خطبة جمعة بعنوان --- : " فضائل شهر الله المحرم " لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

سلسلة خطب الجمعة 2 541 مشاهدة 1 تحميل 0 مشاركة 00:43:26
يتم التشغيل من يوتيوب
فتح في يوتيوب

المقدمة

في هذه الخطبة من سلسلة خطب الجمعة يتناول فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري فضائل شهر الله المحرم. ويقف الشيخ في مستهلّ العام الهجري الجديد وقفةَ محاسبة، إذ انقضى عام ألف وأربعمائة وتسعة وثلاثين وأقبل عام ألف وأربعمائة وأربعين. فكل عام يمضي يُقرِّب العبد من الآخرة ويُبعده عن الدنيا، والسعيد من اتعظ بمرور الأيام وأعدّ للقاء ربه عُدّته.

ويُبيّن الشيخ أن المحرم شهر عظيم له خصائص يجب على المسلم أن يعلمها ويعمل بها. فهو أحد الأشهر الحرم، وتتضاعف فيه الحسنات وتعظم فيه السيئات، وهو أفضل الصيام بعد رمضان، وفيه يوم عاشوراء الذي نجّى الله فيه موسى عليه السلام وقومه من فرعون وجنده.

وتهدف هذه الخطبة إلى أن يعرف المستمع مكانة الأشهر الحرم ووجوب تعظيمها، وأن يتجنب الظلم والمعاصي فيها، وأن يحرص على صيام المحرم وعاشوراء، وأن يستخلص من قصة موسى عليه السلام دروس التوكل واليقين بنصر الله.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: وقفة محاسبة مع انقضاء عام واستقبال آخر

يُذكّر الشيخ بأن الدنيا دار فناء وأن الآخرة دار البقاء، وأن انقضاء السنة يعني أننا اقتربنا من القبور سنةً واقتربنا من لقاء الله سنة. والأجل محدود لا يتقدم ولا يتأخر، وقد كُتب على العبد وهو في بطن أمه.

ويدعو الشيخ كل مسلم إلى أن يسأل نفسه: ماذا قدّمتُ في العام الماضي؟ وكيف ودّعتُه؟ وكيف أستقبل العام الجديد؟ أأستقبله بالطاعة والعزم على الخير، أم بالإصرار على الذنوب والمعاصي؟

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: 18].

وقال سبحانه: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: 34].

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ» [متفق عليه].

المحور الثاني: المحرم من الأشهر الحرم وتعظيم الحرمات فيه

من أعظم خصائص شهر المحرم أنه أحد الأشهر الأربعة الحرم التي ذكرها الله في كتابه. والله سبحانه فضّل بعض الأزمنة على بعض، كما فضّل بعض الأمكنة على بعض. ومن ذلك أن الصلاة في المسجد الحرام تعدل مائة ألف صلاة فيما سواه، والصلاة في المسجد النبوي خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام.

ويقرر الشيخ أن الحسنات والسيئات تتضاعف بحسب شرف الزمان والمكان، فالمعصية في الشهر الحرام أعظم إثمًا منها في غيره. ولذلك نهى الله عن ظلم النفس في الأشهر الحرم خاصة، مع أن الظلم محرم في كل وقت، وذلك تأكيدًا لحرمتها وزيادةً في تعظيمها.

ويذكر الشيخ أن العرب في الجاهلية كانوا يعظّمون هذه الأشهر، حتى إن الرجل كان يلقى قاتل أبيه أو ابنه فيها فلا يمسّه بسوء. فالمسلم أولى بتعظيمها وتوقيرها.

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾ [التوبة: 36].

وعن أبي بكرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ» [متفق عليه].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ» [متفق عليه].

المحور الثالث: النسيء وتلاعب أهل الجاهلية بالأشهر الحرم

يبيّن الشيخ أن أهل الجاهلية لم يكونوا يصبرون على ترك القتال والغارات ثلاثة أشهر متتالية. فكانوا يؤخرون حرمة المحرم إلى صفر، ويُعلنون ذلك في الأسواق، فيستحلّون المحرم ويحرّمون صفر مكانه. وبذلك يوافقون عدد الأشهر الحرم في الظاهر، ويستحلّون في الحقيقة ما حرّم الله.

وقد ذمّ الله هذا الفعل وجعله زيادة في الكفر. ويُنبّه الشيخ إلى أن من التحايل على شرع الله ما يشبه هذا الصنيع، فالواجب على المسلم أن يُعظّم ما عظّمه الله دون تحريف أو تأويل يُبطل حُرمته.

قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ ۖ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [التوبة: 37].

المحور الرابع: فضل صيام المحرم ويوم عاشوراء

صيام التطوع مستحب في السنة كلها، لكن لشهر المحرم مزية خاصة، فقد جعله النبي ﷺ أفضل الصيام بعد رمضان، وأضافه إلى الله تعالى إضافة تشريف فقال: «شهر الله المحرم».

وآكد أيام المحرم صيامًا يوم عاشوراء، وهو العاشر منه. وصيامه يكفّر ذنوب السنة التي قبله. وقد صامه النبي ﷺ وأمر بصيامه شكرًا لله على نجاة موسى عليه السلام، ثم عزم على صيام التاسع معه مخالفةً لأهل الكتاب.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ» [رواه مسلم].

وعن أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي ﷺ سُئل عن صيام يوم عاشوراء فقال: «أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ» [رواه مسلم].

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم النبي ﷺ المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: «مَا هَذَا؟» قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجّى الله بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى. قال: «فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ»، فصامه وأمر بصيامه [رواه البخاري]. وقال ﷺ: «لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ» [رواه مسلم].

المحور الخامس: دروس من قصة موسى عليه السلام وفرعون

يقف الشيخ مع قصة نجاة موسى عليه السلام. فقد علا فرعون في الأرض وطغى، وجعل أهلها شيعًا، وذبّح الأبناء واستحيا النساء، وأرسل جواسيسه يتتبعون كل مولود ذكر. ومع ذلك وُلد موسى في السنة التي يُقتل فيها الأطفال، فأمر الله أمّه أن تُلقيه في اليمّ. فحفظه الله في التابوت، ثم ساقه إلى قصر عدوّه فرعون ليُربّى فيه.

ويستخلص الشيخ من القصة أن الله إذا أراد بعبد خيرًا فلا رادّ لفضله، ولو اجتمع أهل الأرض على ضرّه لم يضرّوه إلا بما كتبه الله عليه. ومن كان الله معه فلن يغلبه أحد. وحين قال أصحاب موسى: إنا لمدركون، أجاب بيقين المؤمن: كلا إن معي ربي سيهدين. فانفلق البحر، ونجا موسى ومن معه، وأُغرق فرعون وجنده.

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ۝ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: 4-5].

وقال سبحانه: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ۝ قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 61-62].

وقال ﷺ لابن عباس رضي الله عنهما: «وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ» [رواه الترمذي].

ويربط الشيخ ذلك بحلاوة الإيمان والرضا بالله في السرّاء والضرّاء. فعن أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ» [متفق عليه]. وعن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا» [رواه مسلم].

النقاط الرئيسية

  • مرور الأعوام يقرّب العبد من أجله، فالواجب محاسبة النفس على ما مضى وتجديد العزم على الطاعة فيما بقي.
  • شهر المحرم أحد الأشهر الحرم الأربعة: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب.
  • فضّل الله بعض الأزمنة والأمكنة على بعض، فتعظم فيها الحسنات والسيئات.
  • النسيء الذي كان يفعله أهل الجاهلية زيادة في الكفر وتحايل على حدود الله.
  • أفضل الصيام بعد رمضان صيام شهر الله المحرم، وصيام عاشوراء يكفّر السنة التي قبله، ويُستحب صيام التاسع معه.
  • يوم عاشوراء يوم نجّى الله فيه موسى عليه السلام وقومه وأغرق فرعون وجنده.
  • من كان الله معه فلا يضره كيد الكائدين، ولا يقع في الكون إلا ما كتبه الله.

الفوائد والعبر

  • اجعل بداية العام الهجري موعدًا لمحاسبة النفس والتوبة من الذنوب، واستقبله بنيّة صادقة للطاعة.
  • احذر من ظلم نفسك بالمعاصي في الأشهر الحرم خاصة، فإن الذنب فيها أعظم وزرًا.
  • احرص على الإكثار من صيام النوافل في المحرم، ولا تفوّت صيام التاسع والعاشر من عاشوراء.
  • تعلّق قلبك بالله وتوكّل عليه في الشدائد، وثق بأن العاقبة للمتقين مهما اشتد طغيان الظالمين.
  • ارضَ بقضاء الله في السرّاء والضرّاء لتذوق حلاوة الإيمان وطعمه.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات