شرح كتاب"علل الترمذي للحافظ ابن رجب الحنبلي" (1) لفضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
يفتتح فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري -حفظه الله- بهذا الدرس سلسلة شرح كتاب «شرح علل الترمذي» للحافظ زين الدين ابن رجب الحنبلي رحمه الله. والكتاب شرح لكتاب «العلل الصغير» الذي ختم به الإمام الترمذي كتابه «الجامع». ويُعدّ هذا الشرح من أنفس ما كُتب في علم علل الحديث وقواعد النقد عند أئمة الحديث المتقدمين.
كان لابن رجب شرح كبير على «جامع الترمذي»، لكنه فُقد في فتنة تيمورلنك، ولم يبقَ منه إلا الجزء الخاص بشرح العلل. وهذا الجزء هو الكتاب الذي بين أيدينا.
سار الشيخ في هذا الدرس على المنهج العلمي في شرح الكتب، وهو التعريف بالمؤلف والشارح والكتاب قبل الدخول في المتن، «ليتذكّر من يعرف، ويتعلّم من يجهل». ويهدف الدرس إلى تعريف الطالب بالإمام الترمذي ومنزلة جامعه، وبالحافظ ابن رجب ومكانته العلمية، ثم بيان قيمة «شرح العلل» وأبرز فوائده التي ينفرد بها عن كتب المصطلح.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: ترجمة الإمام الترمذي رحمه الله
نقل الشيخ ترجمته من «سير أعلام النبلاء» للذهبي. فهو محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاك السُّلمي الترمذي، أبو عيسى، الحافظ العَلَم الإمام البارع. ولد في حدود سنة عشر ومئتين تقريبًا، وتوفي سنة تسع وسبعين ومئتين.
اختُلف في كونه وُلد أكمه. والصحيح أنه أضرّ في كِبَره بعد رحلته وكتابته العلم، وكان سبب ذلك كثرة بكائه من خشية الله. وقد أكثر الرواية عن الإمام البخاري وتتلمذ عليه.
أثنى عليه الأئمة ثناءً عظيمًا:
- ذكره ابن حبان في «الثقات» وقال: «كان ممن جمع وصنّف وحفظ وذاكر».
- قال أبو سعد الإدريسي: «كان يُضرب به المثل في الحفظ».
- نقل الحاكم عن عمر بن عَلَّك قوله: «مات البخاري فلم يُخلّف بخراسان مثل أبي عيسى في العلم والحفظ والورع والزهد، بكى حتى عمي، وبقي ضريرًا سنين».
ومن مصنفاته:
- «الجامع» المشتهر بسنن الترمذي.
- «الشمائل المحمدية» في صفات النبي ﷺ وأخلاقه.
- «العلل الكبير»، المعروف بترتيب أبي طالب القاضي.
- «العلل الصغير» الذي في آخر الجامع، وهو الذي شرحه ابن رجب.
المحور الثاني: منزلة «جامع الترمذي» وأقسامه وما أُخذ عليه
قال الترمذي عن كتابه: «صنّفتُ هذا الكتاب فعرضته على علماء الحجاز والعراق وخراسان فرضوا به، ومن كان في بيته هذا الكتاب فكأنما في بيته نبيٌّ يتكلم».
وقال الذهبي: «في الجامع علم نافع، وفوائد غزيرة، ورؤوس المسائل، وهو أحد أصول الإسلام، لولا ما كدّره بأحاديث واهية، بعضها موضوع، وكثير منها في الفضائل». ومقصوده بالأصول الكتب الخمسة: البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي.
ونقل الشيخ أن «الجامع» على أربعة أقسام:
- قسم مقطوع بصحته، يوافق أحاديث الشيخين.
- قسم على شرط أبي داود والنسائي.
- قسم أخرجه وبيّن علّته وضعفه.
- قسم رابع أبان عنه بقوله: «ما أخرجت في كتابي هذا إلا حديثًا قد عمل به بعض الفقهاء» سوى حديثين.
والحديث الأول هو حديث قتل شارب الخمر في الرابعة: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ فِي الرَّابِعَةِ فَاقْتُلُوهُ». وقد أفرد العلامة أحمد شاكر رحمه الله رسالةً في نصرة العمل بهذا الحديث، ورأى أن لوليّ الأمر العمل بمضمونه.
والحديث الثاني هو حديث ابن عباس رضي الله عنهما: «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا بِالْمَدِينَةِ فِي غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا سَفَرٍ».
ومما أُخذ على الترمذي التساهل في التصحيح والتحسين. قال الذهبي: «جامعه قاضٍ له بإمامته وحفظه وفقهه، ولكن يترخّص في قبول الأحاديث ولا يشدّد، ونَفَسُه في التضعيف رخو». ومن أمثلة ذلك:
- تصحيحه حديث: «الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ» من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني، وهو متروك.
- تحسينه حديث ابن عباس في دخول النبي ﷺ قبرًا ليلًا وإسراج السراج له، مع أن في إسناده ثلاثة ضعفاء.
ولذلك لا يعتمد المحققون على تحسينات الترمذي بإطلاق. ومع ذلك نُقل عن أبي إسماعيل الهروي قوله إن جامع الترمذي «أنفع» من الصحيحين. ونبّه الشيخ على أن المقصود «أنفع» لا «أصح»، لأن فائدة الصحيحين لا يصل إليها إلا المتبحر، أما الترمذي فقد صحّح وضعّف، وجرّح وعدّل، وأعلّ، وذكر مذاهب الفقهاء، فيصل إلى فائدته طالب العلم المتوسط.
المحور الثالث: ترجمة الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله
هو الإمام الحافظ زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب، البغدادي مولدًا، ثم الدمشقي نشأةً وحياة، الحنبلي مذهبًا. ولد ببغداد سنة ست وثلاثين وسبعمئة، وقدم مع والده إلى دمشق سنة أربع وأربعين وسبعمئة وهو صغير. وتوفي سنة خمس وتسعين وسبعمئة.
كان سلفي العقيدة، تلقّاها منذ نعومة أظفاره عن الإمام ابن القيم رحمه الله، فهو من المدرسة التي أرسى دعائمها شيخ الإسلام ابن تيمية. وأخذ أيضًا عن الحافظ الذهبي. وامتاز أسلوبه بالجزالة والطلاوة والعذوبة، وكان يلتزم السجع أحيانًا، متأثرًا بطريقة الفقهاء والمحدثين.
ومن أعظم مصنفاته:
- «جامع العلوم والحكم».
- «فتح الباري» في شرح صحيح البخاري، ولم يتمّه.
- «شرح علل الترمذي».
وتطرّق الشيخ إلى اتفاق ابن رجب وابن حجر في تسمية شرحيهما على البخاري بـ«فتح الباري». وردّ دعوى من زعم أن ابن حجر أخذ من شرح ابن رجب ولم يُشِر إليه، وبيّن أنها دعوى ضعيفة لا تليق بحافظ في منزلة أمير المؤمنين في الحديث. غير أن من يطالع شرح ابن رجب يعرف قدره وعلوّ كعبه. وقد شاء الله أن يتمّ كتاب ابن حجر وينتشر، وألا يتمّ كتاب ابن رجب، ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا.
المحور الرابع: التعريف بكتاب «شرح علل الترمذي» وأبرز فوائده
نقل الشيخ كلام الدكتور نور الدين عتر في تحقيقه، وفيه أن هذا الشرح يمكن اعتباره كتابين: الأول شرح لكتاب «العلل الصغير» من جميع جوانبه، والثاني أبحاث مستقلة في علوم الحديث وعلله استطرد إليها ابن رجب أثناء الشرح، حتى صار الكتاب مرجعًا أصيلًا في هذا الفن. ومن أبرز فوائده:
- بحث الأحاديث التي ادُّعي الاتفاق على ترك العمل بها. زاد ابن رجب على ما ذكره الترمذي، وبيّن أن الدعوى غير مسلَّمة، وأن بعض أهل العلم قد عمل بها.
- مباحث الرواية وأحوال الرواة وأحكامهم، كزيادة الثقة، وذكر الأقوال فيها والترجيح بينها.
- التنبيه على الرواة الضعفاء، ولا سيما من اشتهر بالعبادة والزهد، لئلا يُغترّ بصلاحهم في باب الرواية.
- دراسة طائفة من أجلّة أهل الحديث الذين تُكلّم في حفظهم، كشريك بن عبد الله النخعي القاضي، الذي تغيّر حفظه بعد توليه القضاء.
- بيان الرواة الذين يدور عليهم الإسناد، كنافع والزهري وغيرهما، وبيان أوثق الناس فيهم. فمن أحاط بأحاديث هؤلاء أحاط بكثير من الأحاديث الصحيحة التي عليها مدار السنة.
- مباحث طرق التحمّل كالعرض والإجازة والمناولة، والتنبيه على رواية من لا يحفظ إذا حدّث من كتاب غيره.
- بحث الحديث المرسل وتفاوت درجاته، والتوفيق بين كلام المحدثين والفقهاء والأصوليين فيه، ردًّا على من ضخّم الخلاف بينهم.
- تقسيم الرواة من حيث الاختلاف عليهم، ومن حيث الاختلاط وأثره في مروياتهم.
- تحرير مصطلحات الترمذي كقوله: «حسن صحيح» و«حسن غريب»، وبيان تقسيمه للحديث واصطلاحه في «الحسن» الذي اشتهر به.
المحور الخامس: منهج ابن رجب في استنباط قواعده
بيّن الشيخ أن عامة ما ذكره ابن رجب في هذا الشرح فوائد نادرة، كثير منها غير موجود في كتب المصطلح المتداولة. وقد استخرجها ابن رجب بالاستقراء والتتبّع لكلام أئمة النقد المتقدمين، كالبخاري وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلي بن المديني وابن أبي شيبة ويعقوب بن شيبة، ومن بعدهم كأبي حاتم وابن حبان وغيرهم.
ولهذا يورث الكتاب طالبَ العلم ملكةً تطبيقية في الحكم على الأحاديث ونقدها، لأنه ينقله من حفظ القواعد المجردة إلى معرفة طريقة الأئمة في التطبيق، ويجعله يدرك الفرق بين الراوي الثقة مطلقًا والثقة في شيخ دون شيخ، أو في حال دون حال.
النقاط الرئيسية
- كتاب «شرح علل الترمذي» لابن رجب هو ما بقي من شرحه الكبير على جامع الترمذي، الذي فُقد في فتنة تيمورلنك.
- من المنهج العلمي في شرح الكتب التعريف بالمؤلف والشارح والكتاب قبل الشروع في المتن.
- الإمام الترمذي (ت 279هـ) تلميذ البخاري، ضُرب به المثل في الحفظ والورع، وعمي في آخر عمره من كثرة البكاء من خشية الله.
- «جامع الترمذي» أحد الأصول الخمسة، وهو أنفع للطالب المتوسط لجمعه بين الحكم على الحديث وفقه الفقهاء، مع تساهل مؤلفه في التصحيح والتحسين.
- ابن رجب (736–795هـ) بغدادي المولد، دمشقي النشأة، حنبلي المذهب، سلفي العقيدة، تتلمذ على ابن القيم والذهبي.
- يشتمل الشرح على مباحث نفيسة في الرواة ومدار الأسانيد والمرسل وطرق التحمّل ومصطلحات الترمذي.
- استنبط ابن رجب قواعده بالاستقراء من كلام أئمة النقد المتقدمين، فجاءت فوائده نادرة لا توجد في كثير من كتب المصطلح.
الفوائد والعبر
- الجمع بين العلم والخشية هو سمة العلماء الربانيين، كما كان حال الترمذي الذي بكى من خشية الله حتى ذهب بصره. فليحرص طالب العلم على أن يثمر علمُه عملًا وتقوى.
- الإنصاف مع العلماء واجب، فلا يُطعن في إمام كابن حجر بدعاوى ضعيفة، ولا يُغمط حق إمام كابن رجب. فلكلٍّ فضله ومنزلته.
- لا يُغترّ بصلاح الراوي وزهده في قبول روايته، فالعدالة وحدها لا تكفي دون الضبط والإتقان. وهذا أصل عظيم في التثبّت في الأخبار عمومًا.
- ينبغي لطالب الحديث ألا يكتفي بالقواعد النظرية في كتب المصطلح، بل يرجع إلى كلام الأئمة المتقدمين وتطبيقاتهم، لتتكوّن لديه ملكة النقد الصحيح.
- العناية بمعرفة الرواة الذين تدور عليهم الأسانيد وأوثق أصحابهم تختصر على الطالب طريقًا طويلًا في الإحاطة بالأحاديث الصحيحة التي عليها مدار السنة.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات