شرح كتاب"علل الترمذي للحافظ ابن رجب الحنبلي" (7) لفضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.

3,827 مشاهدة
207 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا هو الدرس السابع من شرح كتاب «شرح علل الترمذي» للحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. والكتاب من أهم كتب علوم الحديث، لأنه يشرح منهج الأئمة النقاد في قبول الروايات وردّها، ويبيّن كيف تعاملوا مع الرواة على اختلاف مراتبهم في العدالة والضبط.

يبدأ الدرس بتذكير بقاعدة سبقت، وهي أن رواية الثقة عن غير الثقة لا تجعله ثقة، وإنما ترفع عنه جهالة العين. ثم ينتقل إلى مسألة مهمة ذكرها ابن رجب تعليقًا على كلام الإمام الترمذي، وهي حكم الرواية عن الضعفاء: المتهمين بالكذب، والمغفلين، ومن كثر خطؤه. ويعرض الشيخ أقوال العلماء فيها، ويوجّه ما ورد عن بعض الأئمة من الرواية عن المجروحين.

ويهدف الدرس إلى أن يعرف طالب العلم مذاهب المحدثين في هذه المسألة، وأن يفرّق بين كتابة أحاديث الضعفاء لمعرفتها والتحذير منها وبين روايتها وتحديث الناس بها. كما يبيّن حرص الأئمة على حفظ السنة من الكذب والتركيب وسرقة الأحاديث.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: رواية الثقة عن غيره لا تعني توثيقه

يبدأ الشيخ بمراجعة ما تقرر في الدرس السابق: إذا روى الثقة عن راوٍ آخر فهذا لا يعني أن الثقة وثّقه. فرواية الثقة لا تجعل المروي عنه مقبولًا، وأقصى ما تفيده أن ترفع عنه جهالة العين إن كان مجهولًا لا يُعرف.

وهذه القاعدة أساس لما بعدها. فإذا كان كبار الأئمة قد رووا عن بعض المجروحين، فلا يصح أن نفهم من ذلك أنهم وثّقوهم أو أنهم يجيزون الاحتجاج بحديثهم.

المحور الثاني: حكم الرواية عن المتهمين بالكذب والمغفلين وكثيري الخطأ

ذكر الحافظ ابن رجب أن للعلماء في هذه المسألة قولين:

  • القول الأول: جواز الرواية عنهم. وقد حُكي عن سفيان الثوري. لكن كلام الثوري في روايته عن الكلبي يدل على أنه كان لا يحدّث عنه إلا بما يعرف أنه صدق، فهو يميّز بين ما يصح من حديث الكلبي وما يُردّ.
  • القول الثاني: المنع من الرواية عنهم. وذُكر عن أبي عوانة وعبد الله بن المبارك، وحكاه الترمذي عن أكثر أهل الحديث من الأئمة، وهو مذهب جمهور المحدثين.

وأصل المنع حرص المحدثين على ألا يُنسب إلى النبي ﷺ ما لم يقله، فالمتهم بالكذب في حديث الناس لا يُؤمن أن يكذب في حديث رسول الله ﷺ. وقد جاء في الحديث:

قال رسول الله ﷺ: «مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ» (رواه مسلم في مقدمة صحيحه).

وقال ﷺ: «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» (رواه مسلم في مقدمة صحيحه).

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6].

المحور الثالث: توجيه رواية بعض الأئمة عن المجروحين

ذكر الحاكم أن القول بالجواز يُنسب إلى مالك والشافعي وأبي حنيفة، واستدل لذلك بأمثلة: رواية مالك عن عبد الكريم بن أبي المخارق أبي أمية، ورواية الشافعي عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي، ورواية أبي حنيفة عن جابر الجعفي، وغيرهم من المجروحين.

وبيّن ابن رجب أن هذه الأمثلة لا تدل على أنهم كانوا يرون الرواية عن المتهمين بالكذب:

  • مالك لم يعرف عبد الكريم معرفة جيدة، واغترّ بظاهر هيئته، ولم تكن روايته عنه إلا قليلة.
  • الشافعي كان يرى إبراهيم بن أبي يحيى ثقة، والتهمة بالكذب قالها فيه غير الشافعي. فهو روى عمّن يراه ثقة، ولم يرو عمّن يعتقد أنه كذاب.
  • من أوضح الأمثلة خبر ابن المبارك مع عبد الله بن محرَّر. فقد كان ابن المبارك يسمع عن زهده وورعه وعبادته، حتى قال: لو خُيّرت بين أن أدخل الجنة وبين أن ألقى عبد الله بن محرر لاخترت أن ألقاه ثم أدخل الجنة. فلما لقيه قال: كانت بعرةٌ أحبَّ إليّ منه. فالرواية عن مثل هذا قد تقع قبل أن يتبيّن حاله.

ونبّه الشيخ على أن الطعن في الراوي من رجل خبير بأحاديثه، كخبرة الثوري بحديث الكلبي، يختلف عن الطعن فيه ممن لا يعرف حديثه. وقد يكون الإمام عالمًا بكذب الراوي فيسمع حديثه ليحفظه ويميّزه، لا ليحتج به.

المحور الرابع: كتابة أحاديث الضعفاء لمعرفتها وكشف سرقة الأحاديث وتركيب الأسانيد

من مقاصد الأئمة في كتابة أحاديث الضعفاء والكذابين أن يعرفوها حتى لا يغترّ بها أحد. فإذا كان الحديث لا يُعرف إلا من طريق الكلبي مثلًا، ثم جاء متهم فسرقه وركّب له إسنادًا نظيفًا، عرف النقاد أن الحديث حديث الكلبي وأن هذا الإسناد الجديد مسروق مركّب.

ومن الأمثلة خبر الإمام أحمد مع يحيى بن معين في صنعاء، حين رآه يكتب صحيفة معمر عن أبان بن أبي عياش عن أنس. وأبان متروك الحديث. فقال له أحمد: تكتب صحيفة معمر عن أبان وتعلم أنها موضوعة؟ فقال يحيى: أكتبها وأحفظها، حتى إذا جاء كذّاب فجعل مكان أبان ثابتًا، فرواها عن معمر عن ثابت عن أنس، قلت له: كذبت، إنما هي عن معمر عن أبان، لا عن ثابت.

وقال يحيى بن معين أيضًا: كتبنا عن الكذابين، وسجرنا به التنور، وأخرجنا به خبزًا نضيجًا. يعني أنهم كتبوها لمعرفتها ثم أتلفوها حتى لا تقع في يد أحد فيظنها صحيحة. وذُكر عن أبي غسان أنه كتب أحاديث إسحاق بن أبي فروة، فقيل له: ما تصنع بها؟ فبيّن أنه يكتبها ليعرفها فلا يُغلَب عليها ولا تُقلب عليه.

المحور الخامس: الفرق بين الكتابة للمعرفة والرواية للتحديث

خلاصة ما قرره الشيخ أن كتابة الإمام لأحاديث الضعفاء ليعرفها ويكشف بها الكذب شيء، وروايته لها وتحديث الناس بها على أنها حديث يُحتج به شيء آخر. فالأول من حفظ السنة والذبّ عنها، والثاني هو ما منعه جمهور المحدثين.

وكذلك يُفرّق بين ذكر أحاديث الضعفاء مع بيان حالها، وذكرها دون بيان. فمن ذكرها وبيّن ضعفها أو وضعها فقد أدّى الأمانة، ومن رواها ساكتًا عن حالها فقد يغترّ بها من لا يعرف.

النقاط الرئيسية

  • رواية الثقة عن راوٍ لا تعني توثيقه، وإنما ترفع عنه جهالة العين فقط.
  • للعلماء في الرواية عن المتهمين بالكذب والمغفلين وكثيري الخطأ قولان: الجواز والمنع، والمنع مذهب جمهور أهل الحديث كما حكاه الترمذي.
  • ما نُقل عن الثوري من الرواية عن الكلبي محمول على أنه كان يميّز صادق حديثه من كاذبه.
  • رواية مالك والشافعي وأبي حنيفة عن بعض المجروحين لا تدل على أنهم يرون الرواية عن الكذابين، فبعضهم لم يتبيّن له حال الراوي، وبعضهم كان يراه ثقة.
  • كان الأئمة يكتبون أحاديث الكذابين ليعرفوها ويكشفوا بها سرقة الأحاديث وتركيب الأسانيد.
  • قصة يحيى بن معين مع صحيفة معمر عن أبان عن أنس مثال واضح على الكتابة للمعرفة لا للرواية.
  • كتابة الحديث الضعيف لمعرفته أو ذكره مع بيان حاله أمر، وروايته على أنه حجة دون بيان أمر آخر.

الفوائد والعبر

  • التثبت قبل النقل: لا ينشر المسلم حديثًا منسوبًا إلى النبي ﷺ حتى يعرف صحته، وإذا ذكر حديثًا ضعيفًا بيّن حاله.
  • لا يُغترّ بالظاهر: قصة ابن المبارك مع عبد الله بن محرر تعلّمنا أن الشهرة بالزهد والعبادة لا تكفي لقبول الرواية، فلا بد من الضبط والصدق.
  • معرفة الباطل لتجنّبه: كتب الأئمة أحاديث الكذابين ليكشفوا الكذب ويحفظوا السنة، وطالب العلم يتعلم مواطن الخلل ليحذر منها ويحذّر غيره.
  • حمل كلام الأئمة على أحسن الوجوه: ما ظاهره رواية عن مجروح يُفهم في ضوء منهج الإمام وعلمه بحال من روى عنه.
  • الأمانة العلمية: يحرص المسلم على حفظ الدين من التحريف كما حرص السلف، ويعلم أن الكذب على رسول الله ﷺ من أعظم الذنوب.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات