شرح رسالة "لله ثم للتاريخ " لحُسين الموسوي (5 و الأخير) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس الخامس، وهو الأخير، من شرح فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري لرسالة «لله ثم للتاريخ» المنسوبة إلى حسين الموسوي. يتناول الشيخ في هذا المجلس آخر ما عرضته الرسالة من مسائل، وهي المسائل المتعلقة بأحكام النكاح والفروج والآداب الزوجية. وقد ذكر المصنف فيها روايات ينقلها من كتب الإمامية الاثني عشرية، ورأى أنها تخالف نصوص القرآن الكريم وما عليه أهل البيت رضي الله عنهم.
ويبين الشيخ أهمية هذا الباب من جهتين. الأولى أنه يتصل بحفظ العِرض، وهو من الضروريات الخمس التي جاءت الشريعة بحفظها. والثانية أنه يكشف كيف تُنسب إلى آل البيت أقوال هم بريئون منها. ويؤكد الشيخ أن الحكم في هذه المسائل يرجع إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما فهمه سلف الأمة.
ويهدف هذا المجلس إلى أن يعرف المشاهد الأدلة القرآنية على تحريم إتيان المرأة في دبرها، وأن يفهم دلالة آيتي سورة البقرة في الحيض والحرث، وأن يتبين الحكمة من تشريع النكاح، وأن يدرك منزلة الغيرة على المحارم في الإسلام وما كان عليه العرب من مروءة حتى قبل الإسلام.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: معنى قول لوط عليه السلام ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾
يبدأ الشيخ بتصحيح فهم قول نبي الله لوط عليه السلام لقومه. فمعنى الآية أنه دعاهم إلى الزواج من بنات قومه زواجًا شرعيًا، وليس فيها إذن بالفاحشة. وقد كان لوط عليه السلام قبل ذلك يأبى تزويج بناته من أولئك الفجرة، فلما خاف الفضيحة في ضيفه عرض عليهم الزواج.
ويذكر الشيخ أن تزويج المؤمنة بالكافر قد يكون جائزًا في شريعة لوط عليه السلام، أما في شريعتنا فهو محرم. وبهذا يتضح أن الآية تحث على الطهارة والزواج الحلال، وأن الاستدلال بها على غير ذلك تحريف لمعناها.
قال الله تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ هَٰؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾ [هود: 78]
المحور الثاني: الروايات التي ذكرتها الرسالة في إباحة إتيان الأدبار
ينقل المصنف روايات من كتب الإمامية تُنسب إلى بعض أئمة أهل البيت، ومضمونها إباحة إتيان المرأة في دبرها، ومنها رواية منسوبة إلى أبي الحسن الرضا. ويعلّق المصنف بأن هذه الأخبار تعارض نص القرآن. ويؤكد الشيخ أن آل البيت رضي الله عنهم بريئون من هذه الأقوال، وأن نسبتها إليهم افتراء عليهم.
ويذكر المصنف كذلك أن هذا القول لم يقتصر على الكتب، بل عمل به بعض من ينتسبون إلى الحوزات العلمية بحسب ما يرويه. ويرى الشيخ أن الخطر يتضاعف حين يصدر الانحراف عن القدوة، لأن الأتباع يقلّدون من يتبعونهم.
المحور الثالث: الأدلة القرآنية على تحريم إتيان الدبر
يستدل الشيخ بآية المحيض. فلو كان إتيان الدبر مباحًا لأمر الله باعتزال الفرج وحده في الحيض. لكنه سبحانه أمر باعتزال النساء في المحيض، ثم قال: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾، وهذا يدل على أن للإتيان موضعًا واحدًا مأذونًا فيه. ولو لم يكن الأمر كذلك لبقيت الآية بلا معنى. ويذكر الشيخ أن السنة أباحت للرجل الاستمتاع بزوجته الحائض دون الفرج، ولم تذكر الدبر مع شدة حاجة الناس إلى البيان، والقاعدة أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
ويستدل كذلك بآية الحرث. فالحرث هو موضع طلب الولد، وقوله تعالى ﴿أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾ يعني على أي هيئة شاء الرجل، بشرط أن يكون الإتيان في موضع الحرث. ثم يقرر الشيخ دليلًا عقليًا: إذا حرّم الله إتيان الفرج في الحيض بسبب الأذى، فالدبر أشد أذى وأولى بالتحريم في كل حال. ولا يُعقل أن يحرّم الشرع ما ضرره أخف ويبيح ما ضرره أعظم.
قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222]
وقال سبحانه: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾ [البقرة: 223]
وقالت عائشة رضي الله عنها: «كَانَ يَأْمُرُنِي فَأَتَّزِرُ، فَيُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِضٌ» [رواه البخاري]
المحور الرابع: الحكمة من النكاح وقوله تعالى ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾
يبين الشيخ أن الجماع المشروع يحقق مقصدين: طلب الولد، وقضاء الشهوة بين الزوجين بالحلال، وبهذا يتحقق بقاء النوع الإنساني. أما الشذوذ فلا ثمرة له إلا النكد وفساد المودة والأمراض. ثم يرد الشيخ على قول من حصر فائدة الفرج في طلب الولد وحده وجعل قضاء الشهوة في غيره، ويبين أن هذا القول باطل.
ويستشهد الشيخ بتفسير قوله تعالى عن قوم لوط: ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾، وأن من معانيه أنهم قطعوا سبيل النسل بإتيانهم في غير موضع الولد. ويذكر الشيخ أن وسائل منع الحمل المعاصرة لا تجعل المحرم حلالًا، وأن ما حرّمه الله يبقى على تحريمه.
قال الله تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ﴾ [العنكبوت: 29]
المحور الخامس: الغيرة على العرض ومسألة «إعارة الفروج»
يعرض الشيخ ما ذكرته الرسالة من روايات في إعارة الفروج. ويحتكم في ذلك إلى الفطرة السليمة، فيسأل كل إنسان مهما كان حاله: هل يرضى أن يُفعل هذا بزوجته أو بأحد من محارمه؟ ويذكّر بأن العرب في الجاهلية، قبل الإسلام، كانوا أهل غيرة ونخوة يأبون الدنيّة في أعراضهم، ثم جاء الإسلام فزاد ذلك حتى نهى عن مجرد النظرة المحرمة.
ويحذّر الشيخ من أن كل من يريد نشر الفاحشة في المجتمعات يفرح بمثل هذه الأقوال ويتخذها ذريعة. ويقرر أن العرض في الإسلام أمانة يجب صيانتها، وأن الرضا بالفاحشة في الأهل يناقض الدين والمروءة.
النقاط الرئيسية
- قول لوط عليه السلام ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ دعوة إلى الزواج الشرعي، وليس فيه إذن بالفاحشة.
- الروايات التي ذكرتها الرسالة في إباحة إتيان الأدبار تعارض نص القرآن الكريم، وآل البيت بريئون منها.
- آية المحيض تدل على أن للإتيان موضعًا واحدًا مأذونًا فيه، هو الذي أمر الله به.
- الحرث موضع طلب الولد، ومعنى ﴿أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾ أي على أي هيئة كان الإتيان، بشرط أن يكون في موضع الحرث.
- إذا حُرّم إتيان الفرج في الحيض بسبب الأذى، فتحريم ما هو أشد أذى أولى.
- من مقاصد النكاح طلب الولد والإعفاف، ومن معاني قطع السبيل في الآية قطع طريق النسل.
- الغيرة على العرض من الفطرة والمروءة، وكانت عند العرب قبل الإسلام، ثم زادها الإسلام رسوخًا.
الفوائد والعبر
- يُعرض كل قول وكل رواية على كتاب الله تعالى، فما خالف صريح القرآن فهو مردود، أيًّا كان من نُسب إليه.
- يجب الدفاع عن آل البيت رضي الله عنهم وتبرئتهم مما نُسب إليهم من الأقوال الباطلة.
- ينبغي أن يتعلم المسلم أحكام العلاقة الزوجية من مصادرها الصحيحة، حتى يحفظ بيته من المحرمات.
- الغيرة على المحارم جزء من الدين، وتنميتها في النفس والأسرة تحصّن المجتمع من نشر الفاحشة.
- ضلال من يُتّخذ قدوة يتعدى إلى أتباعه، فعلى المسلم أن يتحرى فيمن يأخذ عنه دينه.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات