خطبة جمعة بعنوان --- : " هل تثق في ربك؟!" لفضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري.

سلسلة خطب الجمعة 2 318 مشاهدة 1 تحميل 0 مشاركة 00:45:32
يتم التشغيل من يوتيوب
فتح في يوتيوب

المقدمة

في هذه الخطبة المباركة بعنوان «هل تثق في ربك؟!» يتناول فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري قضيةً تمسّ قلب كل مؤمن، وهي الثقة بالله تعالى والتوكل عليه. فكثير من الناس يعيش قلقًا دائمًا على رزقه ومستقبله وأولاده، ويكاد الهمّ يأكل قلبه، وينسى أن الله سبحانه هو الحيّ الذي لا يموت، وأنه كتب الأرزاق والآجال قبل أن يخلق الخلق.

يبدأ الشيخ بالتذكير بتقوى الله والاستعداد ليوم الحساب، ثم ينتقل إلى بيان حقيقة الدنيا وقِصَرها، ويبيّن منزلة التوكل وثمرته في الدنيا والآخرة، مستدلًّا بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة، كحديث السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب، وحديث الطير التي تغدو خماصًا وتروح بطانًا، ووصية النبي ﷺ لابن عباس رضي الله عنهما.

وتهدف الخطبة إلى أن يراجع المسلم صلته بربه، فيعلم أن رزقه مكتوب، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، فيطمئن قلبه، ويُحسن الأخذ بالأسباب دون أن يتعلق قلبه بها، ويكون لسان حاله في الشدائد: حسبنا الله ونعم الوكيل.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: تقوى الله والاستعداد ليوم الحساب وحقيقة الدنيا

افتتح الشيخ خطبته بالتذكير بأن العبد مسؤول بين يدي الله، وأن الله سيحاسبه على كل صغيرة وكبيرة، فيجزي بالإحسان إحسانًا وبالإساءة ما يستحقه، وأن مثقال الذرة من الخير أو الشر لا يضيع عند الله.

ثم أمر بتقوى الله والنظر فيما قدّم المرء لغده، محذّرًا من حال الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم، ومبيّنًا أن أصحاب الجنة وأصحاب النار لا يستوون. وقرّر أن الله حق، والقرآن حق، والنبي ﷺ حق، والجنة حق، والنار حق، والموت حق.

وبيّن أن الدنيا دار ممرّ لا دار مقر، فينبغي للمؤمن أن يعيش فيها عيش الغريب أو عابر السبيل، فلا يركن إليها ولا يجعلها أكبر همّه، وأن يتساءل: هل يفكر في لقاء ربه، وفي الموت، وفي الدار الآخرة، أم أن الدنيا شغلته عن ذلك كله؟

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ۝ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ۝ لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۚ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر: 18-20].

وقال تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ۝ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7-8].

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي فقال: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ». وكان ابن عمر يقول: «إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ» [رواه البخاري].

المحور الثاني: التوكل على الله حقيقته ومنزلته

أورد الشيخ حديث ابن عباس رضي الله عنهما في السبعين ألفًا من أمة النبي ﷺ الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب. وذكر أن الصحابة رضي الله عنهم خاضوا فيهم، فمنهم من قال: هم الذين صحبوا النبي ﷺ، ومنهم من قال: هم الذين وُلدوا في الإسلام ولم يشركوا بالله شيئًا. فخرج النبي ﷺ فبيّن صفاتهم، وجعل خاتمتها وأصلها التوكل على الله.

وأوضح الشيخ أن التوكل الحق هو اعتماد القلب على الله وحده في جلب المنافع ودفع المضار، مع الأخذ بالأسباب المشروعة. فالمتوكل يعمل ويسعى، لكن قلبه معلّق بالحيّ الذي لا يموت، لا بالمخلوق الذي يموت ويضعف ويعجز.

وضرب مثلًا بالطير التي لا تملك مخزنًا ولا رصيدًا، تخرج من أعشاشها جائعة فترجع شبعانة، لأنها خرجت وسعت ولم تقعد. وكذلك المؤمن يبذل السبب ويثق بربه، فيرزقه الله من حيث لا يحتسب.

قال النبي ﷺ في وصف السبعين ألفًا: «هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» [متفق عليه].

وقال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ [الفرقان: 58].

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا» [رواه الترمذي وابن ماجه].

المحور الثالث: الرزق مكتوب والإيمان بالقضاء والقدر

بيّن الشيخ أن من أعظم أسباب الطمأنينة أن يعلم العبد أن رزقه وأجله وعمله وشقاوته أو سعادته قد كُتبت وهو في بطن أمه. فلا يأتي الرزق بحرص حريص، ولا يردّه كراهية كاره.

ونبّه إلى ما يعانيه كثير من الناس من قلق وأمراض نفسية بسبب الخوف على الرزق والمستقبل، حتى إن بعضهم يطلب الدنيا بالحرام ويقع في الغش والكذب والظلم. والسبب ضعف اليقين بأن الله هو الرزاق. والمطلوب أن يُجمل العبد في الطلب، أي يطلب الرزق من حلّه برفق ودون تكالب.

وذكر وصية عبادة بن الصامت رضي الله عنه لابنه عند موته، وفيها أن العبد لا يجد طعم حقيقة الإيمان حتى يؤمن بالقدر خيره وشره.

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ» [متفق عليه].

وقال ﷺ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، فَإِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا» [رواه ابن ماجه].

وقال عبادة بن الصامت رضي الله عنه لابنه: «يَا بُنَيَّ، إِنَّكَ لَنْ تَجِدَ طَعْمَ حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ» [رواه أبو داود].

المحور الرابع: احفظ الله يحفظك

شرح الشيخ وصية النبي ﷺ لابن عباس رضي الله عنهما، وهي وصية جامعة في التوحيد والتوكل. فمن حفظ الله في صلاته وصيامه وحجّه وسائر حدوده، حفظه الله في دينه ودنياه، وكان الله معه يؤيده وينصره.

وبيّن أن السؤال والاستعانة لا يكونان إلا بالله، فهو الذي يملك الخلق جميعًا، صغارهم وكبارهم وأغنياءهم وفقراءهم. ولو اجتمع أهل الأرض كلهم على نفع العبد أو ضرّه لم يستطيعوا إلا بما كتبه الله له أو عليه. فلماذا يتعلق القلب بالمخلوقين؟

وأكّد أن حياة المسلم كلها لله، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ۝ لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام: 162-163].

قال النبي ﷺ: «يَا غُلَامُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ» [رواه الترمذي].

المحور الخامس: تقلّب الدنيا وكلمة «حسبنا الله ونعم الوكيل»

ذكر الشيخ قصة ناقة النبي ﷺ «العضباء» التي كانت لا تُسبق، حتى جاء أعرابي على قعود له فسبقها. فشقّ ذلك على الصحابة، فبيّن لهم النبي ﷺ سنّة الله في الدنيا: أنه ما ارتفع فيها شيء إلا وضعه. فلا يغترّ أحد بمال ولا جاه ولا قوة.

ثم ختم بالكلمة العظيمة التي قالها الأنبياء في أشد المواقف: «حسبنا الله ونعم الوكيل». قالها إبراهيم عليه السلام حين أُلقي في النار فجعلها الله بردًا وسلامًا، وقالها محمد ﷺ وأصحابه حين خُوِّفوا بجموع المشركين، فزادهم ذلك إيمانًا. وهذه الكلمة هي ثمرة الثقة بالله، فمن قالها صادقًا كفاه الله ما أهمّه.

قال النبي ﷺ: «حَقٌّ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يَرْتَفِعَ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا وَضَعَهُ» [رواه البخاري].

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ ﷺ حِينَ قَالُوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾» [رواه البخاري].

النقاط الرئيسية

  • تقوى الله والنظر فيما قدّم العبد لغده هما أساس النجاة، والعبد محاسب على مثقال الذرة.
  • الدنيا دار عبور، والمؤمن فيها كالغريب أو عابر السبيل، فلا يجعلها أكبر همّه.
  • التوكل على الله من صفات السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب.
  • التوكل الصحيح يجمع بين اعتماد القلب على الله والأخذ بالأسباب، كالطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا.
  • الرزق والأجل مكتوبان قبل الولادة، فلا داعي للهلع ولا لطلب الرزق بالحرام، بل يُجمل العبد في الطلب.
  • من حفظ الله حفظه الله، ولا ينفع الخلق ولا يضرّون إلا بما كتبه الله.
  • كل ما ارتفع في الدنيا يوضع، و«حسبنا الله ونعم الوكيل» هي ملاذ المؤمن في الشدائد.

الفوائد والعبر

  • الطمأنينة النفسية: إذا أيقن العبد أن رزقه مكتوب وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، زال عنه القلق والهمّ، وعاش راضيًا بقضاء الله.
  • السعي مع الثقة: يأخذ المسلم بالأسباب في عمله وكسبه بجدّ، ويعلّق قلبه بالله لا بالأسباب، فلا يتّكل ولا يتواكل.
  • تحرّي الحلال: الإيمان بأن الرزق لن يفوت يمنع العبد من طلبه بالغش أو الكذب أو الربا أو الظلم.
  • حفظ حدود الله: المحافظة على الصلاة والصيام وسائر الطاعات سبب لحفظ الله للعبد في نفسه وأهله وماله.
  • اللجوء إلى الله في الشدائد: يجعل المؤمن «حسبنا الله ونعم الوكيل» ذكرًا حاضرًا على لسانه وفي قلبه عند الخوف والكرب، اقتداءً بالأنبياء عليهم السلام.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات