خطبة جمعة بعنوان --- : " الثقة فى الله " لفضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري.
المقدمة
تأتي هذه الخطبة المباركة لفضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري ضمن سلسلة خطب الجمعة، وموضوعها «الثقة في الله». والثقة في الله من أعظم أعمال القلوب وأجلّها، فهي ثمرة التوحيد الخالص، وأساس التوكل الصادق، ومصدر الطمأنينة والسكينة في زمن كثرت فيه الفتن واضطربت فيه القلوب. يطرح الشيخ في مطلع خطبته أسئلة تمس كل مسلم: هل نحن واثقون بربنا؟ وهل ثقتنا بالله أعظم من ثقتنا بكل من سواه؟ وهل نثق بوعده سبحانه بنصر دينه وإعزاز أوليائه، وبأن الرزق والأجل بيده وحده لا يملك أحد من الخلق أن يزيد فيهما أو ينقص منهما؟
يبدأ الشيخ بالتذكير بتقوى الله والوقوف بين يديه، وبأن الدنيا دار فناء والآخرة دار بقاء. ثم يتناول قضية الرزق التي شغلت الناس حتى باع بعضهم دينه بعرض من الدنيا، ويبيّن أن صلاح القلب وتعلقه بالحي الذي لا يموت هو مفتاح صلاح الفرد والأمة. ويستشهد بأحاديث صحيحة عن التوكل والقدر، ويعرض نماذج من ثقة الأنبياء بربهم وثباتهم على الحق مع قلة الأتباع.
ويهدف هذا التسجيل إلى أن يفهم المستمع حقيقة الثقة في الله ومنزلتها من التوحيد، وأن يدرك الفرق بين الأخذ بالأسباب والتعلق بها، وأن يرسخ في قلبه الإيمان بالقدر خيره وشره، وأن يثبت على الحق مهما قلّ السالكون، وأن يتعلق قلبه بالله وحده رجاءً وخوفًا وتوكلًا.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: التذكير بالآخرة وحقيقة الدنيا
يفتتح الشيخ خطبته بالأمر بتقوى الله، ويذكّر بأن كل إنسان سيقف بين يدي ربه فيعرض عليه أعماله ويقرره بها ويحاسبه ويجزيه بالإحسان إحسانًا. ويؤكد أن الله حق، وأن القرآن حق، وأن النبي صلى الله عليه وسلم حق، وأن الجنة حق والنار حق والقبر حق، وأن الله يبعث من في القبور.
ويبيّن أن الدنيا دار ممر لا دار مقر، وأن على المؤمن أن يعيش فيها عيش الغريب أو عابر السبيل، فيغتنم صحته قبل مرضه، وشبابه قبل هرمه، وحياته قبل موته. وهذا التذكير هو الأساس الذي تُبنى عليه الثقة بالله، لأن من عرف حقيقة الدنيا لم يبع دينه من أجلها.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: 18].
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ، أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ». وكان ابن عمر يقول: «إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ» [رواه البخاري].
المحور الثاني: الثقة في الله في الرزق والأجل
يوضح الشيخ أن الرزق والأجل والعمل والشقاوة والسعادة كُتبت على العبد وهو في بطن أمه، فلا يملك مخلوق مهما بلغ أن يزيد في عمرك لحظة أو ينقص منه، ولا أن يزيد في رزقك فلسًا أو ينقص منه. ويبيّن أن أمر الرزق شغل كثيرًا من الناس حتى خان بعضهم الله ورسوله من أجل الدنيا.
ويؤكد الشيخ أنه لا يدعو إلى ترك الأسباب، بل يدعو إلى أن يأخذ العبد بها وقلبه واثق بالله، كما تفعل الطير: تخرج في أول النهار جائعة، وتعود في آخره ممتلئة برزق الله، فهي تأخذ بالسبب وتتوكل على مسبب الأسباب.
قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: 56-58].
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ... وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ» [متفق عليه].
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا» [رواه أحمد والترمذي وابن ماجه، وصححه الحاكم].
المحور الثالث: تعلق القلب بالحي الذي لا يموت
يبيّن الشيخ أن من سفاهة العقل وقلة التوفيق أن يتوكل الإنسان على الميت ويخشاه ويرجوه، ويترك الحي الذي لا يموت. فكل مخلوق مهما بلغ من منصب أو جاه أو مال أو حسب أو قوة مصيره إلى الهلاك والزوال، والله وحده هو الباقي.
ويؤكد أن الله لا يقبل شريكًا ولا ندًّا، وأن صلاح الإنسان بصلاح قلبه، وصلاح الأمة بصلاح قلوبها. فلينظر كل عبد: بمن يتعلق قلبه؟ وعلى من يتوكل؟ ومن يخشى ومن يرجو؟
قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: 58]، وقال سبحانه: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: 26-27].
وفي الحديث القدسي عن أبي هريرة رضي الله عنه: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» [رواه مسلم]. وعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» [متفق عليه].
المحور الرابع: ثقة الأنبياء بربهم والثبات على الحق مع قلة السالكين
يعرض الشيخ حديث عرض الأمم على النبي صلى الله عليه وسلم، فمن الأنبياء من يأتي ومعه الرجل، ومنهم من معه الرجلان، ومنهم من معه الرهط، ومنهم من ليس معه أحد. ومع ذلك ظلوا واثقين بربهم وبدعوتهم. فالحق لا يقاس بكثرة الأتباع، ولا يضر الداعية أن يقل من يستجيب له ما دام ثابتًا على الحق.
ويستشهد الشيخ بقول الفضيل بن عياض رحمه الله: «الزم طريق الهدى ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين». ويحذّر مما تتعرض له الأمة اليوم من غزو فكري يطعن في الثوابت التي أجمعت عليها، داعيًا إلى الاستمساك بالكتاب والسنة على منهج سلف الأمة.
ثم يبيّن صفات السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، وأن جماعها كمال التوكل على الله. فهم لا يطلبون الرقية من غيرهم بل يرقون أنفسهم، ولا يتشاءمون بطائر ولا بوجه أحد، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون.
قال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: 103]، وقال: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: 116]، وقال: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم في وصف السبعين ألفًا: «هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ»، فقام عُكّاشة بن مِحصن فقال: ادعُ الله أن يجعلني منهم، فقال: «أَنْتَ مِنْهُمْ»، ثم قام آخر فقال: «سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ» [متفق عليه].
المحور الخامس: الإيمان بالقدر وحفظ الله لعبده
يورد الشيخ وصية عبادة بن الصامت رضي الله عنه لابنه الوليد وهو في مرض موته، إذ لم يوصه بمال ولا أرض، بل أوصاه بالإيمان بالقدر خيره وشره، وأخبره أنه لن يذوق طعم الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
ثم يشرح وصية النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما، وينقل قول ابن القيم رحمه الله في قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾: إن كفاية الله للعبد على قدر توحيده واتباعه للنبي صلى الله عليه وسلم. ويذكّر بأن العظماء إذا حلّ أجلهم لم ينفعهم أمهر الأطباء، وأن من كتب الله له الشفاء شُفي ولو عجز عنه الطب. ويختم بحديث ناقة النبي العضباء، ومعناه أن الله يخفض كل ما ارتفع من الدنيا.
عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ، فَجَرَى فِي تِلْكَ السَّاعَةِ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» [رواه أحمد وأبو داود والترمذي].
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يومًا فقال: «يَا غُلَامُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ» [رواه الترمذي وأحمد].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حَقٌّ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يَرْتَفِعَ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا وَضَعَهُ» [رواه البخاري].
النقاط الرئيسية
- الثقة في الله ثمرة التوحيد، ويجب أن تكون أعظم من الثقة في كل مخلوق.
- الرزق والأجل والعمل والشقاوة والسعادة مكتوبة على العبد وهو في بطن أمه، ولا يملك أحد تغييرها.
- الأخذ بالأسباب مشروع، والمذموم هو تعلق القلب بها دون مسببها، والطير مثال على ذلك.
- صلاح الفرد والأمة بصلاح القلب وتعلقه بالحي الذي لا يموت.
- الحق لا يقاس بكثرة الأتباع، فمن الأنبياء من ليس معه أحد، والواجب الثبات على الحق.
- كمال التوكل سبب لدخول الجنة بغير حساب، ومن صفات أهله ترك طلب الرقية وترك التطير.
- لا يذوق العبد طعم الإيمان حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، وكفاية الله له على قدر توحيده واتباعه.
الفوائد والعبر
- الطمأنينة في طلب الرزق: اعمل واجتهد في الكسب الحلال، وأيقن أن ما كتبه الله لك سيأتيك، فلا تبع دينك بعرض من الدنيا.
- تحرير القلب من التعلق بالخلق: لا تخش أحدًا ولا ترجُ أحدًا كخشيتك ورجائك لله، فكل مخلوق إلى زوال.
- الثبات على المنهج: الزم الكتاب والسنة ولو قلّ السالكون، ولا تغتر بكثرة المخالفين ولا بحملات الطعن في الثوابت.
- ترك التشاؤم والتطير: لا تتشاءم بطائر ولا بوجه أحد، فلا شيء من ذلك يغيّر قدر الله، وارقِ نفسك وأهلك بنفسك.
- الرضا بالقضاء: إذا نزلت بك مصيبة فتذكّر أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، واحفظ الله في أوامره ونواهيه يحفظك ويكفك.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات