خطبة جمعة بعنوان --- : " بيان خصائص الأشهر الحُرم" لفضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري .

سلسلة خطب الجمعة 2 245 مشاهدة 1 تحميل 0 مشاركة 00:41:22
يتم التشغيل من يوتيوب
فتح في يوتيوب

المقدمة

في هذه الخطبة المباركة من سلسلة خطب الجمعة، يتناول فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري -حفظه الله- موضوعًا متصلًا بتعظيم شعائر الله وحرماته، وهو «بيان خصائص الأشهر الحُرُم». وهي الأشهر الأربعة التي اختصها الله تعالى بالتحريم والتعظيم منذ خلق السماوات والأرض، وجعل لها مزية على سائر شهور العام، فتُضاعف فيها الحرمات ويتأكد فيها اجتناب الظلم والمعاصي.

يفتتح الشيخ خطبته بتذكير المسلمين بانقضاء الأعمار ومرور السنين، ويدعوهم إلى محاسبة النفس والاستعداد للقاء الله عز وجل. ثم ينتقل إلى بيان الأشهر الحرم من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ويعدد خصائصها وما شرع الله فيها من عبادات جليلة كالحج وصيام يوم عرفة وعاشوراء، ويختم بالتحذير الشديد من الظلم بأنواعه، وأعظمه الشرك بالله، مع بيان عواقب الذنوب على الأفراد والمجتمعات.

أهداف التعلم: معرفة الأشهر الحرم وأدلتها الشرعية، وإدراك خصائصها وفضائل الأعمال فيها، وفهم معنى قوله تعالى: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾، واستشعار خطورة الظلم والمعاصي وأثرها، وتجديد العزم على محاسبة النفس مع مطلع كل عام.

المحور الأول: محاسبة النفس مع انقضاء الأعوام

يبدأ الشيخ بتذكير المصلين بأن كل إنسان سيقف بين يدي الله تعالى فيحاسبه ويجازيه على عمله، فلا يضيع عنده مثقال ذرة من خير أو شر. ويحث على تقوى الله والنظر فيما قدمه العبد لآخرته، فالسنون تمضي، وكل عام ينقضي يُنقص من عمر الإنسان ويقربه من أجله.

ويبيّن أن أجل كل إنسان مكتوب مقدّر وهو في بطن أمه، فلا يتقدم ولا يتأخر. لذلك ينبغي للمسلم أن يقف مع نفسه في مطلع كل عام وقفة صادقة: ماذا قدّم فيما مضى؟ وماذا سيقدم فيما بقي؟ هل يلقى ربه راضيًا عنه أم مقصّرًا في حقه؟

ويذكّر الشيخ بأهوال يوم القيامة، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾، وبحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في حشر الناس حفاةً عراةً، وقوله صلى الله عليه وسلم: «يَا عَائِشَةُ، الْأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ» (متفق عليه).

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: 18].

وقال تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ۝ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7-8].

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ... ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ» (متفق عليه).

المحور الثاني: تعيين الأشهر الحرم وأصل تعظيمها

يبيّن الشيخ أن الله تعالى جعل عدة الشهور اثني عشر شهرًا منذ خلق السماوات والأرض، واختص منها أربعة أشهر بالتحريم، وهي ثلاثة متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وواحد فرد: رجب الذي بين جمادى وشعبان. وقد أعلن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في خطبته العظيمة يوم النحر في حجة الوداع.

ويوضح سبب إضافة رجب إلى قبيلة مضر، وهو أنها كانت أشد العرب تعظيمًا له، حتى إن الرجل منهم كان يلقى قاتل أبيه أو ابنه في هذا الشهر فلا يتعرض له. فقد كان العرب في الجاهلية يعظمون هذه الأشهر، ثم جاء الإسلام فأقرّ حرمتها وزادها تأكيدًا.

كما يشير إلى أن الله سبحانه يخلق ما يشاء ويختار، فيصطفي من الأزمنة والأمكنة ما شاء، كما اصطفى شهر رمضان بالصيام، واصطفى هذه الأشهر الأربعة بمزيد الحرمة.

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ۚ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: 36].

وعن أبي بكرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم يوم النحر فقال: «إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ: ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ» ... ثم قال: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا ... أَلَا فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي ضُلَّالًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، أَلَا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ ... أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ» (متفق عليه).

المحور الثالث: خصائص الأشهر الحرم وفضائل الأعمال فيها

يعدد الشيخ جملة من خصائص هذه الأشهر المباركة. ومن أعظمها أن فيها فريضة الحج، الركن الخامس من أركان الإسلام، التي فرضها الله على من استطاع إليه سبيلًا، ويقع الحج في أشهر معلومات منها ذو القعدة وذو الحجة.

ومن خصائصها يوم عرفة، أعظم أيام العام، وفيه يعتق الله عبادًا كثيرين من النار، وصيامه لغير الحاج يكفّر سنتين: السنة الماضية والسنة الباقية. ومنها كذلك يوم عاشوراء في شهر المحرم، وصيامه يكفّر السنة الماضية.

ومنها أن شهر المحرم أفضل الصيام بعد رمضان، وقد أضافه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الله تعالى تشريفًا وتعظيمًا، فسمّاه «شهر الله المحرم».

عن أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ، وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ» (رواه مسلم).

وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ» (رواه مسلم).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ» (رواه مسلم).

المحور الرابع: النهي عن الظلم في الأشهر الحرم، وأعظمه الشرك

يقف الشيخ عند قوله تعالى: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾، فيبيّن أن الظلم محرم في كل زمان، لكنه في هذه الأشهر أشد حرمة وأعظم إثمًا لحرمة الزمان. والظلم ظلمات يوم القيامة، وقد حرّمه الله على نفسه وجعله بين عباده محرّمًا.

ويقرر أن أعظم الظلم الشرك بالله تعالى، وصرف العبادة لغيره، والإعراض عن دينه، وترك تحكيم شرعه. ويستدل بحديث ابن مسعود رضي الله عنه حين نزل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾، فشقّ ذلك على الصحابة وقالوا: أيّنا لا يظلم نفسه؟ فبيّن لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن المراد الشرك، كما قال العبد الصالح لقمان لابنه: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.

ويليه في الخطورة ظلم العبد لنفسه بالمعاصي والكبائر، وظلمه لغيره بالاعتداء على الدماء والأموال والأعراض، ومخالفة سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: 82].

وعن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: «يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا» (رواه مسلم).

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اتَّقُوا الظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاتَّقُوا الشُّحَّ، فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ» (رواه مسلم).

المحور الخامس: عواقب الذنوب والمعاصي على الأمم

يحذّر الشيخ من أن للذنوب آثارًا وخيمة لا تقتصر على الفرد، بل تمتد إلى المجتمع كله. فما يصيب الناس من أمراض وأوبئة وقحط وغلاء وتسلط، إنما هو في كثير من الأحيان بما كسبت أيديهم من المعاصي والمجاهرة بها.

ويؤكد أن طريق النجاة هو الرجوع إلى الله تعالى، والتمسك بكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، والتوبة النصوح، خاصة في هذه الأشهر المعظمة التي يتأكد فيها ترك الذنوب.

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا، وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ ...» (رواه ابن ماجه).

النقاط الرئيسية

  • مرور الأعوام نقص من الأعمار، والأجل مكتوب لا يتقدم ولا يتأخر، فيجب على المسلم محاسبة نفسه والاستعداد للقاء ربه.
  • الأشهر الحرم أربعة: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم متوالية، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان.
  • تعظيم هذه الأشهر ثابت بالقرآن والسنة، وقد أكده النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع.
  • من خصائصها: فريضة الحج، ويوم عرفة الذي يكفّر صيامه سنتين، ويوم عاشوراء الذي يكفّر سنة.
  • صيام شهر الله المحرم أفضل الصيام بعد رمضان.
  • الظلم محرم في كل وقت، وهو في الأشهر الحرم أشد حرمة، وأعظمه الشرك بالله.
  • للمعاصي والمجاهرة بها عواقب وخيمة على الأمم من أوبئة وقحط وجور.

الفوائد والعبر

  • المحاسبة الدورية: اجعل لنفسك وقفة صادقة مع بداية كل عام هجري، تراجع فيها ما قدّمت وتضع خطة لما ستقدّم.
  • اغتنام المواسم: احرص على صيام يوم عرفة وعاشوراء، والإكثار من الصيام في شهر المحرم، لعظيم أجرها.
  • تعظيم حرمات الله: استحضر حرمة الزمان في الأشهر الحرم، فاجتهد في ترك الذنوب، صغيرها وكبيرها.
  • تحقيق التوحيد: احذر الشرك بجميع صوره فإنه أعظم الظلم، وأخلص العبادة لله وحده.
  • حفظ الحقوق: تجنّب ظلم الناس في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، وتحلَّل ممن ظلمته قبل أن تلقى الله.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات