شرح كتاب " علل الترمذي " للحافظ ابن رجب الحنبلي ( 29 ) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

3,628 مشاهدة
279 مشاركة
منذ 4 سنوات

المقدمة

هذا هو الدرس التاسع والعشرون من شرح كتاب «شرح علل الترمذي» للحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يتابع الشيخ فيه الكلام على طبقات الرواة، فينتقل بعد الانتهاء من أصحاب إبراهيم بن يزيد النخعي إلى أصحاب الإمام سليمان بن مهران الأعمش. والأعمش من كبار حفاظ الكوفة، وعليه يدور عدد كبير من الأسانيد. ثم يبدأ الشيخ في الكلام على أصحاب منصور بن المعتمر.

وأهمية هذا الباب أنه يعرّف طالب الحديث بمراتب أصحاب الشيخ الواحد: من الأوثق فيه، ومن الأحفظ لحديثه، ومن يُقدَّم عند الاختلاف. وعلى هذه المعرفة يقوم الترجيح بين الروايات، وبها تُكشف العلل الخفية في الأسانيد، وهي من أدق أبواب علم العلل.

ويهدف الدرس إلى أن يعرف الطالب أقوال الأئمة النقاد، كيحيى بن معين وأحمد بن حنبل وعبد الرحمن بن مهدي ويحيى القطان وعلي بن المديني وأبي حاتم والدارقطني، في ترتيب أصحاب الأعمش. وفي أثناء الدرس يقف الشيخ وقفات منهجية في لزوم الدليل والثبات على الحق، والتحذير من البدع واتباع الأهواء.

المحور الأول: الإمام الأعمش، وتقديم سفيان الثوري وأبي معاوية في حديثه

الأعمش هو سليمان بن مهران الكاهلي الأسدي مولاهم، أبو محمد الكوفي، من كبار الحفاظ، وكان يُوصف بالتدليس. توفي سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة، رحمه الله. ولكثرة حديثه وكثرة الرواة عنه احتاج النقاد إلى ترتيب أصحابه ومعرفة الأثبت فيهم.

والأئمة متفقون على تقديم سفيان الثوري في الأعمش. قال يحيى بن معين: «لم يكن أحد أعلم بحديث الأعمش من سفيان الثوري». وقال عبد الرحمن بن مهدي: «ما رأيت سفيان لشيء من حديثه أحفظ منه لحديث الأعمش». وكان يحيى بن سعيد القطان يقول إن سماعه حديث الأعمش من سفيان أحب إليه من سماعه من الأعمش نفسه، وهذا يدل على شدة إتقان الثوري لحديث شيخه. وقال أبو حاتم الرازي: «أحفظ أصحاب الأعمش الثوري». ولما سُئل الإمام أحمد عن أحب الناس إليه في حديث الأعمش قال: سفيان، فقيل له: شعبة؟ فقال: سفيان.

ويأتي بعد الثوري أبو معاوية محمد بن خازم الضرير. وصفه ابن معين بأنه من أحفظ الخلق لحديث الأعمش، وكان أصحابه إذا ذاكروه حديث الأعمش ظهر من سعة حفظه ما ليس عند غيره. وقال يعقوب بن شيبة: «سفيان الثوري وأبو معاوية مقدمان في الأعمش على جميع من روى عنه». ومن إنصاف أهل العلم ما قاله جرير بن عبد الحميد: «أبو معاوية يحفظ حديث الأعمش، ونحن أخذناه من الرقاع». ومع هذه المنزلة فقد رُمي أبو معاوية بالإرجاء.

وفرّق الإمام أحمد بين وجهين من التقديم: فأبو معاوية مقدَّم في كثرة حديث الأعمش والعلم به، وشعبة صاحب حديث يؤدي الألفاظ ويتقنها، لأن أبا معاوية كان ربما حدّث بالمعنى. ولما سُئل: بعد أبي معاوية، أشعبة أثبت؟ قال: «شعبة أثبت في كل شيء».

المحور الثاني: بقية الثقات من أصحاب الأعمش ومراتبهم

ذكر الأئمة بعد الثوري وأبي معاوية وشعبة جماعة من الثقات. منهم زائدة بن قدامة، وقد قال فيه الإمام أحمد إنه من أصح الناس حديثًا عن الأعمش بعد الثوري. وزاد يعقوب بن شيبة جماعة وصفهم بأنهم ثقات في الأعمش، وهم: عبيد الله بن موسى العبسي، ومحاضر بن المورّع، ومندل بن علي العنزي، ووكيع بن الجراح، وعبد الله بن نمير، ويحيى بن عيسى التميمي النهشلي.

وتكلم بعضهم في رواية وكيع عن الأعمش لأنه سمع منه وهو صغير، فدفع ذلك عيسى بن يونس وقال: «لا تقل ذاك، إنه كان ينتقيها ويعرفها». وكان عبد الرحمن بن مهدي يقول: «ما أعدل بوكيع أحدًا» بعد الثوري. فلما قيل له إن الناس يقدّمون أبا معاوية، نفر من ذلك وقال إن عنده كذا وكذا وهمًا.

ومن المواضع التي اختلف فيها النقاد حفص بن غياث. فقد تكلم فيه الإمام أحمد لشيء في حفظه، وقدّمه غيره، حتى إن يحيى القطان جعله أوثق أصحاب الأعمش. وقد أنكر علي بن المديني ذلك أول الأمر، ثم رأى كتاب حفص عن الأعمش عند ابنه عمر فأقرّ بصحته. ويرى الشيخ أن الصواب أن حفصًا من ثقات أصحاب الأعمش، لكنه لا يُقدَّم على الثوري ولا على أبي معاوية. وقال الدارقطني إن أرفع الرواة عن الأعمش هم: الثوري، وأبو معاوية، ووكيع، ويحيى القطان، ومحمد بن فضيل بن غزوان.

وفي المقابل ضعّف الأئمة رواية معمر بن راشد عن الأعمش، ووصفوه فيها بسوء الحفظ الشديد. وكذلك عدّوا جرير بن عبد الحميد غير ضابط عن الأعمش. وخلاصة القاعدة عند الشيخ أن الراوي إذا اختلف مع أحد هؤلاء الثقات المقدَّمين في الأعمش، قُدِّمت رواية الثقة المقدَّم.

المحور الثالث: أصحاب منصور بن المعتمر

ثم بدأ الشيخ في الكلام على أصحاب منصور بن المعتمر السلمي الكوفي، أبي عتاب، وهو إمام حافظ متقن ثبت، لم يكن يدلس، وتوفي سنة اثنتين وثلاثين ومئة.

ونقل عن عثمان بن سعيد الدارمي أنه سأل يحيى بن معين عن جرير وشريك في منصور، فقال: «جرير أعلم به». ثم سأله عن شريك وأبي الأحوص، فقال: «شريك أعلم به». فالترتيب في منصور إذن: جرير بن عبد الحميد، ثم شريك بن عبد الله، ثم أبو الأحوص. ووافق أبو حاتم على تقديم شريك على أبي الأحوص.

ويظهر من هذا أن الراوي قد يُقدَّم في شيخ ويتأخر في غيره. فجرير لم يكن ضابطًا عن الأعمش، ومع ذلك هو أعلم الناس بحديث منصور. ولهذا يُحكم على الراوي بحسب الشيخ الذي يروي عنه، لا بحكم واحد مطلق.

المحور الرابع: وقفات منهجية في لزوم الدليل والتحذير من البدع

افتتح الشيخ الدرس بخطبة الحاجة، وفيها التذكير بأن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وأن «كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ». ومن الآيات التي تلاها قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ۝ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71].

وبيّن الشيخ أن البدعة من أعظم مداخل الشيطان بعد الكفر والشرك. فصاحب الكبيرة يُقرّ بخطئه ويرجو التوبة، أما المبتدع فيتمسك ببدعته ويبحث لها عن المسوّغات والتأويلات. وأكد أن من خالف أصلًا متفقًا عليه عند أهل السنة لزمه أن يأتي بالدليل من الكتاب والسنة، ولا يكفيه أن يحتج بفتاوى أُخرجت بعد أن تُركت طويلًا ورُدّ عليها.

واستشهد الشيخ بموقف الإمام أحمد بن حنبل في المحنة؛ فقد ثبت وحده على الحق حين أجاب غيره تحت الإكراه، ولم يقل أحد إن الحق كان مع الأكثرين يومئذ. واستشهد كذلك بموقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه من مانعي الزكاة، وقد تأولوا قول الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ [التوبة: 103]، فلم يُعذَروا بهذا التأويل. ومن هنا اشتهرت المقولة المأثورة عن علي بن المديني: «إن الله أعزّ هذا الدين برجلين: بأبي بكر الصديق يوم الردة، وبأحمد بن حنبل يوم المحنة».

وذكّر الشيخ بغربة الحق في آخر الزمان، مستشهدًا بقوله صلى الله عليه وسلم: «بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ» (رواه مسلم). وحذّر من التصدر للفتوى في دين الله بغير علم، ومن تهوين أمر الشرك أو ترك الدعوة إلى التوحيد.

النقاط الرئيسية

  • سفيان الثوري أثبت الناس وأحفظهم في حديث الأعمش باتفاق كبار النقاد.
  • أبو معاوية الضرير مقدَّم في كثرة حديث الأعمش والعلم به، وشعبة مقدَّم في ضبط الألفاظ، وهو أثبت في كل شيء.
  • من ثقات أصحاب الأعمش: زائدة بن قدامة، ووكيع، ويحيى القطان، وابن فضيل، وابن نمير، وحفص بن غياث، وغيرهم.
  • ضعّف الأئمة رواية معمر بن راشد عن الأعمش، وعدّوا جرير بن عبد الحميد غير ضابط فيه.
  • في منصور بن المعتمر يُقدَّم جرير، ثم شريك، ثم أبو الأحوص.
  • يتفاوت الراوي الواحد قوةً وضعفًا بحسب الشيخ الذي يروي عنه.
  • الحق يُعرف بالدليل من الكتاب والسنة، لا بكثرة الأتباع ولا بالأقوال المجردة عن الدليل.

الفوائد والعبر

  • عند اختلاف الروايات عن الأعمش أو منصور، يُرجع إلى ترتيب أصحابهما لمعرفة الرواية الراجحة.
  • الإنصاف خلق أهل العلم، كما أقرّ جرير بحفظ أبي معاوية، ورجع ابن المديني إلى الصواب لما رأى الكتاب.
  • ينبغي التثبت قبل الحكم على الرواة والأقوال، والجمع بين أقوال الأئمة لفهم مقصود كل واحد منهم.
  • الثبات على السنة واجب ولو قلّ السالكون، اقتداءً بأبي بكر الصديق يوم الردة وأحمد بن حنبل يوم المحنة.
  • الحذر من البدع واتباع الهوى، ولزوم منهج السلف في الاستدلال، وترك تحريف الحق بالتأويلات المتكلفة.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات