خطبة جمعة بعنوان --- : " اتقوا الله وكونوا مع الصادقين " لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

سلسلة خطب الجمعة 2 245 مشاهدة 1 تحميل 0 مشاركة 00:41:15
يتم التشغيل من يوتيوب
فتح في يوتيوب

المقدمة

في هذه الخطبة المباركة من سلسلة خطب الجمعة، يتناول فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري -حفظه الله- خُلُقًا من أعظم أخلاق الإسلام وأرفعها قدرًا، وهو الصدق. ينطلق الشيخ من قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾، فيبيّن أن التقوى مقرونة بصحبة الصادقين، وأن أَوْلى الناس بهذا الوصف هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم، فالواجب على المسلم أن يتّبعهم ويسلك سبيلهم.

وتبرز أهمية هذا الموضوع في زمن كثر فيه الكذب، وتجرّأ فيه بعض المنافقين والسفهاء على دين الله وعلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم، مع انتسابهم إلى الإسلام. ولهذا يذكّر الشيخ بأن الصدق ليس كلمة تُقال باللسان فحسب، بل هو صدق في القول والعمل والحال، وأعظمه الصدق مع الله في توحيده، والصدق مع رسوله صلى الله عليه وسلم في اتباعه.

ويهدف هذا الدرس إلى أن يعرف المستمع منزلة الصدق في الشرع والفطرة، وأن يدرك عاقبة الصدق وعاقبة الكذب في الدنيا والآخرة، وأن يميّز أنواع الصدق ومراتبه، وأن يتأمل نماذج حيّة من صدق الصحابة كقصة كعب بن مالك رضي الله عنه، فيتخذ الصدق منهجًا في حياته كلها.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: الأمر بالتقوى وصحبة الصادقين ومنزلة الصدق بين الأخلاق

يفتتح الشيخ خطبته ببيان أن الله تعالى جمع بين الأمر بالتقوى والأمر بأن يكون المؤمن مع الصادقين، وأن التقوى لا تتم إلا بالاستقامة على متابعة النبي صلى الله عليه وسلم، والسير على طريق أصحابه الكرام الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه. فالواجب علينا أن نتّبع الصحابة رضي الله عنهم في كل شيء، في العقيدة والعبادة والسلوك.

ثم يقرر الشيخ أن الصدق من أجلّ الأخلاق وأعظمها وأرفعها قدرًا، وأنه أصل تُبنى عليه سائر الفضائل كالعدل والمروءة والشهامة. فالصدق فضيلة والكذب رذيلة، وهذا مما اتفقت عليه العقول السليمة والفطر المستقيمة.

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119]

المحور الثاني: الصدق خُلُق تعرفه الفطر حتى عند المشركين (قصة أبي سفيان مع هرقل)

يستشهد الشيخ بقصة أبي سفيان مع هرقل عظيم الروم قبل إسلامه، حين جمع هرقل وفدًا من قريش وجعل أبا سفيان أمامهم وأصحابه خلف ظهره، وقال لهم: إن كذب فكذّبوه. فامتنع أبو سفيان عن الكذب، مع أنه كان يومئذ زعيم قريش وألدّ أعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم، خشية أن تتحدّث العرب عنه بأنه كذب. فإذا كان المشرك يأنف من الكذب ويراه عارًا، فكيف بالمسلم الذي جاءت النصوص الشرعية بالأمر بالصدق والتحذير من الكذب؟

ويبيّن الشيخ أن الكذب في حقيقته علامة ضعف ونقص في الرجولة؛ لأن الإنسان لا يلجأ إليه إلا خوفًا من غيره أو حاجةً إليه أو خيانةً ودناءةً، ولهذا كان الكذب من الحاكم أشد قبحًا، إذ لا حاجة به إليه. وقد استدل هرقل بصدق النبي صلى الله عليه وسلم مع الناس على صدقه في دعوى النبوة.

قال أبو سفيان رضي الله عنه: «فَوَاللَّهِ لَوْلَا الْحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثِرُوا عَلَيَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ» [رواه البخاري]

وسأله هرقل: ماذا يأمركم؟ فقال: «يَقُولُ: اعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ، وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ وَالصِّلَةِ» [متفق عليه]

المحور الثالث: عاقبة الصدق وعاقبة الكذب، وأنواع الصدق

يذكر الشيخ الحديث الذي فيه الوعيد الشديد لثلاثة أصناف، منهم الملك الكذاب. ووجه شناعة ذنوبهم أن دواعي المعصية عندهم ضعيفة، فالشيخ الكبير ضعفت شهوته، والملك لا يخاف أحدًا حتى يكذب، والفقير لا يملك ما يتكبّر به، فدلّ وقوعهم في المعصية على فساد في طبعهم وخبث في نفوسهم.

ثم يبيّن الشيخ أن الصدق ثلاثة أنواع: صدق في الأقوال بأن يطابق اللسانُ الواقع، وصدق في الأعمال بأن تكون موافقة لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وصدق في الأحوال بإخلاص القلب لله تعالى. وبالصدق يتميّز المؤمنون المتقون الصادقون من المنافقين والمجرمين والفجار. ويحثّ الشيخ على تحرّي الصدق دائمًا، فإن العبد لا يزال يصدق حتى يُكتب عند الله صدّيقًا.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ» [رواه مسلم]

وقال صلى الله عليه وسلم: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا» [متفق عليه، واللفظ لمسلم]

المحور الرابع: أعظم الصدق: الصدق مع الله في التوحيد والصدق مع رسوله في الاتباع

يقرر الشيخ أن أعظم الصدق أن يصدق العبد مع رب العالمين سبحانه، بتحقيق العبودية والتوحيد، وإخلاص العبادة له وحده دون شرك، فهذا هو الغاية التي خُلق لها الخلق، وهو حق الله على العباد. ويتساءل الشيخ: أين الصدق مع الله ممّن يدّعي الإسلام ثم يحارب الله ويحارب دينه؟

ثم يأتي الصدق مع النبي صلى الله عليه وسلم، ويكون بطاعته واتباعه والتسليم لسنته، فإن الله لم يتعبّدنا بقول أحد من المشايخ أو العلماء إلا بقول نبيه صلى الله عليه وسلم، ولم يأمرنا باتباع آبائنا ولا مشايخنا وإنما أمرنا باتباع المصطفى صلى الله عليه وسلم. فمحبة الله الصادقة علامتها اتباع رسوله، ومن أعرض عن أمر الله ورسوله فقد عرّض نفسه للمعيشة الضنك في الدنيا والعمى يوم القيامة.

وينبّه الشيخ إلى حملات المنافقين وبعض السفهاء الذين يشكّكون في السنة النبوية ويطعنون فيها مع انتسابهم إلى الإسلام، فهؤلاء ممّن نسوا الله فأنساهم أنفسهم، وختم الله على قلوبهم. ويستدل بقوله تعالى في وصف أهل الصدق: الذي جاء بالصدق هو محمد صلى الله عليه وسلم، والذي صدّق به أبو بكر الصديق رضي الله عنه ومن معه من المؤمنين.

قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]

وقال صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «يَا مُعَاذُ، أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ؟» قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا» [متفق عليه]

وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ۝ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 31-32]

وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: 124]

وقال تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: 33]

المحور الخامس: الصدق طمأنينة والكذب ريبة، ونموذج كعب بن مالك رضي الله عنه

في الخطبة الثانية يذكر الشيخ حديث الحسن بن علي رضي الله عنهما في ترك ما يُريب إلى ما لا يُريب، ويربطه بحديث النعمان بن بشير في الحلال البيّن والحرام البيّن والمشتبهات بينهما. فالمؤمن يترك ما يشكّ فيه ويطمئن إلى ما لا شكّ فيه، كمن طلّق زوجته مرارًا ثم بقي معها وهو في ريبة من أمره، فعليه أن يحتاط لدينه ويطلب اليقين.

ويبيّن الشيخ أن الصادق مطمئن النفس، صادق مع نفسه ومع الناس ومع ربه، وأن الكذاب في ريبة دائمة، يكذب على نفسه قبل أن يكذب على غيره. وثمرات الصدق كثيرة: منها انتشار الثقة بين المسلمين، وطمأنينة القلب، وأن الله يكون مع الصادق ويجعل له من أمره فرجًا ومخرجًا.

ثم يختم الشيخ بقصة كعب بن مالك رضي الله عنه حين تخلّف عن غزوة تبوك، فجاء المنافقون يعتذرون بالكذب فقبل منهم النبي صلى الله عليه وسلم علانيتهم، أما كعب فصدق وأقرّ بأنه لم يكن له عذر، مع أنه كان قادرًا على الجدال والاعتذار. فكان صدقه سبب نجاته، وأنزل الله توبته في القرآن، وختم الآيات بالأمر بالتقوى والكون مع الصادقين.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ، فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ، وَإِنَّ الْكَذِبَ رِيبَةٌ» [رواه الترمذي والنسائي]

وقال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ» [متفق عليه]

وقال كعب بن مالك رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم: «وَاللَّهِ لَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلًا، وَلَكِنِّي وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ لَئِنْ حَدَّثْتُكَ الْيَوْمَ حَدِيثَ كَذِبٍ تَرْضَى بِهِ عَنِّي، لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يُسْخِطَكَ عَلَيَّ» فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَمَّا هَذَا فَقَدْ صَدَقَ» [رواه البخاري]

النقاط الرئيسية

  • قرن الله التقوى بصحبة الصادقين، وأَوْلى الناس بالصدق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فالواجب اتباعهم في كل شيء.
  • الصدق من أجلّ الأخلاق وأرفعها، تعرفه الفطر السليمة، حتى إن أبا سفيان وهو مشرك امتنع عن الكذب أمام هرقل خشية العار.
  • الكذب علامة ضعف ونقص في الرجولة، وهو من الحاكم أشد قبحًا، ولذا توعّد الله الملك الكذاب بعذاب أليم.
  • الصدق ثلاثة أنواع: صدق في الأقوال، وصدق في الأعمال بموافقة السنة، وصدق في الأحوال بالإخلاص لله تعالى.
  • أعظم الصدق صدق العبد مع الله بالتوحيد، وصدقه مع رسوله صلى الله عليه وسلم بالاتباع والتسليم لسنته.
  • الطاعنون في السنة مع انتسابهم إلى الإسلام ليسوا صادقين مع الله ولا مع رسوله، ومن أعرض عن ذكر الله فله معيشة ضنك.
  • الصدق طمأنينة والكذب ريبة، والصدق سبيل النجاة كما نجّى الله كعب بن مالك رضي الله عنه بصدقه.

الفوائد والعبر

  • تحرّي الصدق في كل حال: أن يعوّد المسلم لسانه على الصدق في الجد والهزل، ويتحرّاه حتى يُكتب عند الله صدّيقًا، ويحذر من الكذب ولو كان يسيرًا.
  • اختيار الصحبة الصالحة: أن يحرص على مجالسة الصادقين من أهل العلم والسنة، فإن الصاحب يؤثّر في صاحبه، والله أمرنا بالكون مع الصادقين.
  • تجديد الصدق مع الله: بمراجعة التوحيد وإخلاص العبادة لله وحده، وتنقية القلب من الرياء والشرك بأنواعه.
  • تعظيم السنة والدفاع عنها: بالتمسّك بسنة النبي صلى الله عليه وسلم والعمل بها، والحذر من دعاوى المشكّكين فيها، وجعل المرجع قول الله وقول رسوله لا أقوال الرجال.
  • الاحتياط للدين وطلب الطمأنينة: بترك المشتبهات وما يورث الريبة في النفس، والاعتراف بالخطأ بصدق كما فعل كعب بن مالك، فإن الصدق وإن ثقل في أوله فعاقبته النجاة والفرج.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات