شرح كتاب " حلية طالب العلم" للشيخ بكر أبو زيد (6) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس السادس من مجالس شرح كتاب «حلية طالب العلم» للعلّامة الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. وموضوعه الفصل السادس من الكتاب: «أدب الطالب مع شيخه». والأدب مع الشيخ من أهم ما ينبغي أن يُعلَّم في طريق الطلب، لأن العلم لا يُؤخذ من الكتب وحدها. فلا بد للطالب من شيخ يفتح له أبواب الطلب ويقيه العثرات والزلل، ومن جعل شيخه كتابه فالغالب أنه لا يتأدب ولا يعرف قدر أهل العلم.
ويبيّن الشيخ أن الأدب مع الشيخ له ضوابط. فهو لا يعني التقليد الأعمى، ولا اعتقاد العصمة في الشيخ، ولا تضخيمه فوق قدره. ومع ذلك فكون الشيخ غير معصوم لا يبيح للطالب أن يسلك معه غير سبيل الأدب. فالشيخ المربي والد للقلب والعقل، كما أن الأب والد للجسد.
ويهدف هذا المجلس إلى تعريف الطالب بآداب الجلوس إلى الشيخ ومخاطبته وسؤاله، وبكيفية التعامل مع خطئه، وبآداب الانتقال إلى شيخ آخر. ويحذّر كذلك من الغلو والتقليد المذموم، ليجمع الطالب بين توقير الشيخ واتباع الحق.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: لماذا يحتاج الطالب إلى شيخ، وما منزلة الشيخ؟
يقرر الشيخ أن من طلب العلم من الكتب وحدها يقع غالبًا في الزلل، ثم لا يتأدب مع الخلق ولا يحترم أهل العلم والفضل، لأنه يظن أنه قد صار شيئًا. ولو جلس إلى العلماء لعرف حقيقة نفسه. ولهذا ترى بعض من قرأ قليلًا يريد أن يدرّس الناس، مع أن سلسلة العلم عنده مقطوعة، فلا يُعرف له شيخ تلقّى عنه.
ورعاية حرمة الشيخ عنوان النجاة والفلاح والتحصيل والتوفيق. لذلك ينبغي أن يكون الشيخ عند الطالب محل إجلال وإكرام وتقدير. والطالب ليس من عامة الناس، بل هو منسوب إلى العلم، ولأهل العلم أخلاق وآداب تميزهم.
ويستشهد الشيخ بالأثر المشهور عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «النَّاسُ ثَلَاثَةٌ: عَالِمٌ رَبَّانِيٌّ، وَمُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ، وَهَمَجٌ رَعَاعٌ». ثم ينبّه الطالب إلى أنه ليس من الهمج الرعاع، بل هو مشتغل بالعلم، فعليه أن يتخلّق بأخلاق أهله. ولهذا اشترط أهل الحديث المروءة في الراوي، حفاظًا على الدين وصيانةً لسمت أهل العلم.
المحور الثاني: آداب المجلس والحديث مع الشيخ
يذكر الشيخ أن على الطالب أن يجمع الآداب كلها مع شيخه: في جلوسه معه، وفي حديثه إليه، وفي حسن السؤال والاستماع. ومن ذلك أن يتأدب في تقليب الكتاب أمامه، وأن يترك التطاول والمماراة، وألا يتقدم عليه بكلام أو مشي. ومنه ألا يكثر الكلام عنده، وألا يدخل في حديثه أو درسه بكلام من عنده يريد به إظهار علمه. ولا بأس بالموافقة المهذبة أو بذكر فائدة إذا أذن الشيخ.
ويمثّل لذلك بتوقير الكبير، فالسنة أن يتقدم الكبير في المشي والدخول، سواء كان كبيرًا في القدر كالعالم أو شيخ القبيلة، أو كبيرًا في السن. ويذكر ما كان عليه السلف من تقديم بعضهم بعضًا، ويقول بعضهم لبعض: «تقدّم فأنت أسنّ»، فيرد الآخر: «بل تقدّم فأنت أجلّ». وينبّه إلى أن الشيخ المربي لا يسمح لطلابه بأن يتطاول بعضهم على بعض، وخاصة في مجلسه.
ومن الأدب ألا يخاطب الطالب شيخه بتاء الخطاب، فلا يقول: أنت، وقلتَ، وفعلتَ. ولا يناديه باسمه مجردًا، ولا يناديه من بعيد إلا لضرورة، كأن يكون الشيخ بعيدًا لا يرى الطالب. والأصل في ذلك أدب القرآن في مخاطبة النبي ﷺ.
قال الله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا﴾ [النور: 63]
وقال ﷺ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُوَقِّرْ كَبِيرَنَا، وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا» [رواه الترمذي وغيره]
ويختم هذا المحور بالأمر بتوقير المجلس. فمجالس العلم مجالس وقار وسكينة، تحفّها الملائكة وتغشاها الرحمة. وينبغي للطالب أن يُظهر سروره بالدرس وما استفاده منه، وأن يفرح بكل علم جديد يتعلمه.
المحور الثالث: أدب السؤال وترك الإلحاح والإكثار
ينهى المصنف عن الإلحاح على الشيخ في الجواب إذا امتنع منه. فقد يكون الشيخ مشغولًا بأمر، أو في ضيق، أو يرى أن المسألة لا تُطرح في هذا الموضع، أو يعتريه ما يعتري البشر. والأدب حينئذ أن يسكت الطالب. ولا حرج أن يعيد السؤال في وقت آخر، إلا إذا صرّح الشيخ بأنه لا يريد الكلام في المسألة. وقد يكون الطالب هو سبب ضجر الشيخ ثم يتهمه بأنه لا يصبر على طلابه. ويذكر الشيخ في هذا مثلًا كان يكثر منه الشيخ الألباني رحمه الله: أن الحائط قال للوتد: لِمَ تشقّني؟ فقال: سَلْ من يدقّني.
ويحذّر من الإكثار من الأسئلة، وخاصة أمام الناس، فإن ذلك يورث الغرور والملل. والناس في مثل هذا الحال فريقان: فريق يسيء الظن بالسائل فيرى أنه يرائي أو يريد امتحان الشيخ، وفريق قد يسيء الظن بالشيخ إذا لم يجب. وقد يظن السائل أن أسئلته تفيد إخوانه بما لم يعلموه، وربما كانوا قد عرفوه منذ سنين.
ويذمّ الشيخ من يسمّيهم الشيخ بكر «المولّدين»، وهم الذين يمتحنون الشيوخ في قدرتهم العلمية، ويثيرون عندهم القضايا الشائكة ليُحرجوهم. ويبيّن أن هذا ليس من الأخلاق ولا من الأدب ولا من طلب العلم. فطالب العلم يتعلم ليعبد الله على بصيرة، لا ليماري العلماء ولا ليجاري السفهاء ولا ليصرف وجوه الناس إليه.
المحور الرابع: التعامل مع خطأ الشيخ، وفضل التلقي على مجرد القراءة
إذا ظهر للطالب خطأ أو وهم من شيخه فلا يُسقطه ذلك من عينه، فإن ذلك سبب لحرمانه من علمه. فمن ذا الذي لا يخطئ؟ ولا حرج أن يناقشه بأدب ويبيّن له ما يراه بخلق حسن. ولا يُهجر الشيخ لخطأ في مسألة، إلا أن يكون قد ابتدع في دين الله.
وقد يكون الخطأ في تصوّر الطالب لا في كلام الشيخ. ويستدل على ذلك بقصة موسى مع الخضر عليهما السلام، فقد رأى موسى قتل الغلام منكرًا عظيمًا في الظاهر. فلما أخبره الخضر بما أوحى الله إليه صار ما كان مستبشعًا هو عين الصواب.
قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [الكهف: 80]
ويذكر الشيخ أن بعض الطلاب يرى في كلام شيخه خطأ، ثم تمضي الأيام والسنون فيجد أنه كان الصواب. ثم يبيّن فضل التلقي على مجرد القراءة: فمن اكتفى بالقراءة لم يداوم في الغالب على إتمام الكتاب، وإن أتمّه لم يفهم كثيرًا منه، وإن فهمه فقد يخطئ في فهمه. ويضرب مثلًا بكتاب «الرسالة» للإمام الشافعي، وهو من أسهل كتب الأصول: اقرأه وحدك وانظر ما استفدت، ثم احضر مجلس شيخ يشرحه وانظر كم فاتك من الخير. فالشيخ إما أن يفهّمك ما لم تفهم، وإما أن يسدّ عنك ما فاتك.
المحور الخامس: الانتقال إلى شيخ آخر، والتحذير من الغلو والتقليد المذموم
إذا أراد الطالب الانتقال إلى شيخ آخر فليستأذن شيخه، فهو أرعى لحرمته وأملك لقلبه في محبته. ويقرر الشيخ منهج السلف في ذلك: أن يدرس الطالب على أكثر من شيخ مع اختصاصه بشيخ يكون مرجعًا له، يثق في دينه وعلمه، ويزن به ما يسمعه ويقرؤه. فإن لم يوجد شيخ متمكن في أكثر من فن، فليكن له في كل باب من يرجع إليه.
ويذمّ الشيخ من يتنقل بين المشايخ ليقال إنه مقرّب من الجميع. ويحذّر من أن الله قد يبعده عن الجميع، ويذكّر بأن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلّبها كيف يشاء. ويبيّن أن الشيخ المربي والد، فيتألم من انقطاع ولده عنه كما يتألم الوالد. وقد سمّى بعضهم هذه العلاقة «الرضاع الأدبي»، وسمّاها بعض العلماء «الأبوة الدينية»، والتسمية الثانية أليق.
ثم ينبّه المصنف إلى أنه بقدر رعاية حرمة الشيخ يكون النجاح والفلاح، وبقدر التفريط فيها يكون الإخفاق. ويحذّر في الوقت نفسه من عادات الأعاجم والطرقية والمبتدعة في الخضوع الخارج عن آداب الشرع، كلحس الأيدي، وتقبيل الأكتاف، والانحناء عند السلام، والألفاظ الرخوة المتخاذلة مثل «سيدي» و«مولاي».
ويختم بأن رأس مال الطالب من شيخه هو الاقتداء بصالح أخلاقه وكريم شمائله، فيتعلم منه الحلم والهدي والسمت، لا الكلام وحده. ويحذّر من الاندفاع في محبة الشيخ إلى حد تقليده في صوته ونغمته ومشيته وهيئته، فلا يكون الطالب صورة مكررة من شيخه. ويستدل بأن الصحابة لم يقلدوا النبي ﷺ في طريقة كلامه، وكان ابن عمر رضي الله عنهما على شدة اتباعه يقتدي به فيما ظنه عبادة.
النقاط الرئيسية
- العلم لا يؤخذ من الكتب وحدها، ولا بد من شيخ يفتح أبواب الطلب ويقي الطالب الزلل.
- الأدب مع الشيخ لا يعني التقليد الأعمى ولا اعتقاد عصمته، وعدم عصمته لا يبيح ترك الأدب معه.
- من آداب المجلس: حسن الجلوس والاستماع، وترك المماراة، وعدم التقدم على الشيخ بكلام أو مشي، وترك مخاطبته بتاء الخطاب.
- ينبغي ترك الإلحاح على الشيخ إذا امتنع من الجواب، وترك الإكثار من الأسئلة أمام الناس.
- خطأ الشيخ لا يُسقطه من عين الطالب، فقد يكون الخطأ في تصوّر الطالب نفسه، كما في قصة موسى والخضر.
- من الأدب أن يستأذن الطالب شيخه إذا أراد الانتقال إلى غيره، مع اتخاذ شيخ مرجع يزن به ما يتعلمه.
- يجب الحذر من الغلو في الشيخ وعادات الخضوع البدعية، ومن تقليده في صوته وهيئته، فرأس المال هو الاقتداء بأخلاقه.
الفوائد والعبر
- أن يحرص الطالب على التلقي عن شيخ متقن، وألا يكتفي بالقراءة المنفردة، فبركة العلم في التلقي عن أهله.
- أن يراجع الطالب نيته عند السؤال، فيسأل ليتعلم ويعمل، لا ليُظهر علمه أو يمتحن الشيخ أو يحرجه.
- أن يحسن الظن بالشيخ عند ظهور خطأ منه، فيناقشه بأدب ولا يحرم نفسه من علمه.
- أن يوقّر الكبير في المجالس والطرقات، ويغرس هذا الأدب في نفسه وأهله وإخوانه.
- أن يأخذ من الشيخ أخلاقه وسمته وهديه قبل كلامه، دون غلو يوقعه في التقليد المذموم أو الخضوع المخالف للشرع.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات