شرح رسالة "لله ثم للتاريخ " لحُسين الموسوي (2) لفضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو الدرس الثاني من سلسلة شرح رسالة «لله ثم للتاريخ: كشف الأسرار وتبرئة الأئمة الأطهار» للأستاذ حسين الموسوي، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يبدأ الشيخ بمراجعة ما جاء في الدرس الأول، فيذكّر بما قاله المؤلف في مقدمته: أنه بلغ مرتبة علمية عالية عند الشيعة، وأنه ظل يبحث عن الحق حتى هداه الله إلى منهج أهل السنة والجماعة. ويذكّر كذلك بكلامه عن تناقض القوم في شأن عبد الله بن سبأ، فبعضهم ينكر وجوده، وكتبهم تثبته.
موضوع هذا الدرس هو «حقيقة انتساب الشيعة إلى أهل البيت». والسؤال الذي يطرحه: هل هذا المذهب منسوب إلى أهل البيت فعلًا، وهل يرضى أهل البيت بما عليه القوم؟ ويعرض الشيخ مع المؤلف نصوصًا تنقلها كتب الشيعة المعتمدة نفسها، مثل «الكافي» و«نهج البلاغة» و«الاحتجاج» و«الإرشاد» و«أعيان الشيعة»، فيها شكوى أئمة أهل البيت من شيعة أهل الكوفة، وذمهم لغدرهم وخذلانهم.
ويهدف الدرس إلى أن يعرف المشاهد من هم أهل البيت بمعناهم الصحيح، وأن يفهم أن محبتهم عقيدة راسخة عند أهل السنة، وأن يدرك من يتحمل مسؤولية دماء أهل البيت كما تشهد بذلك مصادر الشيعة أنفسهم. ويهدف أيضًا إلى تحصين المسلم من الدعوات التي تبدأ بإثارة العاطفة باسم «مظلومية أهل البيت» وتنتهي بالطعن في الصحابة رضي الله عنهم.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: من هم أهل البيت؟ ودعوى اختصاص الشيعة بهم
يبيّن الشيخ أن الشيعة يدّعون أنهم وحدهم أتباع أهل البيت، ويقصرون أهل البيت على أبناء علي من فاطمة، أي ذرية الحسن والحسين. والصحيح أن أهل بيت النبوة أوسع من ذلك، فهم يشملون أبناء العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم، وأبناء جعفر بن أبي طالب، وأبناء عقيل بن أبي طالب. فلماذا يُخصّ أبناء علي وحدهم؟
ثم إن كثيرًا من سادات أهل البيت من ذرية الحسن والحسين على مر التاريخ لم يكونوا شيعة ولا متصوفة. فإن كان معنى «أهل البيت» التعصب للمذهب، فهذا افتراء. وإن كان المقصود النسب، فالنسب لا يجعل المذهب حكرًا على طائفة بعينها.
ويذكر الشيخ أن الشيعة يقسمون الناس إلى قسمين: «شيعة» و«عامّة»، والعامّة عندهم هم أهل السنة، ولو أحبوا أهل البيت أعظم الحب. وأئمة أهل السنة كلهم يحبون أهل البيت ويتولونهم، ومنهم أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والبخاري والثوري والأوزاعي وسعيد بن المسيب وابن تيمية وابن القيم.
المحور الثاني: «المظلومية» مدخلًا إلى الطعن في الصحابة
ينبّه الشيخ إلى أسلوب تكرر في الدعوة إلى هذا المذهب: يبدأ الداعي بالحديث عن ظلم أهل البيت، وعن ظلم علي وفاطمة رضي الله عنهما، لأن النفس تميل بطبعها إلى المظلوم. فإذا مال إليه السامع انتقل به خطوة بعد خطوة، حتى يصل به إلى الطعن في الخلفاء الثلاثة أبي بكر وعمر وعثمان، وفي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنهم، بل إلى اتهامهم بالردة.
ويبيّن أن الولاء والبراء عند القوم مبني على هذه الدعوى. فقد جعلوا «بغض أهل البيت» تهمة يرمون بها كل من خالفهم، مع أن الواقع التاريخي يشهد بغير ذلك.
المحور الثالث: شهادة أئمة أهل البيت على شيعتهم من كتب الشيعة أنفسهم
يسرد المؤلف نصوصًا من كتب الشيعة المعتمدة، يشتكي فيها أئمة أهل البيت من شيعتهم. فمما ينسبونه إلى أمير المؤمنين علي رضي الله عنه في «الكافي»: «لو ميّزتُ شيعتي لما وجدتهم إلا واصفة...». ومما ينسبونه إليه في «نهج البلاغة»: «يا أشباه الرجال ولا رجال... لقد ملأتم قلبي قيحًا»، وفيه أيضًا ذمّه لهم بأنهم «صُمٌّ ذوو أسماع، وبُكمٌ ذوو كلام، وعُميٌ ذوو أبصار».
ونقل المؤلف كذلك دعاء الحسين رضي الله عنه عليهم في «الإرشاد»: «فإنهم دعونا لينصرونا ثم عدَوا علينا فقتلونا». ونقل قول الحسن رضي الله عنه في «الاحتجاج»: «أرى والله معاوية خيرًا لي من هؤلاء، يزعمون أنهم لي شيعة، ابتغوا قتلي وأخذوا مالي». ونقل عن علي بن الحسين زين العابدين قوله: «إن هؤلاء يبكون علينا، فمن قتلنا غيرهم؟».
ومن النصوص أيضًا قول الباقر في «رجال الكشي»: «لو كان الناس كلهم لنا شيعة لكان ثلاثة أرباعهم لنا شكّاكًا والربع الآخر أحمق». وقول الصادق في «أصول الكافي» إنه لو وجد منهم ثلاثة مؤمنين يكتمون حديثه لما استحل أن يكتمهم حديثًا. وخطبة فاطمة الصغرى في أهل الكوفة: «يا أهل الغدر والمكر والخيلاء». وخطبة زينب بنت علي فيهم، وقد شبّهتهم بالتي نقضت غزلها، فاقتبست من قوله تعالى:
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا﴾ [النحل: 92]
ونقل المؤلف عن السيد محسن الأمين في «أعيان الشيعة» قوله: «بايع الحسينَ من أهل العراق عشرون ألفًا، غدروا به وخرجوا عليه وبيعته في أعناقهم وقتلوه». ويشبّه الشيخ حالهم بحال إخوة يوسف الذين جنوا ثم ألصقوا التهمة بغيرهم:
﴿وَجَاءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ [يوسف: 18]
المحور الرابع: ما يُستفاد من هذه النصوص، وقصة تسمية «الرافضة»
يستخلص المؤلف من هذه النصوص أربعة أمور:
- أن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وذريته ملّوا وضجروا من غدر شيعتهم من أهل الكوفة.
- أن تخاذل أهل الكوفة وغدرهم كان سببًا في سفك دماء أهل البيت واستباحة حرماتهم.
- أن أهل البيت حمّلوا شيعتهم مسؤولية مقتل الحسين رضي الله عنه.
- أن أهل البيت دعوا عليهم ووصفوهم بأشد الأوصاف.
ويذكر ما رواه «الكافي» من أن قومًا شكوا إلى أبي عبد الله جعفر الصادق «نبزًا» لُقّبوا به، فقال لهم: «الرافضة؟» قالوا: نعم. فقال: «لا والله ما هم سمّوكم، ولكن الله سمّاكم». أي إن هذا الاسم لم يطلقه عليهم أهل السنة، على حدّ هذه الرواية التي ينقلونها هم.
ويحكي المؤلف أنه قرأ هذه النصوص مرارًا وسهر الليالي يتأملها، حتى وجد نفسه يقول بصوت مرتفع: «كان الله في عونكم يا أهل البيت على ما لقيتم من شيعتكم». وشبّه صبر أهل البيت على أذى أهل الكوفة بصبر موسى عليه السلام على أذى بني إسرائيل. ويرى الشيخ في ذلك مصداق قوله تعالى:
﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ۖ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: 125]
المحور الخامس: روايات في كتبهم تمسّ مقام النبوة وأهل البيت
ينتقل المؤلف إلى أمر يقول إن كثيرًا من الناس لا يكادون يصدقونه: أن كتب الشيعة المعتمدة فيها ما يطعن في أهل البيت، بل في النبي صلى الله عليه وسلم، مع أن أصحابها يدّعون أنهم حُماة أهل البيت وأنصارهم. ويشير الشيخ إلى ما جمعه الشيخ إحسان إلهي ظهير رحمه الله في مؤلفاته من هذه الروايات، ويَعِد بشرح أحدها بعد هذه الرسالة.
ومن أمثلة ذلك رواية في «أصول الكافي» تنسب إلى علي رضي الله عنه أن «عفيرًا»، حمار رسول الله صلى الله عليه وسلم، كلّم النبي وروى له بإسناد عن آبائه أن جدّه كان مع نوح في السفينة. ويبيّن الشيخ أن هذه الرواية ساقطة، وأنها تكشف حال أسانيد القوم وما في كتبهم من الكذب، وأن عليًّا رضي الله عنه بريء منها.
النقاط الرئيسية
- أهل البيت أوسع مما يدّعيه الشيعة، فهم يشملون آل علي وآل العباس وآل جعفر وآل عقيل، وفي ذريتهم كثيرون لم يكونوا شيعة.
- محبة أهل البيت وموالاتهم عقيدة ثابتة عند أهل السنة وأئمتهم، ولا يختص بها مذهب دون آخر.
- الحديث عن «مظلومية أهل البيت» يُستعمل مدخلًا عاطفيًا ينتهي بالطعن في الصحابة وأمهات المؤمنين.
- كتب الشيعة المعتمدة تروي عن علي والحسن والحسين وزين العابدين والباقر والصادق ذمّهم لشيعتهم وشكواهم من غدرهم.
- المصادر الشيعية نفسها تحمّل شيعة أهل الكوفة مسؤولية خذلان الحسين رضي الله عنه وقتله.
- تروي كتبهم عن جعفر الصادق أن الله هو الذي سمّاهم «الرافضة»، لا أهل السنة.
- في كتبهم المعتمدة روايات واهية ومكذوبة تمسّ مقام النبوة، وتكشف ضعف أسانيدهم.
الفوائد والعبر
- أن يعتز المسلم بمنهج أهل السنة الذي يجمع بين محبة أهل البيت ومحبة الصحابة رضي الله عنهم جميعًا، فلا يفرّط في أحد منهما ولا يغلو فيه.
- ألا ينساق وراء الخطاب العاطفي، وأن يزن الدعاوى بالدليل والتاريخ الموثق قبل أن يتأثر بها.
- أن الرجوع إلى مصادر المخالف نفسه من أقوى طرق إقامة الحجة عليه وكشف تناقضه.
- أن الهداية بيد الله، ومن صدق في طلب الحق وتجرّد له أعانه الله عليه، كما حدث لمؤلف الرسالة.
- أن في صبر أهل البيت على أذى من ادّعى نصرتهم، وفي صبر الأنبياء على أذى أقوامهم، قدوةً للدعاة والمصلحين في تحمّل الأذى والثبات على الحق.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات