شرح كتاب " حلية طالب العلم" للشيخ بكر أبو زيد (10 والأخير) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس العاشر والأخير من شرح كتاب «حلية طالب العلم» للعلامة بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري حفظه الله. ويتناول فيه الفصل السادس من الكتاب، وعنوانه «التحلي بالعمل». وهذا الفصل خلاصة الكتاب كله، لأن العلم لا يُطلب لذاته، وإنما يُطلب ليصحّ به الاعتقاد وتستقيم به العبادة ويحسن به السلوك. ومن تعلّم ولم يعمل كان علمه حجةً عليه لا له.
ويعرض الشيخ في هذا المجلس علامات العلم النافع التي يقيس بها طالب العلم حظه من الانتفاع بعلمه، ومنها: العمل بالعلم، وكراهية التزكية والمدح، والتواضع، والفرار من حب الرياسة والشهرة، وسوء الظن بالنفس. ثم يتكلم عن زكاة العلم، وعن عزة العلماء وصيانتهم للعلم عن أن يُبتذل عند أهل الدنيا، ويفرّق بين العزة المحمودة والكبر المذموم.
أهداف التعلم: أن يعرف المشاهد أن الغاية من العلم هي العمل، وأن يميّز علامات العلم النافع من علامات العلم الذي يكون وبالًا على صاحبه، وأن يعرف كيف يؤدي زكاة علمه بالنشر والأمر بالمعروف والشفاعة الحسنة، وأن يحفظ للعلم عزته دون أن يقع في الكبر على الخلق.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: التحلي بالعمل غاية العلم
يبيّن الشيخ أن أكثر نصوص الإيمان في القرآن الكريم تقرن الإيمان بالعمل الصالح في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، لأن الغاية من العلم أن تعتقد الحق وتعمل به. فلا معنى لأن يعلم المرء أن الصلاة فرض ثم لا يصلي، أو يعلم وجوب الزكاة ثم لا يزكي، أو يعلم وجوب الوفاء بالعهود ثم لا يفي بها.
ويقرر الشيخ أن العمل جزء من حقيقة الإيمان عند أهل السنة والجماعة، فالإيمان قول واعتقاد وعمل، والعبادات كلها أعمال: الصلاة والصيام والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فطالب العلم لا يتعلم ليكثّر النصوص والمسائل والكتب في محفوظه، وإنما يتعلم ليعرف الحق ويعمل به.
ويحث الشيخ طالب العلم على أن يكون له حظ من النوافل بعد الفرائض، فإذا سمع حديثًا في فضل صيام الاثنين والخميس عمل به ولو مرة، وأقل ذلك أن يصوم في الشتاء القصير النهار. وإذا قرأ في فضل الصدقة تصدّق ولو بالقليل، لأن النوافل تجبر نقص الفرائض يوم القيامة.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2-3]
وقال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 44]
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ» [رواه مسلم]
وقال ﷺ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ... فَإِنِ انْتَقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ شَيْءٌ قَالَ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ: انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ فَيُكَمَّلَ بِهَا مَا انْتَقَصَ مِنَ الْفَرِيضَةِ» [رواه الترمذي]
المحور الثاني: علامات العلم النافع
يذكر الشيخ أن من العلم ما يكون وبالًا وحسرة على صاحبه، ولذلك ينبغي لطالب العلم أن يسأل نفسه عن حظه من علامات العلم النافع. وأولها العمل به، ثم كراهية التزكية والمدح والتكبر على الخلق. فمن أحب أن يُزكّى دائمًا ويُمدح دائمًا، وظن أن الناس جهال لا عالم فيهم سواه، فهذه علامة على أن علمه لم ينفعه. ويحذّر الشيخ من التعلق بالألقاب والشهادات المعاصرة، فهي لا تصنع عالمًا ولا تنفع إن لم يصحبها علم نافع.
ومن علاماته كذلك التواضع، فكلما ازداد العالم علمًا ازداد تواضعًا وذلًّا لعباد الله. وقد يكون للعالم هيبة يخشاها من يراه، فإذا جلس إليه وجد عنده الرحمة والمودة والحرص على إخوانه. أما المتكبر فمثله عند الشيخ كمثل الدخان، يرتفع ثم يتلاشى ولا قيمة له.
ويفرّق الشيخ بين أمرين: الاعتزاز بالحق، والتكبر على الخلق. فطالب العلم يتمسك بالحق الذي كان عليه النبي ﷺ وخلفاؤه الراشدون ولو خالفه الناس، بشرط أن يكون له في ذلك سلف. لكنه يحذر أن يظن أنه وحده المصيب وأن الدنيا كلها لا تعرف شيئًا.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85]
وقال تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76]
المحور الثالث: الفرار من حب الرياسة وسوء الظن بالنفس
من علامات العلم النافع الفرار من حب الترؤس والشهرة والدنيا. ويوضح الشيخ أن المقصود ليس رئاسة الدولة فحسب، وإنما حب الزعامة والتصدر وأن يكون المرء دائمًا في المقدمة. وهذا الهوى قد يحرّف العالم عن منهج أهل العلم، فيحمله على الحزبية والتقرب إلى أهل الدنيا طلبًا للمال والجاه. أما السلف رحمهم الله فكانوا يفرّون من الشهرة فتأتيهم رغمًا عنهم، لأن من أخلص نيته لله أظهره الله وإن كان في جحر ضب.
ومن علاماته أيضًا سوء الظن بالنفس وإحسان الظن بالناس، فلا ينبغي للإنسان أن يحسن الظن بنفسه دائمًا، لأن النفس أمارة بالسوء. ويحسن الظن بعباد الله خشية أن يقع في الإثم إذا أساء الظن بهم. ويحذّر الشيخ من دعوى التفرد، كأن يزعم المرء أنه وصل إلى ما لم يصل إليه أحد، أو أن مسألة لم يجمعها أحد قبله. ويذكّر بأن الله عتب على موسى عليه السلام لما سُئل: من أعلم أهل الأرض؟ فقال: أنا، ولم يردّ العلم إلى الله.
ويستشهد الشيخ بقول عبد الله بن المبارك رحمه الله (ت 181هـ)، إذ كان إذا ذكر أخلاق السلف أنشد: «لا تعرضنّ بذكرنا مع ذكرهم، ليس الصحيح إذا مشى كالمُقعَد». وينبّه إلى ما يكثر في زمن الفوضى من تفضيل بعض الناس على الأئمة الكبار كالألباني وابن باز وابن عثيمين، ويذكّر بأن العلم عطاء من الله قادر على أن ينزعه متى شاء.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: 53]
وقال ﷺ: «مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ» [رواه الترمذي]
المحور الرابع: زكاة العلم
يعدّ الشيخ زكاة العلم من جملة أخلاق طالب العلم، ومن صورها الصدع بالحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع الموازنة بين المصالح والمفاسد، فلا يُنهى عن منكر بطريقة تجرّ إلى منكر أكبر منه. ويؤكد ضرورة الحكمة والرفق في عرض الحق، فمن الناس من إذا خوطب بلطف قبل الحق ولو كان من جبابرة الدنيا.
ومن زكاة العلم نشره وعدم كتمانه، وبذل الجاه في الشفاعة الحسنة للمسلمين، ولا سيما طلبة العلم والفقراء والمرضى. فمن كان له وجاهة عند أحد فعليه أن يستعملها في نفع إخوانه بكتابة توصية أو مرافقة أخيه في حاجته، ولا يتضجر ممن جاءه يسأل، فما سأله إلا لحاجة. ويقرر الشيخ أن «العلم حياة»، فليس هو كلامًا في قناة أو مسجد فقط، وإنما هو بذل ونفع للخلق.
وينبّه الشيخ إلى أن العلم يزيد بالإنفاق وينقص بالإمساك، وأن الكتمان آفة. ويحذّر من أن يتخذ طالب العلم فساد الزمان وقلة الحضور عذرًا لترك التعليم، فلو انتفع به واحد فقط لكان هو المنتفع الأول. وإذا قعد أهل الخير عن البذل خلت الساحة لأهل الفساد الذين ينفقون الأموال لرفع لواء الرذيلة.
قال ﷺ: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» [رواه مسلم]
وقال ﷺ: «اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا شَاءَ» [متفق عليه]
المحور الخامس: عزة العلماء وصيانة العلم
يوصي الشيخ بالتحلي بعزة العلماء، وهي صيانة العلم وتعظيمه وحماية جنابه من الابتذال، فلا يذل طالب العلم نفسه لصاحب مال أو جاه. ومن الخلل أن يزدري طلبة العلم الفقراء ثم يسارع إلى تعظيم أهل الدنيا إذا جاؤوه. ويذكر الشيخ أن أهل الدنيا كانوا أذل ما يكونون في مجلس الأعمش، وأن من نهج السلف أن العلم لا يُباع ولا يُذل.
ويستشهد الشيخ بموقف الإمام البخاري رحمه الله حين طلب منه أمير بخارى خالد بن أحمد الذهلي أن يأتي إلى قصره ليحدّث أولاده، فأبى البخاري أن يذل العلم أو يحمله إلى أبواب الناس. ويورد قول القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني: «ولو أنّ أهل العلم صانوه صانهم، ولو عظّموه في النفوس لعُظِّما».
ويحذّر الشيخ من أن يتلاعب الكبراء بطالب العلم فيجعلوه مطيّة لأهوائهم في فتوى أو قضاء أو خطاب، فيحلّلون الحزبية إن خدمتهم ويحرّمونها إن عارضتهم. ويختم بالدعوة إلى قراءة تراجم الأئمة الذين بذلوا أنفسهم لإخوانهم وعزّوا على أهل الدنيا، كالزهري والأوزاعي والثوري والبخاري وإمام أهل السنة أحمد بن حنبل رحمهم الله جميعًا.
النقاط الرئيسية
- الغاية من العلم العمل، والعمل جزء من حقيقة الإيمان الذي هو قول واعتقاد وعمل.
- أول علامات العلم النافع العمل به، ومن ذلك المحافظة على النوافل لأنها تجبر نقص الفرائض.
- كراهية التزكية والمدح والتكبر من علامات العلم النافع، وحبها علامة على أن العلم لم ينفع صاحبه.
- الاعتزاز بالحق والتمسك به ممدوح، والتكبر على الخلق ودعوى التفرد بالصواب مذموم.
- الفرار من حب الرياسة والشهرة، وسوء الظن بالنفس مع إحسان الظن بالناس، من أخلاق العلماء الربانيين.
- زكاة العلم تكون بنشره، والصدع بالحق بحكمة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبذل الجاه في الشفاعة الحسنة.
- عزة العلماء تكون بصيانة العلم عن الابتذال لأهل الدنيا، مع التواضع لطلبة العلم والمسلمين.
الفوائد والعبر
- اجعل لكل حديث تتعلمه نصيبًا من العمل ولو مرة واحدة، كصيام يوم من أيام الشتاء أو صدقة ولو بالقليل.
- حاسب نفسك على علامات العلم النافع، فإذا وجدت في قلبك حب المدح أو التعالي على الناس فاعلم أنها آفة يجب علاجها.
- استعمل جاهك وعلاقاتك في الشفاعة الحسنة لإخوانك المحتاجين، فهذا من زكاة العلم وأسباب الأجر.
- لا تترك التعليم بحجة قلة الحاضرين أو فساد الزمان، فلو انتفع بك واحد كنت أنت أول المنتفعين، ولك أجر العلم الذي يُنتفع به بعد موتك.
- صُن العلم ولا تتزلف به إلى أهل الدنيا، وتواضع لطلبة العلم والفقراء، واتخذ من سير الأئمة كالبخاري وأحمد قدوة في الجمع بين العزة والتواضع.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات