شرح كتاب " علل الترمذي " للحافظ ابن رجب الحنبلي ( 32) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

2,642 مشاهدة
278 مشاركة
منذ 4 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الثاني والثلاثون من مجالس شرح كتاب «شرح علل الترمذي» للحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ويتناول الدرس بابًا دقيقًا من أبواب علم العلل، وهو معرفة الثقات الذين يُضعَّف حديثهم في بعض الأماكن دون بعض، أو عن بعض الشيوخ دون بعض. وهو باب لا يتقنه إلا من جمع الطرق ونظر في أحوال الرواة وبلدانهم ورحلاتهم.

وتكمن أهمية هذا الموضوع في أن الحكم على الحديث لا يقف عند توثيق الراوي توثيقًا مطلقًا. فالثقة قد يضبط حديثه في بلدٍ كانت معه فيه كتبه، ويخطئ في بلدٍ آخر حدّث فيه من حفظه. وقد يتقن حديث أهل بلده، ويضطرب في حديث الغرباء. ومعرفة ذلك سببٌ في تمييز الصواب من الخطأ في الأسانيد والمتون.

ويهدف الدرس إلى أن يعرف طالب العلم الضرب الأول من هذا النوع وأعلامه، مع أمثلة تطبيقية من أقوال الأئمة كأحمد وابن المديني ويعقوب بن شيبة. ثم يدخل في الضرب الثاني، وهو من حدّث عن أهل مصرٍ أو إقليمٍ فحفظ حديثهم، وحدّث عن غيرهم فلم يحفظه.

المحور الأول: افتتاح المجلس وتعريف النوع المدروس

افتتح الشيخ المجلس بخطبة الحاجة التي كان النبي ﷺ يعلّمها أصحابه، وتلا فيها الآيات الجامعة للأمر بالتقوى. ثم دعا للحاضرين بالعلم النافع والعمل الصالح وحسن الختام، وأن يعيذهم الله من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

ثم شرح النوع الذي ذكره ابن رجب، وهو «من يُضعَّف حديثه في بعض الأماكن دون بعض». وبيّن أنه على ثلاثة أضرب، أولها نوعان:

  • من حدّث في مكانٍ لم تكن معه فيه كتبه فخلّط، وحدّث في مكانٍ آخر من كتبه فضبط.
  • من سمع من شيخ في مكان فلم يضبط عنه، وسمع منه في موضع آخر فضبط.

وأوضح الشيخ أن بعض المشايخ يكون ثقة صحيح الكتاب، لكن ضبطه من حفظه ليس تامًّا. فإذا حدّث من غير كتابه ظهرت له بعض الأوهام والأخطاء.

ومن الآيات التي افتتح بها المجلس:

  • ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]
  • ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]
  • ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71]
  • «فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَإِنَّ خَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَإِنَّ شَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ»

المحور الثاني: مَعْمَر بن راشد بين اليمن والبصرة

ذكر الشيخ أن معمر بن راشد أصله من البصرة، ثم رحل إلى اليمن. ولما أراد الرجوع إلى البصرة من أجل أمه، أحبّ أهل صنعاء حبسه عندهم، فزوّجوه فاستقر بها، وكانت كتبه في صنعاء. ولهذا كان حديثه باليمن جيدًا، وحديثه بالبصرة فيه اضطراب كثير.

ونقل قول الإمام أحمد في رواية الأثرم: إن حديث عبد الرزاق عن معمر أحب إليه من حديث هؤلاء البصريين، لأنه كان يتعاهد كتبه باليمن، وكان يحدّثهم بالبصرة بخطأ. ونقل قول يعقوب بن شيبة: إن سماع أهل البصرة من معمر حين قدم عليهم فيه اضطراب، لأن كتبه لم تكن معه.

ومن أمثلة ما اختُلف فيه عليه:

  • حديث: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَوَى أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ مِنَ الشَّوْكَةِ». رواه باليمن عن الزهري عن أبي أمامة مرسلًا، ورواه بالبصرة عن الزهري عن أنس، والصواب المرسل.
  • حديث: «إِنَّمَا النَّاسُ كَالْإِبِلِ الْمِائَةِ، لَا تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً». رواه باليمن عن الزهري عن سالم عن أبيه ابن عمر رضي الله عنهما، ورواه بالبصرة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه، وهو خطأ.
  • حديث غيلان بن سلمة الثقفي: «أَنَّهُ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا». قال أحمد: أخطأ معمر بالبصرة في إسناده فوصله، وحدّث به باليمن منقطعًا.

وخلص الشيخ إلى قاعدة عملية: إذا وجدت حديثًا لمعمر فانظر في الرواة عنه. هل هم ممن سمع منه باليمن، أو رحل إليه فيها، فحديثهم صحيح؟ أم هم ممن سمع منه بالبصرة، فيُنظر فيه ويُتوقّف حتى يُعرض على رواية غيرهم؟

المحور الثالث: هشام بن عروة وعبد الرحمن بن أبي الزناد ويزيد بن هارون

هشام بن عروة: متفق على توثيقه وإمامته وجلالته. قال يعقوب بن شيبة: ثبت، لم يُنكر عليه شيء إلا بعد ما صار إلى العراق. ويقع الاختلاف عنه غالبًا في أنه يسند الحديث أحيانًا ويرسله أحيانًا. فإذا أتقنه أسنده، وإذا هابه أرسله.

وعدّ الشيخ إرساله في العراق من ورعه، فهو يخشى أن يكون الحديث ليس من حديث عائشة رضي الله عنها، فيقف به عند أبيه. وذلك لأن كتبه لم تكن معه بالعراق. وقرّر أن حديث هشام بالمدينة مقدَّم على حديثه بالعراق عند الاختلاف، وأن اتفاق الروايتين دليل على إتقان الإسناد.

عبد الرحمن بن أبي الزناد: ضعّف علي بن المديني ما حدّث به بالعراق، وصحّح ما حدّث به بالمدينة. وقال ابن المديني: إن ما رواه سليمان الهاشمي عنه نظر فيه فإذا هو مقارب. وعلّق الشيخ بأن العراق كأنها كانت أرض فتنة على هؤلاء الرواة في ضبطهم.

يزيد بن هارون الواسطي: قال الإمام أحمد: من سمع منه بواسط أصح ممن سمع منه ببغداد، لأنه كان بواسط يُلقَّن فيرجع إلى ما في كتبه. ونبّه الشيخ إلى أن هذا يدل على أهمية مراجعة العالم لكتبه.

المحور الرابع: عبد الرزاق الصنعاني، وعبيد الله العمري، والوليد بن مسلم، والمسعودي

عبد الرزاق بن همام الصنعاني صاحب «المصنف»: قال أحمد في رواية الأثرم: سماع عبد الرزاق بمكة من سفيان مضطرب جدًّا، وأما ما سمعه منه باليمن فأحاديثه صحاح. ونقل قول عبد الرزاق إن القاضي هشام بن يوسف كان يكتب بيده، وهو ينظر في الكتاب، فإذا قاموا ختم القاضي الكتاب. وفي هذا دلالة على ضبط سماعه باليمن.

ومثّل لذلك بحديث عائشة رضي الله عنها: «أُهْدِيَ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَشِيقَةُ لَحْمٍ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَلَمْ يَأْكُلْهُ». أنكره أحمد إنكارًا شديدًا وقال: هذا سماع مكة. وذلك لأن الصواب ما رواه أحمد من وجه آخر عن سفيان عن عبد الكريم عن قيس بن مسلم بلفظ: «وَشِيقَةُ ظَبْيٍ». فأسقط عبد الرزاق عبد الكريم من الإسناد، وأبدل «ظبي» بـ«لحم». وناقش الشيخ هل المراد بسفيان هنا الثوري أو ابن عيينة.

عبيد الله بن عمر العمري: ذكر يعقوب بن شيبة أن في سماع أهل الكوفة منه شيئًا. وتعقّبه الشيخ بأن في كلامه نظرًا، لأن عبيد الله ثقة ثبت بإطلاق.

الوليد بن مسلم الدمشقي: ثقة حافظ، لكنه كثير التدليس، ومنه تدليس التسوية. وظاهر كلام أحمد أن ما حدّث به في غير دمشق ففيه شيء. وسأل أبو داود الإمامَ أحمد عن حديثٍ للأوزاعي عن عطاء عن أبي هريرة، فقال: هذا من الوليد، يُخاف ألا يكون محفوظًا عن الأوزاعي، لأنه حدّث به الوليد بحمص وليس هو عند أهل دمشق.

ونبّه الشيخ في الوليد إلى منهج العدل في الجرح والتعديل: فلا يُوثَّق بإطلاق ولا يُضعَّف بإطلاق، بل هو ثقة مدلس. فإذا صرّح بالسماع ورواه عنه الدمشقيون فحديثه صحيح. أما ترجيح قولٍ دون جمع أقوال أهل العلم فمن اتباع الهوى.

المسعودي (عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة): سبب الخلل في حديثه الاختلاط. فمن سمع منه بالكوفة فسماعه صحيح، ومن سمع منه ببغداد فبعد اختلاطه.

المحور الخامس: الضرب الثاني، من حفظ حديث أهل بلده دون غيرهم

فرّق الشيخ بين الضربين. فالضرب الأول يتعلق بمكان تحديث الراوي، كمعمر باليمن أو بالبصرة. وأما الضرب الثاني فيتعلق بشيوخ الراوي، فهو من حدّث عن أهل مصرٍ أو إقليمٍ فحفظ حديثهم، وحدّث عن غيرهم فلم يحفظ.

ومن أشهر أمثلته إسماعيل بن عياش الحمصي، المتوفى سنة إحدى أو اثنتين وثمانين ومائة. إذا حدّث عن الشاميين، وهم أهل بلده، فحديثه صحيح. وإذا حدّث عن غيرهم فحديثه مضطرب. وهذا مضمون ما قاله الأئمة فيه، كأحمد ويحيى بن معين والبخاري وأبي حاتم. وقد ذكر الترمذي ذلك في كتاب الوصايا، باب ما جاء في «لا وصية لوارث»، ونقل عن البخاري أن روايته عن أهل الشام أصح.

فلا يكفي أن تقول: حدّث به إسماعيل بن عياش فهو صحيح أو ضعيف، بل لا بد من النظر في شيخه: أهو شامي أم غير شامي؟ ثم شرع الشيخ في ذكر بقية بن الوليد الحمصي، وهو كثير الرواية عن المجهولين والمناكير، ويُستكمل الكلام عليه في المجلس التالي.

النقاط الرئيسية

  • من الثقات من يُضعَّف حديثه في بعض الأماكن دون بعض، وسبب ذلك غالبًا غياب كتبه وتحديثه من حفظه.
  • حديث معمر باليمن صحيح، وحديثه بالبصرة فيه اضطراب. ومن أمثلته حديث كيّ أسعد بن زرارة، وحديث «الناس كالإبل المائة»، وحديث غيلان.
  • حديث هشام بن عروة بالمدينة أتقن من حديثه بالعراق، وإرساله أحيانًا من ورعه وتحرّيه.
  • عبد الرحمن بن أبي الزناد يُصحَّح حديثه بالمدينة ويُضعَّف بالعراق، ويزيد بن هارون أصح بواسط منه ببغداد.
  • سماع عبد الرزاق من سفيان باليمن صحيح، وبمكة مضطرب، كما في حديث الوشيقة.
  • الوليد بن مسلم ثقة مدلس تدليس التسوية، ويُقبل حديثه إذا صرّح بالسماع ورواه عنه أهل دمشق. والمسعودي يُقبل منه سماع الكوفة دون بغداد.
  • الضرب الثاني يتعلق بشيوخ الراوي لا بمكان تحديثه، كإسماعيل بن عياش: يصح حديثه عن الشاميين، ويضطرب عن غيرهم.

الفوائد والعبر

  • ينبغي لطالب العلم أن يتعاهد كتبه ومحفوظاته ويراجعها قبل التحديث والتعليم، فالعلماء بشر يحفظون وينسون، ويصيبون ويخطئون.
  • لا يُحكم على الحديث بمجرد توثيق راويه، بل يُنظر في الراوي عنه ومكان السماع وشيخه، وتُجمع الطرق لمعرفة العلة.
  • العدل والإنصاف في الحكم على الرجال واجب، فيُجمع بين أقوال أهل العلم ولا يُطلق التوثيق أو التضعيف اتباعًا للهوى.
  • الورع في الرواية من صفات الأئمة، كما كان هشام بن عروة يرسل ما لم يتقنه احتياطًا، وهذا درس في التثبت عند نقل العلم.
  • الكتابة وضبط الكتاب من أعظم أسباب حفظ العلم، كما ظهر في ضبط حديث معمر وعبد الرزاق باليمن حيث كانت كتبهما.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات