحفاظ منهم قليل. فإذا جاء الحديث من جهة أحدهم فينبغي التوقّف فيه حتى يتبيّن أمره.

وكذلك الفقهاء الذين غلب عليهم الاشتغال بالرأي، فهم لا يكادون يقيمون الأسانيد ولا المتون، ويروون الحديث بالمعنى، وربما أتوا بألفاظ تشبه ألفاظ الفقهاء. ومن أمثلة ذلك أن شريكًا النخعي اختصر حديث رافع في المزارعة بعبارة فقهية فقال: «مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ فَلَيْسَ لَهُ مِنَ الزَّرْعِ شَيْءٌ، وَلَهُ نَفَقَتُهُ». وروى حديث الوضوء بالمدّ بالمعنى الذي فهمه، وهو رطلان عند أهل الكوفة.

ومن أبرز أمثلة هذا الصنف حماد بن أبي سليمان، رأس فقهاء الكوفة، وقد قال فيه الأئمة:

  • قال شعبة: «كان حماد لا يحفظ».
  • قال عثمان البتّي: «كان حماد إذا قال برأيه أصاب، وإذا قال: قال إبراهيم، أخطأ».
  • قال أبو حاتم: «هو مستقيم في الفقه، فإذا جاء الآثار شوّش».

ونبّه الشيخ إلى أن الانشغال بالمناصب والدنيا يُضيّع العلم في الغالب، ولو بلغ صاحبه درجة علمية جيدة.

المحور الرابع: رأي ابن حبان في رواية الفقيه وتعقّب ابن رجب له

نقل ابن رجب قول ابن حبان: إن الفقيه إذا حدّث من حفظه، وإن كان ثقة، لا يُحتجّ بخبره إلا إذا حدّث من كتاب أو وافق الثقات في الأسانيد؛ لأن الغالب عليه حفظ المتون دون الأسانيد. وعلّق الشيخ بأن في هذا مبالغة من ابن حبان رحمه الله، فالثقة إذا لم يأتِ بما يُنكر فلا وجه لردّ روايته.

وقيّد ابن رجب كلام ابن حبان بالفقيه الذي لا يحفظ ألفاظ المتون، فهذا يروي بما فهمه من المعنى، وأفهام الناس تختلف. ولهذا ترى كثيرًا من الفقهاء يتأوّلون الأحاديث بتأويلات بعيدة جدًّا. وفي المقابل، فالحفاظ المتأخرون الذين انشغلوا بالأسانيد والطرق قبل حفظ المتون ينبغي الحذر معهم في المتون.

ونبّه ابن رجب إلى أن هذا الحذر ليس على إطلاقه، بل يختصّ بمن عُرف عنه عدم ضبط المتون، أو بمتأخري الحفاظ في عصر ابن حبان. أما المتقدمون كشعبة والأعمش وأبي إسحاق فلا يقول ذلك أحد في حقّهم؛ لأن الظاهر من حال الحافظ المتقن أنه يحفظ الإسناد والمتن معًا. وختم المسألة بشرط الشافعي فيمن يروي بالمعنى، وهو أن يكون عاقلًا لما يحدّث به، عالمًا بما يُحيل المعنى من الألفاظ.

المحور الخامس: تفرّد الحافظ الثقة بإسناد يخالف فيه الجماعة

من القواعد التي ذكرها ابن رجب: إذا روى الحفاظ الأثبات حديثًا بإسناد واحد، وانفرد أحدهم بإسناد آخر، وكان المنفرد ثقة حافظًا، فحكمه قريب من حكم زيادة الثقة. وقد تردّد الحفاظ كثيرًا في مثل هذا: هل يُردّ لمخالفة الأكثرين، أم يُقبل لحفظ راويه؟ ويقوى قبوله إذا كان المرويّ عنه واسع الحديث، يمكن أن يحمل الحديث من طرق عديدة.

ومثّل لذلك بحديث الفأرة تقع في السمن. فقد رواه أصحاب الزهري عنه عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن ميمونة رضي الله عنها، وانفرد معمر فرواه عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة. فصحّح القولين الإمام أحمد ومحمد بن يحيى الذهلي، وحكم بغلط معمر البخاري والترمذي وأبو حاتم. وذكر الذهلي أن سعيد بن أبي هلال تابع معمرًا لكنه أرسله.

وخلص الشيخ إلى أنه لا يُحكم في هذه المسائل بقاعدة مطّردة، بل لكل حديث حكمه الخاص بحسب القرائن التي تحتفّ به. وعلى هذه القواعد يُبنى كثير من اختلاف الأئمة في التصحيح والتضعيف.

النقاط الرئيسية

  • الاتفاق في الأسماء مع الاختلاف في الأنساب سبب من أسباب الخطأ، كالتباس عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الثقة بابن تميم الضعيف.
  • خطأ الثقة غير المتعمَّد لا يُسقط روايته، ولذلك قبل الأئمة حديث أبي أسامة وأخرج له الجماعة.
  • تدليس التسوية هو إسقاط الضعيف من بين ثقتين، وكان يفعله الوليد بن مسلم وسنيد بن داود.
  • كثير من أحاديث ابن جريج عن صفوان بن سليم وداود بن الحصين وصالح مولى التوأمة مأخوذة عن إبراهيم بن أبي يحيى المطروح.
  • الصالحون العُبّاد غير العلماء، والفقهاء المشتغلون بالرأي، يغلب على حديثهم الوهم والرواية بالمعنى.
  • كلام ابن حبان في ردّ رواية الفقيه من حفظه فيه مبالغة، وقد قيّده ابن رجب بمن عُرف بعدم ضبط المتون.
  • تفرّد الحافظ الثقة بإسناد مخالف للجماعة يُحكم فيه بالقرائن، ولا تحكمه قاعدة مطّردة.

الفوائد والعبر

  • التثبّت في تمييز الرواة: على طالب العلم ألّا يكتفي بظاهر الاسم في الإسناد، بل يحقّق النسب والطبقة والشيوخ والتلاميذ قبل الحكم على الحديث.
  • الإنصاف في الحكم على الرجال: يُحمل خطأ الثقة على الوهم لا على التعمّد ما لم يقم دليل واضح، اقتداءً بمنهج الأئمة في قبول حديث أبي أسامة.
  • الجمع بين العبادة والعلم: الصلاح وحده لا يكفي في نقل الدين، بل لا بدّ معه من الضبط والمذاكرة والمراجعة الدائمة لما يُحفظ.
  • الحذر من الانشغال بالمناصب والدنيا: العلم يضيع إذا لم يتعاهده صاحبه، ولو بلغ فيه درجة رفيعة.
  • اعتبار القرائن في النقد الحديثي: أحكام الأئمة في الاختلاف والتفرّد مبنية على قرائن خاصة بكل حديث، مما يدعو إلى التأنّي واحترام اجتهاد أهل الاختصاص.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات