شرح كتاب" الاعتصام بالكتاب والسنة "من صحيح البخاري(17)لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس السابع عشر من شرح «كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة» من صحيح الإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله، يقدمه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. عُقد المجلس بعد صلاة العشاء ليلة الجمعة السابع عشر من جمادى الآخرة سنة 1440هـ، الموافق الثاني والعشرين من فبراير سنة 2019م. يتناول المجلس بابًا أصوليًا دقيقًا عنوانه: «باب الأحكام التي تُعرف بالدلائل، وكيف معنى الدلالة وتفسيرها».
يبيّن الشيخ أن الشريعة لم تنص على كل حكم بلفظ صريح. فكثير من الأحكام يُستفاد بالدلالة والعلامات والقرائن، وقد ربّى النبي ﷺ أصحابه على هذا المنهج حين أحالهم على الآيات الجامعة، وحين سكت عن أمر أو أقرّه. ويشرح الشيخ معنى الحكم والدليل لغةً واصطلاحًا، ثم يشرح أحاديث الباب ويتكلم على أسانيدها ورجالها.
وأهداف هذا الدرس أن يعرف المتعلم أقسام الحكم: العقلي والتجريبي والشرعي، وأن يفهم تعريف الحكم الشرعي وأقسامه التكليفية والوضعية، وأن يدرك كيف يُستنبط الحكم من الدليل العام والإقرار والقرائن، وأن يتعلم أدب السؤال في الدين وأسلوب الشرع الرفيع في الحديث عن الأمور الخاصة.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: معنى الحكم وأقسامه
الأحكام جمع حُكم. والحكم في اللغة هو المنع، ومنه سُمّي القضاء حُكمًا لأن القاضي يمنع المحكوم عليه مما لا يحق له. وفي الاصطلاح هو إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه، كقولك: «فلان قائم» أو «فلان ليس بقائم».
وينقسم الحكم إلى ثلاثة أقسام:
- الحكم العقلي: وهو ما يُدرك بالعقل وحده، كقولنا: الواحد مع الواحد اثنان، والكل أكبر من الجزء.
- الحكم التجريبي: وهو ما يُعرف بالتجربة والملاحظة. ومثّل له الشيخ بتجارب الأطباء على الأدوية، وبمعرفة أن الماء يتكون من الهيدروجين والأكسجين، وبتلقيح النخل في الزراعة، وبتطور الصناعات.
- الحكم الشرعي: وهو المقصود في هذا الباب.
والحكم الشرعي هو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع. والمقصود بخطاب الله الوحي كله، سواء أكان متلوًّا وهو القرآن، أم غير متلو وهو السنة. وقيد «أفعال المكلفين» تخرج به مسائل العقيدة والسيرة، فيبقى ما يتعلق بالعبادات والمعاملات. والاقتضاء هو الطلب، فإن كان طلب فعل جازمًا فهو الفرض، وإن كان غير جازم فهو المستحب. وإن كان طلب ترك جازمًا فهو الحرام، وإن كان غير جازم فهو المكروه. والتخيير هو المباح. والوضع هو جعل الشيء سببًا لشيء أو شرطًا له أو مانعًا منه، فزوال الشمس سبب لوجوب صلاة الظهر، والطهارة شرط لصحة الصلاة، والحيض مانع من أدائها.
المحور الثاني: معنى الدليل والدلالة وما ذكره البخاري في ترجمة الباب
الدليل في اللغة هو الموصل إلى المطلوب، كالرجل الذي يدل المسافر على الطريق. ومن ذلك عبد الله بن أُريقط الذي كان دليل النبي ﷺ وصاحبه في طريق الهجرة. وفي اصطلاح الأصوليين هو ما يُمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى علم يقيني أو ظن راجح، وأصوله الكتاب والسنة والإجماع.
ذكر البخاري في ترجمة الباب ثلاثة أمثلة. الأول أن النبي ﷺ أخبر عن حكم الخيل، ثم سُئل عن الحُمُر فدلّهم على الآية العامة. والثاني أنه ﷺ قال في الضب: «لَا آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ». والثالث أن الضب أُكل على مائدته ﷺ، فاستدل ابن عباس رضي الله عنهما بذلك على أنه ليس بحرام. فالحكم في هذه المسائل لم يُعرف بنص صريح، وإنما عُرف بالدلالة والقرينة.
وفي حديث خالد بن الوليد رضي الله عنه أنه سأل: «أَحَرَامٌ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ»، فاجترّه خالد فأكله والنبي ﷺ ينظر. ونبّه الشيخ على أن النبي ﷺ لا يسكت على باطل، وعلى القاعدة الأصولية: «تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز». فإقراره ﷺ دليل على الإباحة.
المحور الثالث: حديث «الخيل لثلاثة» ودلالة الآية الجامعة على حكم الحمر
روى البخاري الحديث من طريق إسماعيل بن أبي أويس، وهو ابن أخت الإمام مالك، عن مالك، عن زيد بن أسلم مولى عمر، عن أبي صالح ذكوان السمّان، وكان تاجرًا في السمن والزيت عالمًا، عن أبي هريرة رضي الله عنه حافظ الصحابة، أن رسول الله ﷺ قال:
«الخَيْلُ لِثَلَاثَةٍ: لِرَجُلٍ أَجْرٌ، وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ؛ فَأَمَّا الَّذِي لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَطَالَ لَهَا فِي مَرْجٍ أَوْ رَوْضَةٍ... وَرَجُلٌ رَبَطَهَا تَغَنِّيًا وَتَعَفُّفًا، وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي رِقَابِهَا وَلَا ظُهُورِهَا، فَهِيَ لَهُ سِتْرٌ، وَرَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا وَرِيَاءً، فَهِيَ عَلَى ذَلِكَ وِزْرٌ». وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الحُمُرِ، قَالَ: «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيَّ فِيهَا إِلَّا هَذِهِ الآيَةَ الفَاذَّةَ الجَامِعَةَ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾»
ومعنى ذلك أن من وقف دابته في سبيل الله كان له أجر في كل شيء من شأنها، في أكلها وشربها وجريها، بل وفي روثها وبولها، وإن لم يقصد ذلك بعينه. ثم قاس الشيخ على الخيل ما يُركب في زماننا من السيارات والدراجات. فمن أوقف سيارته في سبيل الله أُجر على الوقود الذي يضعه فيها، وعلى إصلاحها، وعلى كل ما يتعلق بها. ومن اقتناها ليستغني بها عن سؤال الناس، ولم ينس حق الله فيها، فهي له ستر. ومن اتخذها للفخر والخيلاء والتكبر على الخلق فهي عليه وزر. قال تعالى: ﴿مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ﴾.
وقد نقل الشيخ كلام الحافظ ابن حجر في بيان وجه الدلالة: لما سُئل النبي ﷺ عن الحمر أشار إلى أن حكمها وحكم غيرها داخل في عموم الآية. فما يُقال في الخيل يُقال في الحمر، أجرًا وسترًا ووزرًا بحسب نية صاحبها واستعماله لها.
المحور الرابع: الحكم بالقرائن والعلامات وشواهده
للقرائن اعتبار في الشرع. ومن أشهر شواهدها قضاء سليمان عليه السلام في المرأتين اللتين ذهب الذئب بابن إحداهما. فقد قضى داود عليه السلام بالولد للكبرى، فدعا سليمان بالسكين ليشقه بينهما، فرضيت الكبرى وأبت الصغرى، فعُرفت الأم الحقيقية بشفقتها، وقضى سليمان بالولد للصغرى.
وذكر الشيخ من فراسة الحكام قصة الخليفة العباسي المعتضد بالله. فقد رأى عاملًا يحمل لبنتين نشيطًا مسرورًا على خلاف أصحابه، فارتاب في أمره، فلما سأله ظهر أنه قتل امرأة وأخذ مالها وذهبها. وبيّن الشيخ أنه يجوز للقاضي أن يهدد بالكلام ليصل إلى الحقيقة، أما ضرب الناس وإيذاؤهم بغير حق فلا يجوز. ونبّه كذلك إلى أن علم النفس وقراءة ملامح الوجه ليست أمورًا يقينية، فلا يُبنى عليها الحكم وحدها.
المحور الخامس: حديث المرأة التي سألت عن غسل الحيض وأدب السؤال
ساق البخاري حديث عائشة رضي الله عنها من طريقين. الأول من طريق سفيان بن عيينة عن منصور بن صفية، وهو منصور بن عبد الرحمن بن طلحة الحجبي العبدري، نُسب إلى أمه صفية بنت شيبة لشهرتها. والثاني من طريق محمد بن عقبة عن الفضيل بن سليمان عن منصور، وفيه نُسب منصور إلى جده لأمه شيبة. وكلاهما يروي عن أمه صفية عن عائشة رضي الله عنها، أن امرأة سألت النبي ﷺ عن الحيض كيف تغتسل منه، فقال:
«خُذِي فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فَتَوَضَّئِي بِهَا»، قَالَتْ: كَيْفَ أَتَوَضَّأُ بِهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «تَوَضَّئِي بِهَا»... قَالَتْ عَائِشَةُ: فَعَرَفْتُ الَّذِي يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَجَذَبْتُهَا إِلَيَّ فَعَلَّمْتُهَا.
والفِرصة هي القطعة من القطن أو الصوف مطيّبة بالمسك، تتتبع بها المرأة أثر الدم لتطهير المحل وتطييبه. ووجه الدلالة على الباب أن عائشة رضي الله عنها فهمت مراد النبي ﷺ بالقرينة دون تصريح، فعلّمت المرأة ما استحيا النبي ﷺ من التصريح به.
ويُستفاد من الحديث أنه لا حياء في السؤال عن أمور الدين، كما قيل: «لا ينال العلمَ مستحٍ ولا مستكبر»، بشرط أن يكون السؤال بأدب ولطف. ويُستفاد منه أيضًا رقيّ أسلوب القرآن والسنة في الحديث عن أمور النساء والعلاقة الزوجية، فهو أسلوب بعيد عن التفصيل الفاحش الذي يقع فيه بعض السفهاء. قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾، وقال: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾.
النقاط الرئيسية
- الحكم لغةً هو المنع، واصطلاحًا هو إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه، وأقسامه: عقلي وتجريبي وشرعي.
- الحكم الشرعي هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع.
- الدليل هو ما يُتوصل بصحيح النظر فيه إلى علم أو ظن راجح، وأصوله الكتاب والسنة والإجماع.
- من الأحكام ما يُعرف بالدلالة والقرائن لا بالنص الصريح، كدلالة الآية العامة على حكم الحمر.
- قول النبي ﷺ في الضب «ولا أحرّمه» وإقراره أكله على مائدته دليلان على الإباحة.
- الدابة ومثلها المركوبات الحديثة تكون لصاحبها أجرًا أو سترًا أو وزرًا بحسب نيته واستعماله.
- لا حياء في السؤال عن أمور الدين، مع التزام الأدب ولطف العبارة في الأمور الخاصة.
الفوائد والعبر
- يستطيع المسلم أن يحوّل ما يملكه من سيارة أو مال أو أداة إلى باب أجر دائم، بإخلاص النية واستعماله في نفع المسلمين.
- ينبغي الحذر من الفخر والخيلاء في المراكب والمقتنيات، فقد تنقلب النعمة على صاحبها وزرًا.
- ينبغي فهم النصوص الشرعية فهمًا شاملًا، وعدم حصر الأحكام في الألفاظ الصريحة، مع الرجوع إلى أهل العلم في الاستنباط.
- يتعلم المسلم أدب السؤال، فيسأل عن أمر دينه بلا حرج ولا تفحّش، ويقتدي بأسلوب القرآن والسنة في الكناية عن الأمور الخاصة.
- للقرائن قيمة في القضاء والحياة، لكن لا يجوز أن تُتخذ ذريعة لظلم الناس أو إيذائهم بغير حق.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات