شرح كتاب " حلية طالب العلم" (4) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو الدرس الرابع من شرح كتاب «حلية طالب العلم» للشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يتناول الدرس جملة من الآداب التي تكمل شخصية طالب العلم، وأولها التحلي بالمروءة. والمروءة أن يتصف المرء بصفات أهل الفضل في المقام الذي هو فيه: فطالب العلم يتخلق بأخلاق طلبة العلم، والعالم بأخلاق العلماء، والطبيب بأخلاق الأطباء الأفاضل.
ويبين الشيخ أن طالب العلم يحمل ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس. لذلك ينبغي أن يتحلى بكل فضيلة ويبتعد عن كل خلق رذيل، فيجمع بين العزة بلا كبر، والتواضع بلا ذل، والشهامة بلا عصبية. ويشرح الدرس الفرق بين المداراة المشروعة والمداهنة المذمومة، ويعرض خوارم المروءة الشرعية والعرفية، ويتناول خصال الرجولة من شجاعة وكرم، ثم يدعو إلى هجر الترفه والابتعاد عن زيف الحضارة.
ويهدف الدرس إلى أن يعرف طالب العلم الأخلاق التي تحفظ هيبته ومكانته بين الناس، وأن يتجنب ما يطعن في دينه أو يمنع الناس من قبول الحق الذي يحمله، وأن يفهم أن مظهره وسلوكه دعوة صامتة إلى الله عز وجل.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: التحلي بالمروءة وما يحمل إليها من مكارم الأخلاق
يقرأ الشيخ قول المؤلف: «التحلي بالمروءة وما يحمل إليها من مكارم الأخلاق، وطلاقة الوجه، وإفشاء السلام، وتحمل الناس، والأنفة من غير كبرياء، والعزة في غير جبروت، والشهامة في غير عصبية، والحمية في غير جاهلية». ثم يبين أن هذه هي الصفات التي ينبغي لطالب العلم أن يتصف بها. فلا يلقى الناس دائمًا بوجه عابس، بل يعاملهم برحمة وحرص على الخير، ويحب الخير لجميع الخلق حتى للكفار، وخيرهم أن يهديهم الله إلى الإسلام.
وينبه الشيخ إلى أن لكل مقام مقالًا. فإذا انتُهكت محارم الله عز وجل كان الغضب لله واجبًا. أما الأصل في التعامل فهو اللين وخفض الجناح للمؤمنين، والعزة على الكافرين من غير كبر ولا ظلم.
ويفرق الشيخ بين الأنفة المحمودة والكبر المذموم. فالأنفة عزة النفس وترفعها عن الدنايا، أما الكبر فقد عرّفه النبي صلى الله عليه وسلم تعريفًا جامعًا.
قال الله تعالى:
﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: 215]
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ» [رواه مسلم]
المحور الثاني: الفرق بين المداراة والمداهنة
من الفروق الدقيقة التي يشرحها الشيخ الفرق بين المداراة والمداهنة. فالمداراة أن تتحمل الناس وتتألفهم من أجل دينك، وهي مشروعة. أما المداهنة فهي مجاملة الناس على حساب الدين، وهي محرمة. فإذا طمع الرجل في شيء من دنياك، كسواكك أو قلمك أو ثوبك، فلا حرج أن تعطيه ذلك تأليفًا لقلبه، لعل الله أن يصلحه به.
أما إذا طمع أن تتنازل عن شيء من دينك، أو أن تشاركه في معصية أو بدعة حتى لا يغضب، فلا يجوز ذلك بحال. فالدين ليس ملكًا لنا، وإنما نحن مبلغون عن الله عز وجل. والمشاركة في الحرام حرام، والمشاركة في البدع حرام.
قال الله تعالى:
﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: 78-79]
﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ ۖ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]
المحور الثالث: خوارم المروءة الشرعية والعرفية
يبين الشيخ أن خوارم المروءة نوعان. النوع الأول شرعي، يتركه طالب العلم لأنه قد يوقعه في الحرام. والنوع الثاني عرفي، يتركه لأنه قد يطعن في دينه ويمنع الناس من قبول الحق الذي عنده. ويضرب لذلك أمثلة: كوقوف المرأة المنتقبة في الطريق ترفع صوتها بالهتافات، وكصاحب اللحية الذي يأكل وهو يمشي في الطريق. فهذه أمور تسيء إلى صورة الدين وأهله.
والخوارم العرفية تختلف باختلاف الزمان والمكان. فوضع الصغير إحدى قدميه على الأخرى في مجلس الكبير يُعد قلة أدب في بعض البلدان، ولا يُعد كذلك في بلدان أخرى. وكشف الرأس كان من خوارم المروءة في زمن ثم تغيّر العرف. والحلف بالطلاق كان لا يفعله إلا السوقة، ثم انتشر حتى بين المتعلمين. فعلى طالب العلم أن يراعي الشرعي مطلقًا، وأن يراعي أعراف البلد الذي يعيش فيه حتى لا يُطعن في دينه.
ومن خوارم المروءة كذلك: الحرف المهينة التي لا تليق بطالب العلم، والخلال الرديئة كالعُجب والرياء والبطر والخيلاء واحتقار الآخرين، وغشيان مواطن الريبة. ويحذر الشيخ من حضور مجالس المنكر دون نصح، ومن مواطن الشبهة التي قد يحتج بها الناس على طالب العلم.
المحور الرابع: التمتع بخصال الرجولة من الشجاعة والكرم
ومما ينبغي لطالب العلم أن يتمتع بخصال الرجولة: الشجاعة، وشدة البأس في الحق، والجلَد، ومكارم الأخلاق، والبذل في سبيل المعروف. وعليه أن يحذر نواقضها من ضعف الجأش وقلة الصبر والجبن والبخل، فإنها تهضم العلم وتقطع لسانه عن قول الحق.
ويبين الشيخ أن الكرم لا يقاس بكثرة ما يُقدَّم، بل يبدأ بحسن الاستقبال وطلاقة اللسان. فرب فقير يكرمك بشيء يسير فيكون أعظم عندك من كريم يبذل الكثير. ويذكر ما يُحكى عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه كان فقيرًا ومع ذلك كان من أكرم الناس، حتى إنه كان يعطي عمامته أو ثوبه لمن يحتاجه. ويذكر أن الكريم في الغالب شجاع، والبخيل في الغالب جبان، وإن لم تكن هذه قاعدة مطردة.
ويستشهد الشيخ بموقف الإمام البخاري رحمه الله حين رفض أن يذل العلم ويذهب به إلى أبواب أمير بخارى خالد بن أحمد الذهلي، فطرده الأمير من بخارى. وكان ذلك من أسباب زوال ملك ذلك الأمير.
قال الإمام الشافعي رحمه الله:
وَإِنْ كَثُرَتْ عُيُوبُكَ فِي الْبَرَايَا ... وَسَرَّكَ أَنْ يَكُونَ لَهَا غِطَاءُ
تَسَتَّرْ بِالسَّخَاءِ فَكُلُّ عَيْبٍ ... يُغَطِّيهِ كَمَا قِيلَ السَّخَاءُ
المحور الخامس: هجر الترفه والابتعاد عن زيف الحضارة وأدب اللباس
يحذر الشيخ من الاسترسال في التنعم والرفاهية. فلا حرج على طالب العلم في المباح من اللباس والمركب، لكن بحساب. فكلما مد عينيه إلى شيء من الدنيا طلبت نفسه ما هو أكثر منه. وحب الدنيا من أعظم أسباب الجبن والبخل وترك قول الحق.
ويشرح معنى «البذاذة من الإيمان»، فيبين أنها التقشف والتقلل وألا تعطي النفس كل ما تطلب، وليست ترك الثياب بلا غسل. فالله جميل يحب الجمال، ولا حرج أن يكون ثوب المرء حسنًا نظيفًا مطيبًا، بشرط ألا ينشغل بذلك. ويوصي بالأخذ بوصية عمر بن الخطاب رضي الله عنه في ترك التنعم وزي العجم والتعود على الخشونة. ويحذر من التشبه بالكفار في لباسهم. ومن ذلك أن الشيخ يرى تحريم ربطة العنق (الكرافتة) لأنه لم يجد لها أصلًا سوى أنها وفدت من الغرب، وهذا اجتهاده، ويطلب ممن عنده دليل على إباحتها أن يفيده به.
ويتناول الشيخ خطر تأنيث الأولاد بتربيتهم وسط النساء وحدهم، ويوصي الآباء بأن يصحبوا أبناءهم إلى مجالس الرجال حتى يتهذبوا ويكتسبوا الرجولة. ويبين أن اللباس عنوان على انتماء صاحبه وتكوينه وذوقه، وأن الحلية في الظاهر تدل على الميل في الباطن. فعلى طالب العلم أن يكون وسطًا في لباسه، لا يلبس المرقّع وقد أغناه الله، ولا يبالغ في التأنق.
قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ [طه: 131]
﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: 18]
ومن السنة:
«الْبَذَاذَةُ مِنَ الْإِيمَانِ» [رواه أبو داود وابن ماجه]
«إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ» [رواه مسلم]
وفي حديث الوَهن قيل: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: «حُبُّ الدُّنْيَا، وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ» [رواه أبو داود]
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
«إِيَّاكُمْ وَالتَّنَعُّمَ وَزِيَّ الْعَجَمِ، وَتَمَعْدَدُوا وَاخْشَوْشِنُوا»
النقاط الرئيسية
- المروءة أن يتخلق المرء بأخلاق أهل الفضل في مقامه، ولطالب العلم منها الحظ الأوفر لأنه يحمل ميراث النبوة.
- ينبغي لطالب العلم أن يجمع بين العزة بلا كبر، والتواضع بلا ذل، والشهامة بلا عصبية، والحمية بلا جاهلية.
- المداراة تأليف الناس بشيء من الدنيا من أجل الدين وهي مشروعة، أما المداهنة فتنازل عن الدين لإرضاء الناس وهي محرمة.
- خوارم المروءة شرعية يجب تركها مطلقًا، وعرفية تختلف باختلاف الزمان والمكان ويراعيها طالب العلم في بلده.
- الشجاعة والكرم من خصال الرجولة، والجبن والبخل يهضمان العلم ويقطعان اللسان عن قول الحق.
- حب الدنيا والترفه من أعظم أسباب الوهن، والبذاذة معناها التقشف والتقلل لا إهمال النظافة.
- اللباس عنوان على انتماء صاحبه، والحلية في الظاهر تدل على الميل في الباطن، والتشبه بالكفار في زيهم منهي عنه.
الفوائد والعبر
- أن يلقى المسلم الناس بوجه طلق، وأن يفشي السلام ويتحمل أذاهم، فهذا من أعظم أبواب الدعوة إلى الله.
- أن يزن مواقفه مع الناس بميزان دقيق، فيبذل لهم من دنياه ما يتألف به قلوبهم، ولا يتنازل عن شيء من دينه مهما كان الضغط.
- أن يحاسب نفسه على تصرفاته في الطريق والمجالس والأسواق، ويبتعد عن مواطن الريبة حتى لا يكون سببًا في الطعن في الدين وأهله.
- أن يربي أبناءه على الرجولة والخشونة، ويصحبهم إلى مجالس الرجال حتى ينشؤوا أقوياء في الحق.
- أن يكون وسطًا في مظهره ولباسه، نظيفًا متجملًا من غير إسراف ولا انشغال بالمظاهر، ويتخذ من سمته وهديه دعوة صامتة إلى الله عز وجل.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات